18/04/2009

 
اثـنان لا يلتقيان؛ حرية التعبير ومفهوم الأمن الحالي لدى العرب
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
قبل إيراد الحجة بالزعم، نتلمس قليلا تحديد المفاهيم، أي ما يقصد بحرية التعبير والأمن عموما:
 
حرية التعبير
 
هو الحق المستحق منذ الأزل بأن يقول المرء ما يراه من رأي في أي شأن كان، وأن يعبر عن مطالب أو يجهر بمظلمة لحقته، انفرادا أو جماعة، أو أن يتداول مع غيره ما يسمعه من أخبار، حقيقة كانت أو مجرد خبر مشاع يتردد على ألسنة الناس ويثير انتباههم، خاصّة عند غياب الخبر اليقين عن شؤون تتعلق بمجتمعه، ولا بديل سوى ما تردده أجهزة الدولة، أي دولة في أقطارنا والتي لم تعد تحظى بمصداقية مقنعة في معظم الأحوال، ومن التعبير أيضا عندما يكون جماعيا جماهيريا: التظاهر السلمي والخطابة العلنية ومخاطبة كل من قد يوصل رسالة الرأي أو الاحتجاج إلى ذوي الأمر، ويكرّس ذلك كله، صحافة ووسائل إعلام حر- إرسالا واستقبالا- دون قيد أو شرط اللهم نواه الأخلاق والاحترام وضوابط قانون مصاغ بمعايير مثلى متوافقة مع حقوق الإنسان التي لا جدال فيها.
 
مفهوم 'الأمن'
 
القصد الأول به، هو أمن المواطن الفرد والجماعة، أي المجتمع ككل فمن متطلبات المواطن الرئيسية أن يأتمن على نفسه وأهله وعرضه وماله، وعندما يتمتع الناس كلهم بالمزيّة يصبح المجتمع مستقرا، ومن الاستقرار تزدهر التجارة والأعمال، ويهنأ بال أولي الأمر ومن يتولوا أمورهم، هذا تعريف قديم جديد مختصر وبسيط.
 
لكي يتحقق الأمن جرت الدول على تشكيل أجهزة الأمن بمختلف المسميات، من شرطة إلى درك إلى بوليس سري أو سياسي، إلى استخبارات إلى مباحث إلى آخر القوائم، والتشكيلات نظرا لطبيعتها زودت بالسلاح والعتاد واللباس الرسمي الدال على طبيعة العمل أو بدونه، ومنحت صلاحيات وسلطات وأموال وأنيط بها مهام حفظ الأمن وتتبع المخلّين به ومن ثم تحويل الملاحقة إلى سلطان الإدعاء والقضاء. باختصار مفهوم 'عمل' أجهزة الأمن بنوعيها (الخارجي والداخلي) هو الحفاظ على أمن المواطن الفرد ابتداء، ومنه إلى أمن المجتمع الدولة / الوطن ورصد المتغيرات التي قد تزعزعه (أحوال السياسة والاقتصاد وتصرفات الإدارات والقائمين عليها) وتحديدا؛ بمهمة التحليل واستخلاص التوقعات وإحالة الأمر لمتولّيه للتصرف وفقا للقواعد التي ترتكز عليها منظومة الدولة.
 
الرصد والتقرير ينقسم لما يجري داخليا وكذلك أية معطيات تدل على تدخل دول خارجية لا تكنّ مودة للوطن أو القائمين عليه، وهو ما صار يعرف بالأمن الداخلي لدرء أخطار في داخل الوطن ومنهــــا مكافحة الجاسوسية - والخارجي الذي يختص بإخطــــار محتملة من الخارج وما قد يستدعيه من 'أعمـــــال استجلاب معلومات أو بالمصطلح الخاص: الجوسسة (ويعادل ذلك كنموذج الولايات المتحدة: الإف. بي. آي. السي. آي. أي) هذا مفهوم يجري العمل به في كافـــــة أرجـــاء العالم والوازع الأول في كافة الأنشطة هو امن الوطن والولاء له ضمن منظومة قانونية وبرقابة على كل أنشطتها ومحاسبة من يخطأ ويشط.
 
المفهوم الذي صار في بلداننا
 
إلا أن، بلدان بني يعرب، أجهزتها الأمنية تتمتع بصلاحيات وسلطات وموارد تتفوق بها، في معظم الأحوال، على غيرها من مؤسسات الدولة ونسبيا أعلى بكثير من نظيراتها في بلدان غير العرب، وهي تتماثل هنا مع أنظمة أخرى غير عربية سواء بالدول النامية أو تلك الخارجة من الحكم الشمولي، الاشتراكي سابقا من حيث أن السلطات الواسعة والإمكانيات الموضوعة تحت تصرفها تجعل من 'المناصب' القيادية فيها ذات بريق وجاذبية، تجعل المترشحين لشغلها من شتى الأهواء وأحيانا الخلفيات وبأعداد غفيرة، وهؤلاء عادة يكون 'مفهومهم' لأمن الوطن مختزلا في ثبات الوضع القائم، ايا كان.
 
الوضع المستقر الذي يظهر بغير ذلك!
 
أحيانا، 'الوضع القائم' مستقر ولا خشية عليه، وإن شاب المجتمع وفئاته بعض نقص حقوقي، أو اقتصادي أو نتائج إخفاق في تسيير دفة إداراته على الوجه المطلوب، هنا؛ قد يجنح 'البعض' من قيادات الأجهزة الأمنية إلى اعتماد تصورات أو استنتاجات لوقائع أو شواهد ما لا تمثل 'الخطورة' المدرجة في تقرير الحالة الأمنية، بل قد يندفع البعض إلى توصيف أفراد أو جماعات بسمة 'مضادين للنظام' أو مباشرة بأنهم يشكلون خطرا وأنهم ذوو علاقات أو اتصالات مشبوهة مع جهات أجنبية أو أنهم ينتمون لتنظيمات محظورة أو يتلقون دعما وتمويلا من الخارج. الاندفاع في هذا المنحى يخلق صورة غير حقيقية أو مبالغ فيها، لأهمية وخطورة الوقائع والشواهد، يؤدي في غالب الأحوال إلى خلل في مفهوم الأمن المعتاد الذي ذكرناه سابقا، يصبح 'الخطر' الداهم! والوشيك!، شغل الدولة الشاغل، ويصحب ذلك توسع سلطات الأجهزة وتكتسب سلطات تنفيذية مباشرة (من حيث القبض والإحضار بتجاوز للقانون) وتنتشر 'ممثليات' الأمن في كل قطاعات الدولة ومناحي النشاط المدني والاقتصادي، والحجة المبررة ستكون دوما؟ سيقال: الحفاظ على الأمن!... والنتيجة؟ المفهوم الجديد ينشأ عنه تضخم رهيب في 'أفراد' الأمن وقوامه البشري بلغ ثلاثة ملايين فرد في إحدى الدول وعتاد إداري وبشري وقيادات متعددة ضمن 'جهاز أمني' سيؤدي حتما إلى تأثير غير مستحق في شؤون السلطة والسياسة بل قد يقول البعض أن مثل هكذا جهاز سيعتبر نفسه 'شريكا' في السلطة أو هو سلطة مستقلة، تدين له الدولة ونظامها بوجودها بفعل تواجده هو أي 'الجهاز' ويحدث ذلك دون تخطيط مسبق أوعزم به، ولكنه يحدث على أي حال، ويحدث أحيانا أن يصبح مشكلا هو ذاته، لخطورة على الأمن المناط به الحفاظ عليه، ونقصد هنا الأمن الذي صار يعرف هذه الأيام بالأمن القومي! ويحدث هذا أيضا دون قصد ولكنه تحصيل حاصل اعتماد المفهوم المغاير لما يجب أن يكون عليه... أو بكل بساطة نتيجة تصرفات غير مسؤولة تضر بالوطن وموضعه في المسرح الدولي.
 
ويحدث أيضا
 
يحدث هذا خصوصا عند استمرار بقاء القيادات الأمنية في مواقعها لفترات طويلة. ولقد حدث أيضا فعلا في العديد من بلداننا، بل لقد حدث حتى في بلدان الغرب والشرق، نذكر على سبيل المثال 'بيريا' رئيس استخبارات ستالين في الاتحاد السوفييتي وما تسبب في ضرر للدولة والحزب، وأيضا 'إدجار هوفر' الذي ظل قابعا سبعة ثلاثين سنة على سدة جهاز الأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية الإف. بي. آي. وخدم تحت ستة رؤساء متعاقبين من روزفلت إلى نيكسون، ولم يزحزحه أحد، هذا الرجل يقول عنه بعض المؤرخين أنه هو من اختلق 'المكارثية' في خمسينات القرن الماضي التي ألحقت الضرر بالآلاف ووصمتهم بالخيانة والعمالة، وأنه أيضا هو الذي وضع ورسم خطوط الحرب الباردة وأعاق التفاهم بين قطبي العالم، بالنسبة لنا في بلدان العرب لا تنقصنا الأمثلة، لعل البعض لا يزال يتذكر 'فضيحة المخابرات' في إحدى كبريات بلداننا في أواخر ستينات القرن الماضي، أو محاولات الانقلاب التي قامت بها بعض الأجهزة في بعض البلدان العربية الأخرى.
 
مفهومان لا يلتقيان
 
نعود لحرية التعبير ومفهومها السابق ذكره، وبناء على ما قدمنا عن أجهزة أمن العرب ومفهومها المستحدث له، لا نرى إمكانية تلاقيهما، فحرية التعبير بكينونتها واستعمالها من قبل أفراد أو جماعات المجتمع المدني ستعبر افتراضا عن واقع الحال، تكشف الأخطاء، أو ما يبدو لها كذلك، تدلي برأي أو تقييم من نمط آخر ليس بالضرورة زاهي الألوان عن واقع الحال، تطالب بحقوق، أو محاسبة أو شفافية، وهي إن كانت ضمن إطار قانوني وفق المعايير الدولية، فلن تطالب بانقلاب أو ثورة بل ستطالب بإصلاح، وإعادة نظر وتقييم، ومحاسبة وستطالب حتما بكفاءات معترف بها لشغل المناصب التي تمس حياة المواطن اليومية، وهي إن قالت بسقم حال فهي تٌعلم أولي الأمر وإن قالت بعوز ونقص فهي تستغيث، وإن طالبت بتنظيمات، فعند الموافقة عليها؛ لن يعمل أحد في الخفاء!
 
بالطبع لن يستقيم ذلك مع البعض من قيادات الأمن التي تقول بغير ما قد يقال في ظل حرية الرأي، وهذه إن أٌتيحت، ستكون مستهدفة وستكون محل استخفاف بل وقد يحاك للمعبرين عن قضايا ومظالم وتهم وشبهات اتهام بعمالة واتصالات 'بأجانب' أو حتى بالانتماء لأصول غير وطنية. لن يلتقي المفهومان، مفهوم حرية التعبير والمفهوم المستحدث أو المصطنع للأمن القومي.
 
عن الأمن القومي
 
الأمن القومي أو أمن الدولة ونظامها المكلف والمضطلع باستقرار المجتمع، يجب أن يحتوي أساسا أمن المواطن قبالة 'أمن الدولة' فالمواطن المستقر القادر على التعبير يعتبر صمام أمان بكل ما يحمل هذا المصطلح من معنى، فحتى في حالة الافتراض بأن الناطق بحجة أو خبر قد يعتبر 'معارضا'، فهذا المعارض الافتراضي لن يبحث سوى عن النقائص والمثالب، فإن كانت صحيحة ولم تكن معروفة لدى الدولة، فها هي قد علمت بها، وإن كانت غير ذلك فلن يضيرها اي شيء، لأن الحقيقة تطغى في النهاية على غيرها، وإن كان القول، من قبل أي طرف، برأي أو مشورة إصلاح يتوخى خير الوطن، فقد يستفيد أولي الأمر من رؤى وأراء أخرى. ولكن، عندما يتم تلبيس كل تعبير بثوب 'الخطر' فلقد ثبت أن ذلك لا يثمر بل قد يعيق.
 
نظرة جديدة للأمن وأجهزته
 
في أيامنا هذه صار لدينا في معظم أقطار العرب، وسائل تعبير ونشر وتواصل وتراسل بالغة السهولة والسرعة، بل سرعة تكاد تدير الرؤوس، فلم يعد مهما من قال ماذا، خرجت وسائل التعبير عن سيطرة الدولة بفعل ثورة الاتصالات وما أدت إليه، فهي تكاد تجعل العالم بأسره قرية صغيرة يعلم سكانها كل ما يدون في أرجائها.
 
يقتضي الأمر التعامل مع الوضعية الجديدة، مهمة أجهزة الأمن في مفهومها الصحيح، هو تحليل الكم الهائل المتوافر من المعلومات، سواء المحلية أو الدولية، والوصول إلى تقييم أو تقييمات تقدم لصانعي القرار، المعلومات نفسها لم تعد تحتاج إلى 'عساسة' و'بصاصة' فهي متوفرة مجانا وتطوعا في كل ساعة ودقيقة - في هذا السياق صرح أحد كبار المحللين السابقين في وكالة الاستخبارات الأمريكية في مقالة له، بأن 'المواد التي نستعملها في تحاليلنا نحصل عليها بنسبة 80' من وسائل الإعلام العالمية المتاحة'
 
عن الكفاءة
 
تبقى إذن كفاءة التحاليل، وهذه تعتمد على تأهيل وكفاءة القائمين بها، وهؤلاء يتطلب لهم تدريب خاص وتأهيل خاص، ويجب أن يؤدوا عملهم بمعزل عن الأهواء السياسية أو العقائدية، وعليهم أن يتركوا القرار لأصحاب القرار بعد وضع الخيارات ومبرراتها، ومؤديات كل قرار يتخذ. حرية التعبير عندما تترسخ وتعتمد ويقبل بها في أوطاننا؛ ستصبح رديفا وداعما لأمن الوطن القومي، فهي تنذر وتحذر وتنصح وتدبر.
 
العشر يكفي
 
أجهزة الأمن العربية بوضعيتها الآن، وحسبما نرى، يمكن تقليصها بنسبة تسعة أعشار عندما تعتمد حرية التعبير، والعشر الباقي سيكون قادرا على تأدية كل مهماته وفقا للمفهوم المفترض الذي سردنا، ومن أهم المهام تبين الواقع كما هو، واستشراف الحال في حال استمراره على ما هو عليه، وفي جميع الأحوال يجب تقليص سلطات الأجهزة الأمنية إلى أقصى درجة ممكنة، وحتى هذه يجب أن تكون تحت الرقابة والمحاسبة.
 
وكرديف آخر للأمن القومي، يجب إتاحة الفرصة لمراكز الدراسات الأهلية ودعمها، من حيث كونها تنشغل بدراسة واقع الحال وما يجب أن يكون وكيف الوصول إليه، وفي تعدد المراكز وتعدد استنتاجاتها أمان للمضي في الطريق الأكثر صوابا.
 
مؤسسات المجتمع المدني، في ظل تشريع يطابق المعايير الدولية المعترف بها، ستعطي زخما ودفعا لكلا من حرية التعبير وفعالية الأجهزة المناط بها الحفاظ على الأمن.
 
النشاط السلمي القانوني لمثل هذه المؤسسات، حتى وإن كان في نظر أهل 'المفهوم' الساري لدى البعض بخصوص أمن الوطن، في خاتمة المطاف لن يكون سوى داعم للاستقرار والازدهار، ليس هناك من نظام كامل الأوصاف، وليس لحرية التعبير أن تفعل فعل العصا السحرية، وليس لأي أجهزة أن في العالم بأسره أن تضمن أمن دولة، ولكــــن اعتماد هذه الرؤية، أي عدم إمكانــــية الــــحل الكامل الأمثل في كل شأن، سيتيح بدون شك تقليل الخطأ وسيجعل المواطن أكثر التصاقا بوطنه ومن طرح عديد الآراء، سيخرج الرأي الأرجح صوابا في كل نائبة.
 
رمضان جربوع
ramadanjarbou@yahoo.com

http://jarbou.maktoobblog.com
 

* سبق نشر المقال بصحيفة القدس العربي - لندن وصحيفة قورينا - بنغازي بتاريخ  16/4/2009
 

 

 

فتحي عاشور: السيد رمضان جربوع اوردت في مقالك ما يلي: "حرية التعبير هو الحق المستحق منذ الأزل بأن يقول المرء ما يراه من رأي في أي شأن كان" وهو شئ متفق عليه لدى كل البشر ولكن "قائد الجماهيرية - ملك الملوك" الملهم لديه مقولة تقول ان "الحرىة لا تتجزأ" فهل تؤكد مخالفتك له! شئ جميل جداً ان نجد في العظمى من يخالف الملهم.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق