26/02/2009
 

 
قيل: صمتاً !
 
بقلم: إدريس بن الطيب

 
عندما كتب الشاعر المرحوم إبراهيم الأسطى عمر بيتة الشهير: قيل صمتاً فقلت لست بميت - انما الصمت ميزة للجماد - كان قد كتبه لابروح الشاعر الرومانسي المتأمل بل بروح رجل العمل الوطني الأهلي الذي يعتبر الصمت أمام قضايا الوطن موتاً لا يليق الا بجماد حتى ولوكان جماداً يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، وبذلك فقد حدد موقفه من هذه الدعوة الى الصمت بالقول بانه لايزال حيا وان القول - بما هو فعل ايجابى يرتكز على اهمية المشاركة فى بناء الوطن بقول الحق والدفاع عنه - هو الطريق السليم لتأكيد روح الانسان الفعالة والخلاقة التى تصنع الحياة على الارض لجيله وللاجيال اللاحقة، ولهذا فقد عاش هذا البيت القوى المكثف حتى وصل الينا دعوة دائمة ومتجددة للحوار والنقاش والمجالدة فيهما في وجه من يريدون ان يسود فى حياتنا صمت القبور.
 
وإذا كان الصمت من ذهب في حالات ما، اى عندما يكون بديلا عن الهذر والسفه وإعادة إنتاج طقطقة الالسن فى الافواه، فانه قد يكون تواطؤا يرقى إلى درجة خيانة طبيعة الحياة ذاتها عندما يكون دعوة الى التخلى عن الواجب الوطني فى العمل الدؤوب على انضاج حالة حوار جاد وحقيقي يكون وطننا فى أمس الحاجة اليها، وفى هذه الحالة فان كل الدعوات الى الصمت لا تكون بريئة المرامى والاهداف، فهى تدفع - تحت حجج وذرائع متعددة - الى خلق حالة صمت عاجز يبقى الاوضاع على ما هى عليه وبالتالى يقف فى وجه اليات التقدم الى مستقبل لابد بالضرورة ان يكون افضل عندما ننتبه الى ان الدعوات الى الصمت ليست دائما دعوات الى الهدوء وانما هى دعوات - على نحو ما - الى التحول الى جماد.
 
ورغم ان البيت يبدأ بفعل قول مبنى للمجهول نحوا فالقائل ليس بالضرورة مجهولا دلالة، فالصمت العاجز الخائف الذى تتم الدعوة اليه هو لاشك من مصلحةالداعين اليه انطلاقا من انه من الحكمة اغلاق كل الابواب التى تجلب الريح، ابقاءاً للحالة الآسنة منعاً للريح من القيام بمهمة تجديد الهواء، وبهذا نكون قد حصلنا على وطن له كافة صفات المقبرة.
 
ان الشاعر المرحوم ابراهيم الاسطى عمر يتحدث عن القول باعتباره فعلاً وعن الصمت باعتباره بديلا للحياة واذا كان الصامت ليس هو بالضرورة من لا يستطيع الكلام ، فانه قد وضع الخيار واضحاً امام ايثار السلامة والابتعاد عن المخاطر بممارسة حياة جمادية مَيتة، وبين الانغماس الفعلى فى ممارسة حياة نشطة متقدة تزخر بالصعوبات والمشكلات والإنجازات، واحتمال ما يترتب على خيار ان تكون حياً من ثمن يزيد او ينقص، ومعوقات يتم التغلب عليها بروح النضال من أجل وطن افضل لنا وللأجيال القادمة.
 
وإذا كان القول يأتى - فيما يخص تغيير المنكر - في المرتبة الثانية بعد اليد وقبل القلب، فانه يصبح - بمجرد انعدام امكانية التغيير باليد - في المرتبة الأولى باعتباره الفعل الأقوى والأكثر تأثيراً، بل ان تغيير المنكر بالقلب ليس - كما يبدو - عملا من اعمال اللامبالاة بل فيه شئ من طبيعة القول وان كان همساً داخل النفس والا لما اعتبر فعلا من أفعال التغيير، وبهذا فان الصمت لدى إبراهيم الأسطى عمر والذى هو رديف للموت ولكينونة الجماد ليس هو عدم الكلام فحسب بل هو عدم الكلام الجاد والمسؤول والرصين والعميق والباحث - عبر اليات الحوار - عن حلول لمشكلات الوطن، وذلك بالغوص في أعماق هذه المشكلات بجرأة وشجاعة وروح ديدنها الأول والأخير هو الحق والعدل والحرية.
 
رحم الله شاعرنا، واعاننا على تفادى رذيلة الصمت.
 

ــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات سابقة:
 
  عن الشتيمة والصفعة اليتيمة
  ألا تذكر يا "أحمد إبراهيم"؟؟
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق