21/06/2009
 

 
نشأت ودور التيارات والأحزاب السياسية فى ليبيا وإنهيار الحلم الفرنسى فى فزان (4)
(من محتويات كتاب "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا")

 
 
بقلم: ابراهيم عميش
 
تناولنا فى الحلقات السابقة؛ نشأة ودور التيارات والأحزاب السياسية قبل الاستقلال، فكانت فى إقليم برقة: جمعية عمر المختار سنة 1943م والجبهة الوطنية البرقاوية سنة 1946م والمؤتمر الوطنى العام سنة 1948م، ووثّقنا لنشأة ودور كل من: الحزب الوطنى الطرابلسى والجبهة الوطنية المتحدة وحزب الكتلة الوطنية الحرة وحزب الاتحاد المصرى الطرابلسى ثم هيئة تحرير ليبيا وحزب العمال الطرابلسى. ونكمل فى هذه الحلقة نشأة ودور كل من حزب الأحرار والمؤتمر الوطنى الطرابلسى وحزب الاستقلال، ثم نتناول انهيار الحلم الفرنسى فى الاحتفاظ بإقليم فزان كمستعمرة تحت الإنتداب الفرنسى، ونـورد نص قرار هيئة الأمم المتحدة الرقم 289 القاضى بإعلان استقلال ليبيا بأقاليمها الثلاث فى 24 ديسمبر 1951م ونورد نص الكلمة التى القاها المغفور له جلالة الملك محمد إدريس السنوسى وأعلن فيها رسميا من قصر المنار فى مدينة بنغازى صباح يوم 24 ديسمبر - كانون اول سنة 1951م: ان ليبيا قد اصبحت منذ اليوم دولة مستقلة ذات سيادة.
 
حزب الأحرار  (11 مارس/ آذار 1948م)
 
في اليوم الحادي عشر من شهر مارس - آذار سنة 1948م و مع الأيام الأولى لوصول لجنة التحقيق الدولية إلى العاصمة طرابلس؛ اعترفت الإدارة العسكرية للاحتلال البريطاني بتأسيس (حزب الأحرار) بناء على طلب الصادق بن ذراع أحد الوكلاء السابقين للحزب الوطني الطرابلسي.
 
ولأن الصادق بن ذراع وعدد من رفاقه المؤسسين لحزب الأحرار ينتمون إلى الطليعة الوطنية العاملة في قطاع التعليم ؛ فإن الإطار الذي اختاره وتحرك فيه كل من حزب العمال الطرابلسي بقيادة البشير بن حمزة؛ وحزب الأحرار بقيادة الصادق بن ذراع كان متسقاً مع الواقع السياسي والاجتماعي مما جعلهما أقرب إلى الكيان النقابي منه إلى التنظيم الحزبي، ذلك أن تلك الشرائح من الطبقة الوسطى المؤسسة لحزب الأحرار (كتبة ومعلمون وطلبة) كانت قد ظهرت في الإمتدادات الوسطى للبناء الاجتماعي التقليدي في أعقاب الحرب العالمية الثانية مع هزيمة القوات العسكرية الإيطالية وعودة المهاجرين؛ وأخذت تبرز وتقدم نفسها من خلال قدراتهم الفكرية ومواهبهم الثقافية والسياسية كوسائط للتحديث والتنمية لمرحلة ما بعد استقلال البلاد، كما وقد جاء إعلان تأسيس حزب الأحرار في مارس سنة 1948م انعكاساً في إقليم طرابلس للأحداث المحلية واستجابة للتطورات الدولية التي صاحبت القضية الوطنية الليبية، ومع متغيرات موازين القوى التي شهدها العالم غُداة الحرب العالميةالثانية التي أفرزت نظاماً سياسياً دولياً اتصف بالثنائية القطبية.
 
ولما كانت ظاهرة الكيانات السياسية والتنظيمات الحزبية قد ارتبطت نشأتها الأفريقية، منذ عشرينات القرن الماضي وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ بمؤثرات الاستعمار في بلادها - باستثناء أثيوبيا ومصر وليبيريا (1) فإن بروزها في إطار حركة التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الثانية في ليبيا قد تأصل بجهود التخلص من الاحتلال وآثار الاستعمار وتحقيق استقلال البلاد وهي نتاج طبيعي للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي صاحبت مرحلة ما بين الحربين العالميتين.
 
في إطار التحليل الطبقي للظاهرة الحزبية في بلدان العالم الثالث وكحقيقة عضوية مرتبطة بخصائص الأوضاع في المجتمعات المتخلفة؛ سواء في نشأتها أو مقوماتها وخصائصها أو وظائفها (2)؛ يمكننا تفهم الأهداف والغايات التي تعلنها التنظيمات الحزبية ووظائفها الفعلية التي تؤديها ، ذلك أن التعقيدات الاجتماعية والطبقية إلى جانب المؤثرات الخارجية التي تناولتها مدرسة (التبعية) في دراسة الظاهرة السياسية في المجتمعات المتخلفة؛ تؤكد على أهمية العنصر الخارجي وتأثيراته في تشكيل مُجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك المجتمعات التي تخضع للاحتلال وفي حال عدم الاستقلال..
 
ومن خلال التحليل الطبقي للتشكيلات الاجتماعية المختلفة ؛ يمكننا التعرف على الأبعاد الحقيقة لنشأة وتأسيس حزب الأحرار الذي استشرف واستبق في برنامجه السياسي وغاياته الوطنية؛ حركة التحرر الوطني الديمقراطي في ليبيا مما جعله حزباً للطليعة أو الصفوة التي قامت بتحدي الواقع وليس التعبير عنه، ولأن هذه الفئات من الطبقة الوسطى تكون في العادة أكثر ترابطاً وانسجاماً فيما بينها، كما هي الركيزة الفكرية والسياسية الشعبية الوسيطة في برامج التنمية السياسية والإدارية لحركة التحرر الوطني الديمقراطي، وهي همزة الوصل في مواجهة التخلف السياسي والاجتماعي بين الحاضرة والبادية؛ فقد صاغ حزب الأحرار برنامجه وأهدافه بالعمل على إلغاء القوانين الإيطالية - التي كانت ما تزال سارية وتعمل الإدارة البريطانية على تطبيقها في البلاد - وأن يتولى الوظائف الإدارية والقضائية أبناء الشعب الليبي المؤهلون لذلك إلى جانب حقهم في تأسيس الجمعيات التعاونية والنقابات المهنية.
 
وقد جمع حزب الأحرار بين صفوفه نخبة وطنية مُستنيرة في مُجتمع المدينة في إقليم طرابلس؛ كان لها دور توجيهي وإعلامي في عرض مسارات القضية الوطنية في داخل البلاد وخارجها، وشرح وتفسير أدوار ومهام الحركة الوطنية في داخل البلاد وخارجها، وشرح وتفسير أدوار ومهام حركة التحرر الوطني الديمقراطي في ليبيا.
 
وإن لم تحفظ لهذا الحزب وثائق تؤرخ لنشاطه ودوره في مسار حركة التحرر الوطني، باستثناء تقرير اللجنة الرباعية الدولية لتقصي حقائق رغبات السكان في المُستعمرة الإيطالية السابقة؛ ليبيا، الذي جاء على ذكر حزب الأحرار برئاسة الصادق بن ذراع كأحد التنظيمات السياسية في إقليم طرابلس؛ أو بعض المعاصرين لهذه المرحلة؛ إلا أنه من الثابت لدينا في التاريخ الشفوي لحركة التحرر الوطني الديمقراطي في ليبيا؛ أن الأستاذ الصادق بن ذراع كان من الشخصيات الوطنية العامة في إقليم طرابلس، وكان له دوره الفاعل في الحركة السياسية والاجتماعية، وكان له مع رفاقه من رجال التعليم في حزب الأحرار الدور الريادي في تعريب وتلييب المؤسسة التعليمية في ليبيا.
 
المؤتمر الوطنى الطرابلسى (14 مايو/ أيار 1949م)
 
صنع مشروع (بيفن - سفورزا ) الذي كشف نوايا و مساعي الدول الكبرى لتقسيم ليبيا واستمرار احتلالها؛ وما تلته من أحداث وردود أفعال؛ صنع تغيرات هامة في الحياة السياسية، وعلى مسار قضية ليبيا في الأمم المتحدة. ولما كان من المُسلّمات الأساسية أن يُسجّل ما حدث عند التأريخ لهذه المرحلة من الحياة الحزبية وتأصيلها في إطار حركة التحرر الوطني الديمقراطي وإنجازاتها في ليبيا؛ فأنها وبكل المقاييس تُعد تجربة وطنية هامة في مُجمل تاريخ الحياة السياسية في ليبيا وارتباطها ارتباطاً مباشراً لتحقيق استقلال البلاد وقيام دولتها الحديثة.
 
ومن أهم ما صنعته هذه المرحلة، وما تمخض عنها، هو تأكيد الوحدة الوطنية الليبيةالتي تجاوز بها المناضلون وساسة ليبيا المخلصون كل العقبات التي كان يضعها أعداء البلاد في طريق حرية شعبها وجعلها حاجزاً يفصل مشرق الأرض العربية عن مغربها... فلم يكُن مشروع قرار بيفن - سفورزا لتقسيم ليبيا وإعاقة وحدتها واستقلالها بمعزل عن الأطار العام لخطة تقسيم وتفتيت الوطن العربي في مقابل تحقيق المشروع الصهيوني بتثبيت أقدام يهود الغرب في فلسطين وقيام الجزء الأول من دولة إسرائيل (الكبرى)، ولعل صناعة الأحداث وتسلسلها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بعد مؤتمر يالطا سنة 1945م؛ وما أكدت عليه وكشفت عنه بعض الوثائق السرّية؛ كما ولم تعد تخفيه اليوم دوائر الإمبريالية العالمية من أجندتها في المنطقة؛ لم تختم فصوله بعد، ولن يصل إلى نهايته وإن وضعوا يدهم على الأرض العربية وما في باطنها من ثروة ظاهرة؛ ذلك وأن جذورها الحضارية هي المكون الأساسي والمادة الأولية في نُطفة العقل البشري لإنسان هذه المنطقة منذ هبطها آدم وانبعاث ذريته من بعد الطوفان في سام وحام ويافث.
 
ولما كان تزامن وتلازم قضايا التأزم العربي ليس بمصادفة، وإذا كانت مقولة "أن التاريخ يُعيد نفسه" خاطئة؛ فأن ما يحدث هو مُخطط له على نحو ما في المشهد العربي منذ قرن من الزمن، لم يكن في مُجمله نتاج الصراعات المحلية والإقليمية، بقدر ما هو هدف استراتيجي جامع شامل وقديم؛ مُناط بالقوى الدولية العُظمى صاحبة المصلحة المباشرة في صهونة حضارة وثروة المنطقة العربية في الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا؛ بدءاً بأرض فلسطين وإنتهاءاً عند عقل وفكر إنسانها مروراً بقرارات الفصل والتقسيم والوصاية والانتداب عبر مداخلها الدولية في الأمم المتحدة؛ إلى جانب سياسات الاحتواء وإرساء قواعد الموالاة بالتجنيد والتطويع وعولمة الدين والثقافة والتعليم.
 
وفي زمن وتزامن القضيتان؛ الفلسطينية والليبية على طاولة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت القوى الإمبريالية تدفع باستصدار قرارات التقسيم والانتداب والوصاية لتقنين وتدويل إدارة مراكزها في مدار مناطق نفوذها العربية، وكانت تتابع الأحداث وتتسلسل القرارات، وكانت باتجاه الهدف؛ ففي 29 نوفمبر- تشرين الثاني سنة 1947م يصدر القرار رقم (181) عن الجمعية العامة في "ليك ساكس" بتقسيم فلسطين ويفسح المجال لقيام دولة إسرائيل.
 
وفي 4 فبراير/ شباط 1948م: الأمير فيصل الوصي على عرش العراق يقول مهموماً للرئيس الأمريكي "ترومان" أن الأوضاع في الشرق الأوسط هي التي تشغله الآن… ويرد الرئيس ترومان: (عليكم بالاهتمام بالمشروعات الكبرى في العراق بدلاً من الانشغال بمشاكل بلاد أخرى…. مثل فلسطين…). ويضيف الرئيس الأمريكي للأمير فيصل: (… فالعراق يحتاج إلى التنمية… وفي كل مرة دخل الغزاة إليه، من أول تيمور لنك وحتى الآخرين، فأنهم حطموا في طريقهم كل شئ، إن الغزاة يفعلون ذلك باستمرار، وأما نحن ولأول مرة في التاريخ تكون سياسة الغزاة هي التوجيه إلى البناء…) (3)
 
وفى عام 1948م تـُعيد بريطانيا تنقيح وصياغة معاهدة "إستقلال الأردن سنة 1946م" التي منحتها استقلالها وأصبحت بموجبها المملكة الأردنية الهاشمية بدل إمارة شرق الأردن.
 
وفي 14 مايو/ آيار 1948م :تعلن بريطانيا انتهاء انتدابها على فلسطين؛ وتسحب قواتها بعد تمكين الميليشيات اليهودية من المواقع الإستراتيجية في فلسطين، ووفقاً لاتفاق مُسبق مع الملك عبد الله تدخل القوات الأردنية بقيادة بريطانيين إلى الأجزاء العربية المخصصة للعرب في فلسطين حسب قرار التقسيم… وفي اليوم التالي 15 مايو/ آيار 1948م: يُعلن المجلس اليهودي قيام دولة إسرائيل في فلسطين، وبعد ساعات تعلن الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بدولة إسرائيل وفقاً لقرار التقسيم. وإلى جانب العواصم العربية الأخرى؛ تندلع في كل من طرابلس وبنغازي مظاهرات تستنكر قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين؛ وتدين مخططات تقسيم الوطن العربي.
 
وفي يوم 3 مايو/ آ يار سنة 1949م: تعلن الحكومة البريطانية تبنيها في الأمم المتحدة لمشروع "بيفن - سفورزا" بشأن تقسيم ليبيا. وتندلع في ليبيا مظاهرات صاخبة تستمر أسبوعاً؛ ترفض مشروع القرار البريطاني - الإيطالي، وتنذر القيادات الوطنية الحكومة البريطانية بمذكرة احتجاج سُلمت لإدارتها في طرابلس. وإستجابة لدعوة ومساع وطنية قامت بها عناصر وقيادات وأعيان إقليم طرابلس؛ عُقد في الرابع عشر من شهر مايو/ آيار سنة 1949م مؤتمر وطني عام جمع قيادات الأحزاب والهيئات السياسية إلى جانب شيوخ قبائل وعشائر الإقليم بقيادة و إدارة كل من:
 
السيد / بشير السعداوي - رئيس حــزب هـيـئة تحـرير ليبـيا.
فضيلة الشيخ/ محمد أبو الاسعاد العالم - رئيس الجـبهة الوطـنـية المتـحدة.
السيد / مصطفى ميزران - رئيس الحزب الوطني الطرابلسي.
 
أسفر المؤتمر الوطني الحاشد هذا، عن إعلان تجمع وطني تحت اسم "المؤتمر الوطني الطرابلسي"، وأُنتخب رئيساً له الشيخ محمد أبو الاسعاد العالم؛ للعمل على تحقيق غاياته وأهدافه التي أجمعت عليها كافة القوى الوطنية، السياسية والشعبية من خلال برنامج عمل يستهدف حشد كافة الطاقات والإمكانات والعلاقات السياسية والاجتماعية، في مواجهة المشروع الدولي بتقسيم البلاد وأعادة احتلالها بنظام الوصايا الدولية والانتداب عليها، ولتجاوز مخاطر وتبعات التجزئة على أقاليم ليبيا الثلاثة؛ تخطت القوى الوطنية المتحالفة في "المؤتمر الوطني الطرابلسي" خلافاتها الشكلية حول قضية الإمارة السنوسية واتفقت على ضرورة المزاوجة في حساباتها بين وحدة واستقلال ليبيا بأقاليمها الثلاثة وبين الإدارة السنوسية بإعتبارها إحدى أهم فصائل حركة التحرر الوطني، والاعتبارات المحلية والعربية والدولية التي شكلت الرصيد السياسي للحركة السنوسية بقيادة الأمير محمد إدريس السنوسي عبر مواقع ومراحل المسيرة النضالية لعموم حركة التحرر الوطني الليبي، والاتفاقات والعهود التي وقعها مع الأطراف المحلية والدولية التي تُشكل حيثيات الحق المشروع للشعب الليبي في تقرير مصيره ونيل استقلاله. وقد صدر عن رئاسة المؤتمر في ختام جلساته بيان تضمّن المبادئ الأساسية التالية:
 
1- للشعب الليبي دون سواه؛ حق تقرير مصير ليبيا.
2- التأكيد على وحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة طرابلس وبرقة وفزان.
3- تحقيق وحدة البلاد ورفض تجزئتها .
4- منح ليبيا الاستقلال التام والفوري برئاسة الأمير محمد إدريس السنوسي.
 
وشكل المؤتمر وفداً برئاسة الشيخ محمد أبى الاسعاد العالم للانتقال إلى إقليم برقة والمشاركة في جلسات المؤتمر الوطني البرقاوي المُزمع انعقادها في الأول من يونيو – حزيران، وكان من المقرر ومتفق عليه أن ينظر المؤتمر البرقاوي في أولى جلساته في مسألة وحدة ليبيا، ويُمهد لعقد مؤتمر وطني عام ضم ممثلين عن أقاليم ليبيا الثلاثة.
 
* * *
 
كان في إقليم برقة ، جاري الإعداد لعقد جلسات المؤتمر الوطني البرقاوي، في جو ساده التوتر والترقب لما يمكن أن تُسفر عنه جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة للنظر في مشروع القرار البريطاني، الذي عُرف بمشروع "بيفن - سفورزا" والذي يقترح تأجيل استقلال ليبيا لعشر سنوات، تدار خلالها البلاد بنظام الوصاية البريطانية والإيطالية والفرنسية لأقاليمها الثلاثة، وكانت أمانة المؤتمر البرقاوي قد بعثت في أعقاب إعلان الحكومة البريطانية تبنيها لمشروع القرار في الأمم المتحدة ؛ تطلب من ممثلي الوفد الليبي بالانسحاب والعودة فوراً، كما بعثت أمانة المؤتمر ببرقية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، جاء فيها: (لن نقبل أي قرار، عدا الاستقلال التام، ونرفض الوصاية جملة وتفصيلاً… ونحن نعتبر أنفسنا مستقلين، وأحراراً في الارتباط والتعاهد مع أي جهة نشاء…) وإلى وزير خارجية بريطانيا؛ وجه المؤتمر البرقاوي البرقية التالية: (نرفض أي وصاية، ونحن مستعدون لإعلان استقلالنا الكامل وعقد معاهدة تحالف مع بريطانيا).
 
يصف السيد "دي كاندول" مسئول الإدارة العسكرية البريطانية في إقليم برقة حال الأمير إدريس السنوسي بما تناوله في كتابه على النحو التالي: (…. ولما بلغت الأمير الأنباء بما حدث في "ليك سيكس" اعترته أحدى نوبات الغضب النادرة أثناء أحد لقاءاتي اليومية به؛ فقال "أنه يجد نفسه ضحية للتضليل المتعمد من ناحيتنا" يقصد الإنجليز، وذلك أن سلفي في الإدارة العسكرية كان قد أكد له أنه سوف يتمكن من تشكيل حكومة وطنية لبرقة؛ بحيث تستطيع طرابلس وفزان الانضمام إليها فيما بعد وهو قدم لشعبه وعوداً بهذا المعني، وبالتالي فأنه يطالب بريطانيا بالموافقة الفورية على تشكيل حكومة برقاوية، وتوقيع معاهدة للتعاون والدفاع المشترك…. وأكمل الأمير قائلاً: … إذا توانت بريطانيا أكثر من هذا؛ فسوف أضطر إلى إخبار الشعب بأنه لابد لي من التخلي عن الكفاح وعدم المشاركة في الشئون السياسية بعد ذلك، وأن أعود إلى مصر أو أعيش في برقة كمواطن عادي، ولسوف أُتهم؛ بأنني نكثت عهدي بعد كل هذه السنين وخُنت شعبي بعد أن كنت أوصيه بالصبر زمناً طويلاً.)(4)
 
في 17 مايو/ آيار 1949م إنهارت محاولات تقرير مصير ليبيا؛ من خلال المساومات الدولية، وسقط مشروع "بيفن-سفورزا" ورفضته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية (37) صوت مقابل (14) صوتاً مع امتناع (7) دول عن التصويت. وفي الفاتح من يونيو/ حزيران 1949م وفي قصر المنار بمدينة بنغازي ببرقة، عُقدت جلسات المؤتمر الوطني البرقاوي بحضور وفد المؤتمر الوطني الطرابلسي، برئاسة الشيخ محمد أبو الاسعاد العالم، وقام الأمير محمد إدريس السنوسي بافتتاح الجلسة الأولى، بكلمة أعلن فيها استقلال برقة، وقال فيها: ".. لقد طلبت من بريطانيا العظمى والدول الأخرى بما فيها البلدان العربية والإسلامية أن تعترف باستقلال برقة.."، وأضاف: "وإني إذ أتمنى لإخواني في طرابلس أن يحصلوا على مثل ما حصلنا عليه في برقة و نعلن وحدتنا معاً تحت راية واحدة…". ورد السيد دي كاندول الحاكم العسكري البريطاني في برقة بكلمة قال فيها: ".. وتعترف الحكومة البريطانية بالأمير الذي أجمع الشعب على زعامته وتوافق على رئاسته لحكومة برقة، وقد أدركت الحكومة البريطانية رغبة أهالي البلاد في الحكم الذاتي. وهي لذلك ستتخذ كل الخطوات التي لا تتعارض مع التزاماتها الدولية لمساعداتهم في هذا السبيل، والحكومة توافق أيضاً على تأليف حكومة في برقة تكون مسئولة عن الشئون الداخلية، وهي تدعو الأمير إدريس لزيارة لندن لبحث هذا الموضوع. وتؤكد الحكومة البريطانية إذ تتخذ هذه الخطوات فلن يقع منها ما يمس مستقبل ليبيا عامةً…"(5)
 
* * *
 
رأى الأمير إدريس أن يعين رئيس وزراءه مُقدماً ليرافقه إلى العاصمة البريطانية لندن ، حيث كان من المقرر بحث إجراءات نقل السُلطات إلى حكومة برقة وإصدار دستور البلاد، وبحث الشيخ أبو الاسعاد العالم مُفتي طرابلس ورئيس وفد المؤتمر الوطني فيها مع الأمير إمكانية أن تمتد سُلطات حكومة برقة إلى سائر البلاد، بحيث تشمل ولايته إلى جانب إقليم برقة إقليمي، طرابلس وفزان، ونقلت وكالات الأنباء ما نشرته صحيفة الأهرام القاهرية يوم 19/6/1949م من أنه: ... (أعلن الأمير إدريس السنوسي في حديث خاص للأهرام أنه قد تم الاتفاق على إعلان ليبيا دولة مستقلة يكون سموه على رأسها، وأن مُفتي طرابلس عاد ليعلن هذا النبأ على المواطنين في طرابلس، وقال الأمير إن محادثاته الأخيرة مع فضيلة المُفتي كانت ودية ومعقولة، وأعلن انه يحبذ الوحدة، وانه سوف يبحث في ضرورة تحقيق ذلك مع الحكومة البريطانية خلال زيارته إلى لندن، ثم قال؛ إن موقف إقليم برقة يشبه موقف شرق الأردن من حيث علاقاتها ببريطانيا؛ وانه يتوقع أن يعقد مُعاهدة مع بريطانيا تُحدد علاقات الدولتين متى حصلت ليبيا الموحّدة على الاستقلال التام، وأعلن الأمير إدريس عن أمله في أن تتحسن العلاقات مع الولايات المتحدة ، فتؤيد أمريكا مطالب بلاده في الحرية والاستقلال في الدورة التي ستعقدها الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف القادم.) (6)
 
* * *
 

أهالى طرابلس فى إستقبال الأمير إدريس السنوسى

 

16 يوليو- تموز سنة 1949م يصل الأمير إدريس السنوسي إلى طرابلس في طريقه إلى لندن، وقد استقبله أهالي البلاد بالحفاوة البالغة، وألقى السيد بشير السعداوي رئيس هيئة تحرير ليبيا وعضو الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الطرابلسي كلمة قال فيها: "أن هذا اليوم المُبارك ؛ ليوم تاريخي، إذ تستقبل فيه الأمة الليبية في طرابلس أميرها المحبوب، حضرة صاحب السمو الأمير محمد إدريس السنوسي.. أن هذه الأمنية الغالية التي طالما تاقت إليها النفوس وهتفت بها القلوب، وهي اليوم تتحقق بتشريف سمو الأمير، أن هذه الأمة المناضلة التي جاهدت وكافحت؛ لا تزال مصممة على الذود عن هذا الوطن العزيز، تدافع عن حريتها ووحدتها واستقلالها تحت تاجكم المُفدى، وانه بمناسبة سفركم الميمون إلى لندن؛ لابد وأنكم تشملون بفضلكم قضية البلاد التي تصبو إلى الحرية الكاملة والاستقلال التام، أدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقكم ويُسدد خُطاكم ويُعيدكم إلى هذا الوطن سالمين حاملين إليه وإلي هذه الأمة أمانيها، والسلام عليكم..". ورد الأمير إدريس بقوله: "إني أشكر هذا الشعب المُبارك في شخصُكم، وأشكركم على خطبتكم البليغة هذه، وأكرر شكري للجميع على هذه الحفاوة البالغة … كما أشكركم جميعاً على ثقتكم الكبيرة بي، وأني أرجو الله أن يوفقني لخدمتكم جميعاً فيما تصبون إليه، وأني سوف أنقل إلى الحكومة البريطانية أماني طرابلس وبرقة و كل البلاد الليبية، … وأوصيكم إخواني بالإتحاد والتعاضد ونكران الذات في سبيل مصلحة هذا الوطن العزيز… وأستودعكم الله إلى لقاء قريب …"(7)
 
* * *
 
وهكذا عمل السيد بشير السعداوي رئيس هيئة تحرير ليبيا وعضو الأمانة العامة لتجمع المؤتمر الوطني الطرابلسي؛ على تقريب وجهات النظر بين الأحزاب والهيئات السياسية والقوى الشعبية واعيان البلاد؛ وحقق الوحدة الوطنية الليبية. وفي أواخر شهر يوليو/ تموز أُعيد تنظيم تجمع المؤتمر الوطني الطرابلسي وأُجريت انتخابات اُختير فيها بشير السعداوي رئيساً للمؤتمر والسيد مصطفى ميزران والشيخ محمد أبو الاسعاد العالم وكيلين، وفي سبتمبر 1949م ترأّس السيد بشير السعداوي وفد المؤتمر الطرابلسي إلى المنظمة الدولية للأمم المتحدة يحمل مطالب ودفوع بلاده، ليصدر قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا الموحدة بولاياتها الثلاث طرابلس وبرقة وفزان.
 
حـزب الإسـتقلال (يوليو/ تموز 1949م)
 
إذا كان التوقيت يشير إلى أن إعلان استقلال إقليم برقة؛ هو الذي أنجب حزب الاستقلال في إقليم طرابلس، فإن الحزب قد ارتبط بإسم مؤسسه السيد سالم المنتصر؛ أحد مؤسسي الحزب الوطني؛ وعضو القيادة السياسية للجبهة الوطنية المتحدة. ولما كان حزب الاستقلال، من الأحزاب والهيئات السياسية التي تردد ذكرها كثيراً على ألسنة رواة التاريخ الشفوي في ليبيا؛ فأن توقيت نشأته وإعلان تأسيسه قد جاء في أخر قائمة التسلسل التاريخي لنشأة و تأسيس الأحزاب قبل إعلان استقلال ليبيا بأقاليمها الثلاثة، ولما كانت هناك مجموعة من الحقائق التاريخية التي تشير إلى الدور السياسي البارز للعوائل في ليبيا ؛ فأن أفراداً من عائلة المنتصر؛ كان لها دور في الحياة السياسية في ليبيا قبل وبعد الاستقلال . غير أنه لم تتوفر لنا المصادر والمراجع من الوثائق أو الإصدارات التاريخية التي يُمكن الرجوع إليها توثيقاً لتاريخ حزب الاستقلال في إقليم طرابلس؛ من حيث ظروف نشأته وبرامج عمله و قد جاء الأستاذ محمود الشنيطي على ذكر حزب الاستقلال في كتابه قضية ليبيا بقوله: "... وألّف في هذه الفترة حزب الاستقلال برئاسة السيد سالم المنتصر بعد أن دخلت الجبهة الوطنية المتحدة في المؤتمر الوطني الطرابلسي…" (8) وهذه الفترة التي يتحدث عنها الشنيطي؛ كانت تحديداً تتحدث عن رحلة الأمير إدريس السنوسي إلى لندن ماراً بطرابلس في 18 يوليو/ تموز 1949م، وبذلك يكون السيد سالم المنتصر قد أعلن عن تأسيس حزب الاستقلال في يوليو سنة 1949م.
 
بقى أن أذكر أن الأخ الدكتور "منصف البوري" كان قد ذكر في محاضرة له في معرض تناوله للتيارات السياسية قبل الاستقلال في ليبيا: (... تأسس حزب الاستقلال على أثر خلاف حدث داخل الجبهة الوطنية المتحدة وكان يرأسها السيد سالم المنتصر؛ مع بشير السعداوي الذي قابل رئيس الوزراء المصري في القاهرة دون تكليف من الجبهة أو رئيسها، وقد أُثير الخلاف داخل الجبهة؛ انحازت فيه الأغلبية للسيد بشير السعداوي الأمر الذي دفع بالمنتصر للخروج من الجبهة وتأسيسه لحزب الاستقلال الذي نادى بوحدة ليبيا واستقلالها تحت تاج الإمارة السنوسية) (9)
 
والحقيقة أنني لم أعثر على وثيقة تُعزز ذلك، ولم يثبت لدي أن بشيرالسعداوي من مؤسسي الجبهة الوطنية المتحدة 10/5/1946م. ولكن من المُوثق له؛ وكما ذكرت في معرض الحديث عن الجبهة الوطنية؛ أن بشير السعداوي قد وصل إلى القاهرة قادماً من مهجره على متن طائرة وزير خارجية المملكة السعودية الأمير فيصل آل سعود في يونيو 1946م وكان يرافقه الشيخ خالد القرقني، وقد تصادف ذلك مع زيارة كان يقوم بها كل من محمود المنتصر وطاهر المريض، موفدي الجبهة إلى الأمير إدريس السنوسي، والثابت أيضاً أن كل من طاهر المريض ومحمود المنتصر هما اللذان خرجا من الجبهة وأسسا مع بشير السعداوي "هيئة تحرير ليبيا" التي أعلن عنها من مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في 13/3/1947م.
 
* * *
 
وخلاصة القول في حزب الاستقلال؛ أن السيد سالم المنتصر قد أعلن عن تأسيسه في إقليم طرابلس وأتخذ مقراً له في مدينه مصراته في شهر يوليو/ تموز سنة 1949م؛ وقد ذكر السيد محمد عثمان الصيد في كتابه "محطات من تاريخ ليبيا"، ص (49) أن كلا من : أحمد راسم كعبار وعبد الله الشريف وعبد الله بن شعبان ومختار المنتصر؛ هم من أعضاء حزب الاستقلال في إقليم طرابلس ولم يكن حزب الاستقلال مُخالفاً للإجماع الوطني المُطالب بالاستقلال ووحدة ليبيا وامتداد الإمارة السنوسية إلى إقليم طرابلس.(10) وقد جاء ذكر حزب الاستقلال في الحديث عن تشكيل لجنة الواحد والعشرين؛ المُكلفة برئاسة المُفوض الدولي للأمم المتحدة؛ بوضع الترتيبات التشريعية والتنفيذية لتشكيل الجمعية الوطنية المُكلفة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بصوغ مشروع الدستور الوطني لليبيا المستقلة؛ "وافقت خمس أحزاب، ورفض كل من حزب الاستقلال وحزب الكتلة الوطنية الحرة المساواة في عدد الممثلين للأقاليم في اللجنة..."(11) ثم ذكر السيد سالم المنتصر رئيس الحزب عضواً في الجمعية الوطنية ضمن عشرين عضواً يمثلون أقليم طرابلس في الجمعية الوطنية، والتي أُطلق عليها أيضاً " لجنة الستين".
 
ويبقى من الثابت تاريخياً؛ أن حزب الاستقلال قد أُعلن عن تأسيسه في يوليو/ تموز 1949م مع وصول الأمير إدريس السنوسي إلى إقليم طرابلس وهو في طريقه بحراً إلى العاصمة البريطانية لندن؛ دعماً لمطالبه لدى الحكومة البريطانية وفي الأمم المتحدة بحق الشعب الليبي في تحقيق وحدته وإعلان استقلال بلاده بأقاليمها الثلاثة؛ بعد سقوط مشروع "بيفن - سفورزا" في الجمعية العامة، وبعد موافقة بريطانيا بمنح إقليم برقة استقلالاً ذاتياً.
 
إقــلــيــم فـــزان (إنهيار الحلــم الفرنسى)
 
كان إقليم فزان محط أنظار الحكومات الفرنسية المتعاقبة ؛ لحماية مستعمراتها في شمال أفريقيا، وأيضاً للأهمية التي يتميز بها موقع الإقليم  Topography باعتباره مركزاً تجارياً ممتداً إلى السودان وتشاد والنيجر، ولكن بإرادة مُكرهة أفسحت فرنسا المجال للقوات الإيطالية باحتلال ليبيا مشمولة بإقليم فزان؛ بتضامنها مع الحكومة البريطانية بموجب اتفاقية سرّية تعدان فيها إيطاليا بتمكينها من بسط نفوذها، واستقرار احتلالها العسكري لليبيا في حال دخولها الحرب إلى جانب قوات الحلفاء ضد ألمانيا والنمسا في الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. ولم تتمكن قوات الاحتلال الإيطالي من بسط كامل سيطرتها على إقليم فزان؛ بأندلاع حركة المقاومة الوطنية في الإقليم، وإلى أن شكّل الجنرال شارل ديجول حكومة فرنسا الحرة في المنفى (لندن والجزائر) وطلب من السيد إدريس السنوسي في القاهرة تعاون المجاهدين الليبيين مع قوات فرنسا الحرة للزحف على قوات الاحتلال الإيطالي في إقليم فزان في الحرب العالمية الثانية.و بانتصار قوات الحلفاء، وهزيمة القوات الإيطالية في ليبيا، وعودة حكومة ديجول إلى باريس في 10 سبتمبر/ أيلول سنة 1944م؛ تمركزت القوات الفرنسية في إقليم فزان قُرب مُستعمراتها في تونس والجزائر وتمبكتو… وتجدد الحلم الفرنسي القديم بمعطياته الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
 
* * *
 
أقامت القوات الفرنسية قواعد عسكرية؛ وإدارة تدير بها شئون الإقليم بأوامر مباشرة من الحاكم العسكري العام الكولونيل (تيري) الذي قسّم الإقليم إلى خمس مناطق عسكرية… (سبها، الشاطئ، مرزق، غات وغدامس) وأخضع كل منها لحاكم عسكري، وما عادت القوات الفرنسية قوات تحرير بقدر ما أصبحت قوات احتلال عسكري مباشر؛ تدير البلاد بالأوامر العسكرية والتنفيذ الجبري، وفرضت على الإقليم عُزلة كاملة؛ واستقطعته عن بقية مناطق وأقاليم ليبيا، وأخضعت الأهالي لإجراءات عسكرية صارمة في حالات الخروج من الإقليم أو الدخول إليه، وأصدر الحاكم العسكري أوامره بإلزام السيد أحمد سيف النصر ورفاقه بالتقيّد بالأحكام العسكرية التي تصدر فيما يخص أوضاع الإقليم ؛ السياسية والعسكرية؛ المحلية والدولية؛ من القيادة العامة للقوات الفرنسية، ونزعت الإدارة العسكرية السلاح من الأهالي، وأخضعت عدد من عناصر المقاومة المحلية للرقابة المستمرة، غير أن الحس الوطني بضرورة مقاومة محاولات فرنسا عزل اقليم فزان عن ما يدور في أقليمي برقة وطرابلس وإسماع الرأي العام العالمي بموقف سكان الجنوب الليبي من قضية إستقلال ليبيا ووحدة اراضيها بأقاليمها الثلاثة؛ دفع بالقوى الوطنيه المجاهدة لإعادة تشكيل قوى المقاومة الوطنية في الاقليم وأعلنت الثورة علي الحكومة والقوات الفرنسية في كامل الجنوب الليبي، ففي هذا الاثناء: "بدأت تظهر في فزان جمعيات سرية لمحاربة فرنسا وأعمالها، وكذلك ربط قضية استقلال ليبيا، وكانت جمغية الشيخ البركولي والتي غطت كل مناطق فزان، وكان الشيخ بن مسعود احد أعضائها البارزين.."(12) وكان إلي جانب الشيخ عبد الرحمن البركولي والشيخ عبد القادر بن مسعود، كان البكاي عثمان ومحمد عثمان الصيد وعبد الرحمن العجيلي ومحمد ناجم وأحمد قريش، وغيرهم ممن قادوا ما عرفت بثورة بن مسعود علي القوات الفرنسية في منطقة "القارة" بسبها.
 
* * *
 
ومع وصول لجنة تقصي الحقائق الرباعية في 16 أبريل/ نيسان سنة 1948م؛ عمت البلاد حالة من التوتر إثر قيام الإدارة الفرنسية باتخاذ إجراءات وتدابير أمنية طارئة عن المُعتاد، وكثفت من اتصالاتها ببعض من الأهالي والأعيان لكسب ودّهم بتخفيف القيود واطلاق وعود للقيام بمشاريع إصلاحية، وكانت جماعة من عناصر الإدارة الفرنسية المُحتلة تنتقل مع اللجنة الدولية ومصاحبة لها خلال تنقلاتها بين مناطق الإقليم وسكانه إلى أن غادرت اللجنة متوجهة إلى مدينة بنغازي في إقليم برقة في 26 أبريل/ نيسان 1948م. وكانت سلطات الاحتلال الفرنسي قد منعت مُوفد الحزب الوطني الطرابلسي من دخول الإقليم والاتصال بالأهالي، وتمكن في وقت لاحق مُوفد هيئة تحرير ليبيا من الاتصال بالشيخ أحمد سيف النصر موضحاً له الموقف السياسي العام ، المحلي والدولي، والإجماع الوطني حول مطلب الاستقلال ووحدة ليبيا وامتداد الإمارة السنوسية إلى أقاليمها الثلاثة.
 
* * *
 
وعندما افتتحت اللجنة السياسية في الأمم المتحدة جلساتها في 30 سبتمبر/ أيلول سنة 1949م وخصصت أربع عشرة جلسة لمناقشة القضية الليبية؛ وكانت المفاجأة أن تقدمت بريطانيا باقتراح يقضي بمنح ليبيا (طرابلس - برقة) الاستقلال التام بأسرع ما يمكن على أن تعقد حكومة ليبية مستقلة معاهدة تجارية بين طرابلس وروما، وأن يراعي قرار الأمم المتحدة المصالح الفرنسية في إقليم فزان. وأعلن مندوب الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة موافقة بلاده على المشروع البريطاني، على أن يشمل قرار الاستقلال؛ قيام ليبيا الموحدة بأقاليمها الثلاثة، على أن يتم ذلك في موعد لا يتجاوز خمس سنوات، وخلال فترة الانتقال تتولى بريطانيا إدارة إقليم طرابلس وتتولى فرنسا إدارة إقليم فزان. وفي 21 نوفمبر/ تشرين ثاني سنة 1949م: وفي الجلسة الخمسين بعد المائتين؛ عُقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة انعقادها الرابعة، وصدر عنها القرار رقم (289) الذي يقضي باستقلال ليبيا، ونصه الأتي:

 

 

هيئة الأمم المتحدة - الجمعية العامة
قرار منح ليبيا استقلالها (289)
 
1- تكون ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة و تشمل برقة و طرابلس و فزان.
 
2- يسري مفعول هذا الاستقلال في أقرب فرصة على أن لا يتجاوز الأول من يناير سنة 1952م.
 
3- أن يقر ممثلو السكان في برقة و طرابلس و فزان دستوراً يتضمن شكل الحكم.
 
4- تـُعين الجمعية العامة للأمم المتحدة مندوباً له مجلس يساعده و يرشده لمساعدة الشعب الليبي على وضع دستور للبلاد و تأسيس حكومة مستقلة
 
5- يقدم مندوب الأمم المتحدة – بالتشاور مع المجلس – تقريراً سنوياً إلى الأمين العام مع أية مذكرات أو وثائق يرى بوجوب رفعها إلى هيئة الأمم .
 
تابع القرار رقم (289) الذي يقضي باستقلال ليبيا
 
6- يتكون المجلس من عشرة أعضاء؛ هم:
 
أ‌- ممثل واحد تُعيّنه حكومة كل من الدول الآتية: مصر، فرنسا، إيطاليا، الباكستان، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة.
 
ب- ممثل واحد لكل من أقاليم ليبيا الثلاثة و ممثل واحد للأقليات.
 
7- يقوم مندوب هيئة الأمم بتعيين المذكورين في الفقرة (ب) من المادة السادسة؛ بعد التشاور مع الدولتين القائمتين بأعمال الإدارة وممثلي الحكومات المذكورة في الفقرة (أ) من المادة السادسة والشخصيات البارزة و ممثلي الأحزاب السياسية والهيئات العامة.
 
8- يستشير المندوب في أثناء تأدية وظائفه؛ أعضاء مجلسه ويسترشد بآرائهم؛ وله أن يستنير بآراء مختلف الأعضاء بالنسبة للمناطق أو الموضوعات المختلفة.
 
9- لمندوب هيئة الأمم المتحدة أن يقدم للجمعية العامة و للمجلس الاقتصادي وللأمين العام اقتراحات عن التدابير التي ترى هيئة الأمم المتحدة؛ أن تتخذها أثناء فترة الانتقال بخصوص المسائل الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا.
 
10- تقوم الدولتان القائمتان بأعمال الإدارة بالتعاون مع المندوب بما يلي:
 
أ- الإسراع في اتخاذ الخطوات اللازمة لنقل سلطة الحكم إلى حكومة دستورية مستقلة.
 
ب- المساعدة في إدارة شئون البلاد على تحقيق وحدة ليبيا وإستقلالها والتعاون في تكوين الإدارات الحكومية و تنسيق الجهود لهذه الغاية.
 
ج- تقوم كل من الدولتين القائمتين بشئون الإدارة بتقديم تقرير سنوي إلى الجمعية العامة يفيد بالخطوات التي اتُخذت بشأن تنفيذ هذه التوصيات.
 
11- تُقبل ليبيا بمجرد تكوينها دولة مستقلة؛ عضواً في هيئة الأمم المتحدة طبقاً للمادة الرابعة من الميثاق.
 
نوفمبر 1949م
 

 

* * *
 
خشيت الحكومة الفرنسية من انتقال عدوى الاستقلال في مستعمراتها؛ فضاقت ذرعاً بقرار الأمم المتحدة وآثاره، فأصدر مجلس الجمهورية الفرنسية يوم 16 مارس/ آذار سنة 1950م بياناً استنكرت فيه فرنسا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإقامة دولة مستقلة في ليبيا تضم برقة وطرابلس وفزان، وجاء في بيان مجلس الجمهورية الفرنسية: (... إن إنشاء دولة مستقلة في ليبيا لا يلائم تطور السكان ولا يحقق آمالهم ولا يتمشى مع الظروف الجغرافية والتاريخية والاقتصادية)… وأضاف البيان الفرنسي: (…أما فيما يختص بفزان فإن قرار هيئة الأمم ؛ إنشاء دولة في ليبيا يعارض مصلحة فرنسا ويناقض رغبة السكان التي أعلنتها أغلبيتهم).
 
* * *
 
وفي صباح يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول سنة 1951م وبقصر المنار في مدينة بنغازي؛ أحتشدت جماهير الشعب، وجاءت الوفود العربية والأجنبية وممثلو الهيئات الدبلوماسية وجميع أعضاء الجمعية الوطنية، وبحضور مندوب الأمين العام للأمم المتحدة السيد "أدريان بلت" ورئيس الحكومة الاتحادية لليبيا الموحدة ووزراء حكومته؛ حيث أعلن الملك محمد إدريس المهدي السنوسي استقلال ليبيا في كلمة قال فيها:
 
 
 
الملك محمد إدريس المهدي السنوسي ملك ليبيا (13)
 
 
وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة مع التيارات والأحزاب السياسية بعد الإسـتقلال...
 
إبراهيم عميش
 

  1. د أسامة الغزالى حرب ، كتاب( الأحزاب السياسية فى العالم الثالث) صادر عن المجلس الوطنى للثقافة - الكويت 1987م
  2. راجع: مصدر سابق
  3. المفاوضات السّرية بين العرب وإسرائيل، محمد حسنين هيكل عن الوثيقة رقم 448-2/ج 711090
  4. الملك ادريس عاهل ليبيا – حياته وعصره، تى .أ.ف. دى كاندول، الناشر محمد عبه بن غلبون - لندن 1988م
  5. مصدر سابق
  6. راجع: صحيفة الاهرام المصؤرية ، العدد الصادر بالقاهرة فى 19/6/1949م
  7. راجع: مصدر سابق
  8. راجع مصدر سابق
  9. عن محاضرة مسجلة فى حلقات للدكتور منصف البورى" التيارات السياسية قبل الاستقلال فى ليبيا"
  10. (محطات من تاريخ ليبيا) محمد عثمان الصيد - الرباط 1996م
  11. راجع : مصدر سابق
  12. راجع: الأمين محمد الماعزى (ثورة فزان على الفرنسيين) المكتبة الحديثة القاهرة 2003م
  13. الملك محمد ادريس المهدى السنوسى - صورة عن كتاب libya the new Arab Kingdom of North Afrika

 

 
وطني 100
إن الاهتمام بكتابة سير رجالات الدولة الليبية (الحديثة) ابان العهد الملكى إنما يهدف الى إثراء ذاكرتنا الصدئة والى إبراز جهود اولئك الرجال المخلصين الذين عملوا بصدق ونزاهة وشرف من اجل الرقى بالوطن الذى عشقوه فخدموه بنية صافية. الكاتب المحترم الذى قدر جهودات هؤلاء الرجال وحبه للتاريخ كان هو الحافز للبحث والتنقيب بأرشيف هؤلاء الرجال وحاولة تقديمهم وتقديم تاريخهم المُشرف وهى امانة تقع على كاهل الكاتب لتحرى الموضوعية بالكتابة عن هذا التاريخ لتأريخها بما فيها من نجاحات وإخفاقات. ناهيك على ان المكتبة الليبيه بالوقت الراهن وبما اصابها من وهن ومن تزوير وتدليس ومحاولات مفضوحه للنيل من هذا التاريخ المشرف لاصحابه والمعيب لرجالات الحكم بالوقت الحالى جعل من مكتبتنا الليبيه تفتقر الى مثل هذه الكتابات. لذا فأن ما يقوم به السيد عميش وغيره من الكتاب المخلصين, هو إنما عمل وطنى صرف ومحض لن ينال الكاتب من وراءه اى ثمرة سوى تدوين التاريخ. اؤمن بأن نقد الكاتب او الاحتفاء به وبعمله هو ربحه الوحيد من هذا المهمة الشاقة. تحية تقدير وإحترام للسيد ابراهيم اعميش لجهده ووقته وعمله الوطنى المشرف.

الحاج عبد الرحمن
رحم الله والدك وسلمت يداك وجهدك يا استاذ ابراهيم وانشاء الله يأتى يوم ويدرس فيه كتابك هذا لأولادنا واحادنا فى ليبيا.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق