05/06/2009
 

 
خائنة الأعين... وخيانات أخرى!
 
بقلم: رمضان جربوع

أرشيف الكاتب


 
يشغف رجال أمن بلدان العرب بمصطلح 'الخيانة' وملحقاتها مثل العمالة والجوسسة والتآمر، الفعل مجرّم بالطبع في كافة بلدان العالم، ولكن استعمالات المصطلح تختلف عندنا وفقا لمصالح الساعة فكثير من بلداننا يختزل الوطن في منظومة الحكم القائمة وبالتالي كل ما يمسها، سواء عن طريق التعبير أو الحراك، قد يصنف تحت هذا المصطلح وتوجه التهم لمعارضي الحكام أو لأعمالهم، ويتسع مفهوم العمالة (في العادة دولة أجنبية) ليشمل 'جهات معادية' أو أجنبية أو 'منظمات مشبوهة' وما شابه ونستعرض الخيانات.
 
من الخيانة أيضا؛ خيانة الأمانة، وهجر الولاء للوطن، وخيانة العهد المفترض بين المسؤول ومن يقع تحت صلاحيته الإدارية أو السياسية أو الأمنية، وخيانة تتمثل 'بخنب' ما في ذمته، وخيانة الوقت الذي التزم بإنفاقه لقضاء مصالح الناس بمقابل، والغش والتزوير في المستندات الرسمية بل وحتى الشهادات الجامعية بأصنافها فمثل ذلك لا نعت له إلا الخيانة، حيث استغل المتمكن منزلته وتغاضى عن فرض قسم اليمين على العمل بنزاهة وشرف، وأخذ يؤديه بغير ذلك، أي بالخيانة ..
 
ولماذا كل هذه الخيانات؟
 
قد تكون الأسباب عدة، منها ما يقول بأن المفسدة قد تتولد كرد فعل يائس لحالة اقتصادية متردية، وقد تكون نتيجة غواية، أو عن حمق، أو عدم توفر حس الانتماء، أو انهيار في القيم الأخلاقية للمجتمع أو النكوص عنها في سبيل الحاجة (قد ينطبق هذا على النطاق الضيق حيث الغنيمة ضئيلة) وربما هو مجرد الجشع والهلع وحب المال الحب الشديد، وقد يكون أيضا لغياب القانون تفعيلا وإنفاذا، ولعلها كل هذه الأسباب مجتمعة متراكبة. ما يهمنا في السياق، إذا ما وضعنا جانبا مسألة 'الخيانة العظمى' وبنات عمها، في أوقات الحروب، هو الجهد العظيم المبذول من أجهزة الأمن العربية الجبارة عتادا وعديدا للبحث عن المنغّصين لصفو مزاج الحكام أو الطبقة السياسية القابضة على دفة تسيير أمور الدولة، ومحاولاتها الكشف عن 'مؤامرات' لا تنتهي، وكان من جراء ذلك تكريس الآلاف للمتابعة والتنصت على المواطنين بمختلف صنوفهم، بل نستطيع القول بأننا في بلدان بني يعرب لا تخفى على أجهزتنا العتيدة خافية بل ربما في استطاعتها إحصاء أنفاس كل مواطن سعيد أم غير سعيد، والكم الهائل المتحصل عليه يستحيل الاستفادة منه لغزارته وعدم توفر العدد الكافي من المحللين لهذا الفيض ودلالاته والخروج بخلاصات واقعية تفــيد القائمين على أمن الوطن وساكنيه.
 
هذه الأجهزة كان من الأجـدر لها ولنا، تتبع المأساة التي تعيشها أوطاننا، المأساة المتمثلة في 'خيانة' الوطن والمــــواطنين بممارسة الفساد الذي أصبح مستشريا كسرطان ينهش في أجسادنا، الفساد الذي قضى على كل طيب وقيّم في مجتمعاتنا أو كاد.
 
لماذا؟ لأن الفساد عندما يعم ويصبح ثقافة وسلوك يهدد أمن الدولة ويهدر مواردها ويحبط مشاريعها وبرامجها وتنميتها. يزعزع المجتمع وينشر الفقر على عامة الناس والغنى الفاحش على قلّة قليلة، ومن نتائج ذلك يتولد الاستياء والاحتقان والشعور بالظلم والتململ لدرجة قد يصبح المجتمع في مرحلة كمرجل محكم الغلق 'أمنيا' ولكن السعير تحته متأجج، فماذا يمكن أن يحدث؟ .. قد يحدث انفجار، ولقد حدث في العديد من بلداننا، وحينها قد يحدث ما لا تحمد عقباه!
 
المهمة الأولى أولى!
 
لمّا كانت مهمة أجهزة الأمن بالدرجة الأولى درء الخطر عن الوطن والذود على أن لا تمسه السوأة من قبل الغير، فمن باب أولى أن تهتم 'بالخيانات' ـ تحت باب الفساد ـ والكشف عنها ليس بعسير، ألم نقل بأنها، أي الأجهزة، تستطيع عد أنفاس المواطن إذا شاءت؟ ما يرتكبه الفرد أو 'الشلّة' العصابة لا توصيف له سوى خيانة الوطن، وإن لم يكن خيانة عظمى إلا أنه خيانة على كل حال. يبقى السؤال: هل التغاضي خيانة هو الآخر؟
 
هنا نواجه معضلة، فنحن لا نستطيع التهوين بقدرات 'أجهزة بني يعرب الأمنية' فباعها طويل في التقصي والبحث ولديها عناصر مشهود لها، ولما كان المال أس البلاء، خصوصا عندما يكون من مصدر غير شرعي، فسيكون حتما محط أنظار، والقول بأن عدم متابعة 'المفسدين' ووضع الملفات حولهم وتجميع الأدلة قد يشكل في حد ذاته 'خيانة'، ففي هذه الحالة قد يكون القول بأن 'الخيانة' قد تكون وصلت إلى قطاعات الأجهزة المذكورة أيضا، هذا الاستخلاص لا نميل إلى الركون إليه، فكون المال، أي مال غير شرعي، منتشر وظاهر عندنا فلابد أن يلفت انتباه رجال الأمن، ولا بد أن 'المعلومات' قد تكدست بالخصوص، وبالتالي لا نستطيع الجزم بأن التغاضــي حدث. ولكن؛ الفساد مستمر ويزداد ويترعرع ولم نعد نشاهد جناة يقادون للمـــحاكم للحساب والجواب، فأين الخلل؟
 
خيانة غض النظر؟
 
حيث قلنا بأن تجميع المعلومات لابد من أنه حادث، ولا يحدث شيء نتيجة ذلك، ربما تكون الإجابة في أن من أنيط به تفـــعيل إجراء المــــحاســـبة (من إدعاء وقضاء وتنفيذ أحكام وعلى الأقل استبعاد من حامت حوله الشبهات) ربما من يكون المناط بهم ذلك، لا قدرة لهم أو أن هنالك خللاً ما في تركيبة الدولة وأجهزتها وفعاليتها، فهل هذا تقاعس؟
 
خيانة التقاعس؟
 
قد يكون التعبير مفجعا، ولكن ليس في مفهومنا للدولة وأمنها ما يتعارض مع محاسبة كل من يتقاعس عن أداء واجــــباته، حتى ولو كـــان وزيرا زمهريرا!- في مفهومنا، الدولة، أيا كان نظامها ورجالاتها سبب وجـــودها أصـــلا هو الحفاظ على المجتمع وأمنه وتدبير شؤونه وليس ذلك بمعجز، اللهم إلا إذا كان الرجــــالات فيها غير مناسبين لمواقعهم أو أنهم 'نخـّوا' أو خانوا مع من خان، ولا يمكن أن يكون ذلك عاما شاملا، فعادة ما ينخر في جسد الأمة قلة من الأشرار وليس بمستحيل محاسبتهم أو الاستغناء عنهم، فبلداننا مليئة بالأفاضل، وأداة الكشف ليست معقدة، إنها خائنة الأعين، بمعناها الأشمل!
 
خائنة الأعين
 
هي التي تنبئ بما في الصدور، وكذلك المدسوس في الجيوب، و'الخائنة' قد تكون في العين مباشرة عند المواجهة أو تظهر واضحة بائنة في علامات استعمال موضوع الخيانة من علامات الثراء المفاجئ وعدم القدرة على تبرير المال الطارئ.
 
من باب أولى، حيث أن العالم تغير، وولجنا للقرن الواحد وعشرين وصرنا على مشارف العولمة، ودخلت علينا الانتيرنيت، فلم يعد مجديا الاستمرار في اهتمامات أجهزة الأمن السابقة مثل من قال ماذا ولمن، الشبكة الدولية دخلت في كل حيز مغلق وصارت تعرف ما يدرون ولم يعد هناك من سر ولا يحزنون، لقد صرنا نتقن بشكل أو آخر طرق الاتصال الحديثة، وهذه قفزة هائلة لا زلنا لم نستوعب نتائجها بالكامل.، من باب أولى أن يعاد النظر في الأهم قبل المهم، الأهم في هذه الساعة إشراك أرتال أجهزة الأمن في متابعة وملاحقة ظاهرة الفساد/ الخيانة، ومن باب أولى أن تخفض درجة أهمية ما يقرأ المواطن أو يسمع أو يقول والعدول عن التصنيفات، فمعظم ما يحدث من سلبيات يمكن إرجاعه للحالة البائسة التي نعيش في بلاد يعرب.
 
والخلاصة؟
 
• الخطر على الوطن من الفساد / الخيانة قد يكون أكبر من خطر "مؤامرات قلب نظام الحكم"، معظم الناس يعانون من الفساد أكثر من معاناتهم من أي نظام سياسي.
 
• عندما يسود القانون ويحاسب الفاسد أمام العيان ويرسخ العدل، لن يفكر أحد في قلب نظام حكم.
 
• الفساد / الخيانة هو الذي يغتصب ثروة الوطن أكثر مما قد يفعل المستعمر الوافد، فهذا المستعمر تغيرت حالته هو الآخر وأخذ ينال حصته من ثروتنا عن طريق بيعنا منتجاته، عدو الأمس صار اليوم شريكنا في التجارة!
 
• أجهزة الأمن تظل لازمة، فمهما شابها من خلل في بعض بلدان العرب، يظل فيه عناصر مخلصة يمكن الاعتماد عليها، ولكن يجب إعادة النظر في أولويات مهامها، وفي رأينا يجب تجنيد هذه الأجهزة مع المنظومة العامة للمجتمع/ الدولة لمكافحة الخيانة الفساد.
 
• المنظومة العامة يجب أن تحتوي الصحافة الحرة، ومؤسسات المجتمع المدني والسعي لإحكام قبضة القانون
• دولنا كلها في حاجة لعمليات إصلاح، ليس في الإجراء فقط، بل في المفاهيم وطرق التناول!
 
رمضان جربوع
ramadanjarbou@yahoo.com
http://jarbou.maktoobblog.com
 
* سبق نشر المقال بصحيفة القدس العربي/ لندن - قورينا/ ليبيا  04/06/2009
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق