عمر المختار" يعود من منفاه "
 
نص: سعيد العريبي
 
عن موقع ليبيا اليوم - الإربعاء 20 ديسمبر 2006
 
" واهم من يعتقد بأن صراع المختار مع المستعمرين قد انتهى بشنقه وانتقاله إلى الرفيق الأعلى "
 
ثمة خلق كريم من أخلاق عمر المختار، لا يعرفه الكثيرون .. ألا وهو خلق الوفاء لرفاقه من المجاهدين الذي سبقوه إلى الشهادة في سبيل الله .. دفعه هذا الخلق النبيل ذات يوم، إلى زيارة قبر المجاهد (حسين الجويفي) .. إكراما ووفاء .. وهناك عند قبر رفيق دربه الجهادي .. الذي دفن وحيـدا ، في مكان موحش ومعزول .. وقف يردد بألم وحسرة وبصوت مسموع (غناوة علم) اشتهرت عنه فيما بعد:
 
{ شِــهير لِــسم ، وافي الـِــدين تَـمّـا غَــفِـــير ، في فِـاهِــق خَـــلا }
 
تعجب عمر المختار أشد العجب .. من حالة الجحود والنكران .. التي صار إليها هذا البطل المغوار ، ذو الاسم الشهير ، والدين الكامل .. بعدما أضحى وحيدا في ذاك المكان القصي .
 
ولعلنا نلمس من خلال ذلك .. تحسر عمر المختار على عدم قدرته ، وقدرة رفاقه الأوفياء على تكريم أسد من أسود الجهاد .. وذلك لانشغالهم بأمور الجهاد أولا .. ووقوع البلاد بأسرها تحت الاحتلال ثانيـا .
 
ولعل عمر المختار الذي تحسر على ذلك .. لم يكن يدرك أنه سيواجه نفس المصير ذات يوم .. وينبذ في مكان قصي وموحش ومنعزل .. وبعد تكريم لم يدم طويلا .. لم يكن المختار يدرك أن الضريح سيهدم .. وأنه سيبعد قصرا عن أهله وأحبائه .. وعن بنغازي التي أحبته حيا وميتا .
 
لكن بنغازي التي أبعد عنها جسدا .. لا تزال تطيب شوارعها كل يوم بعبق روحه الطاهرة الطيبة .. تلك الروح المباركة التي قادتني ذات صباح .. لزيارة رفاته الطاهر في منفاه " المؤقت " بصحراء سلوق .
 
نعم .. ذهبت إلى هناك .. في زيارة خاطفة لعمر المختار .. حيث وقفت بين يديه وسلمت عليه .. وشرعت أنظر إلى شيخنا المبعد .. الذي آلمني جدا نقله إلى هذا المكان المغبر القصي .. وبقلب مكلــوم ، وبعينين دامعتين ، كنت أنا الآخر .. أردد على مسامعه وبلا شعور مني :
 
{ شِــهير لِــسم ، وافي الـِــدين تَـمّـا غَــفِـــير ، في فِـاهِــق خَـــلا }
 
وفي طريقي إلى بنغازي .. كنت أقلب الفكر في تاريخ شيخنا المجاهد .. هذا الشيخ البطل الذي يعد مفخرة ليس لبلادنا وحسب بل لكل العرب والمسلمين جميعا .
 
وتساءلت :
 
ــ هل انتهى صراع عمر المختار مع الإيطاليين بعد استشهاده .. ؟
 
كنت أعتقد أنه مجرد سؤال عابر ليس إلا .. لم أشغل به فكري كثيرا .. وأرحت نفسي عناء البحث له عن إجابة .. فقط لإدراكي بأن جهاده قد انتهى بالفعل ، وأن الإيطاليين قد رحلوا عن بلادنا الحبيبة والحمد لله .
 
لكن هذا السؤال " العابر" عاد ليطرق باب ذاكرتي من جديد ، وطوال الطريق توالت الطرقات على باب ذاكرتي وبكل قوة .. حتى أنه أرغمني على أن أعيد تقليب الأمور من كل الوجوه .. فكان أن قادني بعد ذلك إلى سؤال آخـر يقول :
 
ــ لماذا لم يطلق اسم عمر المختار .. على نفس الشارع الذي كان ينام فيه عمر المختار .. أعني بضريحه " المهدم " .. ؟
 
وجاءت الإجابة سريعة كالبرق تقول :
 
ــ ربما لأن القنصلية الإيطالية تقع في نفس ذلك الشارع .. والإيطاليون بالطبع لا يروق لهم إطلاق اسم أحد أكبر " المتمردين العصاة " بزعمهم على نفس الشارع الذي يقيمون فيه .
 
وهنا وجدتني أتساءل مرة أخرى :
 
ــ وهل يعني ذلك أن صراعه مع الإيطاليين .. لم ينته بعد .. ؟
 
وجاءت الإجابة أسرع مما كنت أتوقع .
 
ــ نعم لم ينته صراعه معهم وإلى يومنا هذا .. وقد استمر هذا الصراع بعد شنقه أيضا .
 
وتذكرت أنه وبعد خروج الغزاة من بلادنا .. وبعد عودة العلاقات معهم .. اختارت إيطاليا أحد أفضل مبانيها ، التي شيدتها إبان حقبتها الاستعمارية ، ليكون مقرا لقنصليتها ببنغازي .
 
وبالمقابل كان على أحباء عمر المختار أن يشيدوا له ضريحا بنفس الشارع .. وعلى مقربة من مقر الفنصلية الإيطالية .. وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا للمستعمر ها هو عمر المختار .. ها هو هنا .. على بعد خطوات منكم .
 
ثم تساءلت مرة أخرى :
 
ــ وما الدليل على أن صراعه معهم لم ينته بعد .. ؟
 
وأجبت وبلا تردد :
 
ـ لاشك أن أعضاء السلك الدبلوماسي الإيطالي العاملين بالقنصلية الإيطالية .. لم يكن ليروق لهم أن يشاهدوا كل يوم ضريح شيخنا البطل ينتصب على بعد خطوات معدودة منهم ليقول لهم .. أنا هنا رمزا ومثلا وقوة وثباتا .. فلا نامت أعين المستعمرين .
 
وتساءلت مجددا :
 
ــ وهل أوعز الإيطاليون لنا بفكرة هدم الضريح إذن .. ؟
 
وقلت مجيبا :
 
ـ أنا لا أعتقد ذلك .. ولكنني أعتقد أن أعضاء السك الدبلوماسي المتواجدين بمقر القنصلية الإيطالية ببنغازي .. كانوا أول الفرحين بإزالة ضريح شيخ الشهداء عمر المختار .. فقد كانوا يشاهدونه يوميا ذهابا وإيابا .. وهم في طريقهم إلى وكرهم المشبوه الذي يقع في نفس الشارع .. وقد كانوا على يقين من أن المختار " حي " .. وأنه يراهم ويلعنهم كل يوم ، صباح مساء .
 
قلت .. أنا لا أعتقد بأن الإيطاليين هم من أوعز بفكرة هدم الضريح .. ولكنني أعتقد أن أحفاد عمر المختار الذين أحرقوا قنصلية الطليان بعد إزالة الضريح .. قد أحرقوها انتقاما لشيخهم المبعد عنهم قصرا .
 
نعم .. لم يكن ليروق لأحفاد المختار بطبيعة الحال .. أن يزال الضريح ولا تزال القنصلية .. " العين بالعين والسن بالسن .. والجروح قصاص " .
 
والآن .. ألا ترى معي - أخي القارئ - أن كل ذلك قد حدث دون شك .. بوحي من روح المختار .. الذي حارب الغزاة وانتقم منهم حيا وميتا .
 
من هنا .. وتأكيدا لكل ذلك .. أعتقد جازما أن عمر المختار- { شِــهير لِــسم ، وافي الـِــدين } كما تقول (غناوة العلم ) - سيعود من منفاه قريبا .. ليواصل جهاده البطولي .. وذلك من مقره إقامته القديم .. بجانب قنصلية الطليان التي شرعوا في " ترميمها مؤخرا " .
 
أيها السادة .. يقول لكم عمر المختار .. أوقفوا ترميم قنصلية الغزاة .. أو أعيدوا بناء ضريحي .. حتى نكون متعادلين بالنقاط على أقل تقدير .. وإن عادوا عدنا .. والأيام بيننا والحرب سجال .
 
فهل حقا سيعود عمر المختار من منفاه .. كما أعتقد أنا .. ؟ وهل ستتزين بنغازي له .. وتحسن استقباله مجددا .. ؟ وهل سترش عربته بماء الزهر .. وتطوق رفاته بأطواق الورد .. وعقود الفل وباقات الياسمين .. ؟ .. نعم .. ستفعل بنغازي كل ذلك .. حبا له وإكراما .. ونكاية بالغزاة الحاقدين.
 
AL_ORIBI@yahoo.com
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com