20/06/2009
 

الإضافة إلى الموروث.. مقياس الأغنية الليبية الناجحة
 
بقلم: زيـاد العـيـسـاوي
 
مقالات سابقة للكاتب

 
الموروث الغنائي الليبي غنيٌّ، وهذا مما لا شك فيه أبداً، وهناك من الفنّانين الليبيين من ينهل ويحاول الاستفادة بالاستزادة منه على الدّوام. وهذا شيءٌ حسنٌ مما لا شك فيه أيضاً. لكن الفنّان المبدع بتصوري، هو من يُضيفُ إلى هذا الإرث أعمالاً من صُنعه وفنِّه، أي بقصد، أن يُقدِّم العمل الذي يحبُّه المُستمِع، فيظلُّ محفوظاً في ذاكرته إلى فترات مديدات، حتى يتعتق من دون أنْ يبلى، ويتحول إلى إرثٍ جديدٍ، يُضافُ مع مرور الزمن إلى روائع التراث الأول. فمسألة إحياء التراث الغنائي، لا تتوقف على التذكير به، ولا بتهذيبه فقط، لا بل على ريِّه بروافدٍ أخرى، فهو كما معين ماء ما، لا ينبغي أنْ ننهلَ منه فحسب، وإنما يتعينُ علينا تغذيته بمصادر جديدة.
 
فمهما كان التراث الغنائي لدينا رائعاً، فإنه ولا بُدّ تنقصه بعض الأمور من مضامين وألوان فنية، الذي يجب على فناني اليوم وكل يوم، استكمال ما يعوزه، وذلك بإبداعاتهم الخاصة، لأنّ حتى التراث الذي نحوزه الآن، هو حصيلة تراكم جهود عدة أجيال قديمة، أثرته بما عندها في عصور غابرة ومتلاحقة، حتى وصل إلينا بهذا الكم والكيف، اللذين هو عليهما تواً، فكل عصر جاد فنانوه بما تعلموه وتأثروا به من أفانين، استحدثت على الغناء في ذلك العصر، فهذا التراث أُشبهه مرةً أخرى ومن جديد، بمعين الماء العذب، الذي قد يفتقد بعض العناصر والأملاح الداخلة في التركيب والخواص الطبيعية له، وهنا يأتي دور الفنَّان المُبدِع، ليضيف إلى ما هو متوافر وموجود فيه من أنماط فنية، الألوان الغنائية الحديثة في أسلوبها وموسيقاها.
 
فالتراث في أيِّ مكان من خارطة العالم، ليس كما يعتقده البعض من المعنيين به، من حيث كونه منغلقاً على نفسه، ولا يقبل زيادة كل ما هوجديد إليه، وهذه مغالطة كبرى، ذلك أنّ، في الأغنية المصرية الحديثة، أثبتت التجربة خطأً ولغطاً كبيرين في هذا القول، فالأغاني التي قدَّمتها السيدة "أم كلثوم" مثل أغنية "غنيلي شوي" و"على بلد المحبوب" وأغنية "أمنت بالله" للفنانة اللبنانية "لور دكاش" أصبحت من الموروث الغنائي هناك، وكذلك الأعمال التي لحنها وأدّاها الموسيقار الراحل فريد الأطرش باللهجة المصرية، كأغنية "زينة" و"نورا" و"دقوا المزاهر" و"الفلاحة" وغيرها الكثيرات، ثم في مرحلة أخرى من تاريخه الفني، ما قدَّمه للمستمع من أغنيات، جاءت باللهجة الشامية الدارجة، مثل "لكتب ع أوراق الشجر" و"فوق غصنك يا لمونة" و"بيع الجمل" وهذا هو السر وراء خلود هؤلاء الفنانين وأعمالهم، حتى بعد مماتهم، فأيُّ معين يبقى دائماً قابلاً لأية قطرة ماء، لتتسرب إلى جوفه، مهما كان قراره سحيقاً، وإن يكُن تحت سطح الأرض بمئات الأمتار، كي تتجدد الحياة فيه، ومن ثم تتدفق مياهه إلى أعلى، لينهل منه من أراد أنْ ينهل، وإلا فسوف ينضب.

 

 
السيدة فيروز
 
 
وهذا ما أدركته ثلة من الفنانين الليبيين، شعراء كانوا أو ملحنين أو مغنين، فمضوا على هذا البناء، عندما عرفوا كيف يحافظون على ما يحتويه هذا التراث، بإغداقهم عليه بكل ما هو جميل من الغناء، في الوقت الذي اكتفى فيه نفرٌ من الفنَّانين، بالسقاية منه وكفى، ربما لتصوره، بأنّ ما ورثه من فنٍّ قديمٍ، هو متكاملُ الألوان، ومكتملُ الرؤى والأبعاد، ولا ينقصه شيئاً، حتى يقوم بإضافته إلى مكوناته، على غرار ما قام به المطرب السوري الكبير صباح فخري حيث اكتفى طوال مسيرته الفنية، بغناء التراث العربي السوري أو الحلبي برمته، فهو في ذلك، كان محقاً لأبعد درجة، لأنني أري فيما أرى، أنّ هذا التراث، أمثلُ وأغنى تراثٍ غنائي عربي، لكونه يختزن في جرابه طبوع الغناء العربي كلها.
 
فقد أنشد هذا المطرب، من بين قلة قليلة من فناني هذا العصر، نماذج الغناء جميعها، من دون أنْ يغفل لوناً غنائياً واحداً، ما جعله لا يُقْدِم على تقديم أعمالاً جديدة تُحسب في رصيده الفنِّي الخاص، لكنه أدّى كل أطياف هذا الموروث، بدءاً من "العتابا" وانتهاءً بـ "الميجنا" مروراً بالقصيدة المُغناة والقدود الحلبية وفنّ الطقطوقة، وما إلى ذلك من أنواع هذا الإرث الغنائي العربي المتداول في تلك المنطقة العربية "الشام" وعربياً بصفة عامة.
 
لكن الفنان الليبي سيظلُّ ملزماً ومسؤولاً دائماً، أمام المستمع الليبي والعربي أيضاً، على العمل والمثابرة من أجل دراسة هذا الإرث الغنائي الذي يحوزه، ليعرف بعد ذلك ما يفتقد تراثه، ومن ثم يعمل جاهداً على أنْ يسكبَ على هذا المعين الغنائي الذي لديه شيئاً غنائياً من لدنه، وأن يسبك القوالب الموسيقية والغنائية الجديدة، حتى يكتمل نقش فسيفساء هذا "الفلكلور".

 

 
علي صدقي عبد القادر
 
 
فمثلاً كان الموروث الغنائي الليبي، يفتقر إلى وقت قريب إلى القصيدة العاطفية المُغناة، حتى أدرك بعضٌ من فناني هذا الوقت، هذه الحقيقة، وحاول إغناء الغناء الليبي الحديث، بهذا العنصر الغنائي المفتقد والمنشود، لينضم مستقبلاً إلى الموروث الأول، وهذا ما انتهجه الملحن المثقف موسيقياً علي ماهر وعمل عليه، من خلال عدة قصائد غنائية أعطاها لأصوات ليبية وعربية، منها مثالاً لا حصراً: محمود كريّم وميادة الحناوي وعبد الهادي بالخياط وهلم جرا، مستعيناً بكلمات عدة شعراء وأدباء محليين، ومعروفين على الصعيد العربي، كشاعر الشباب "علي صدقي عبد القادر" و"علي فهمي خشيم" وغيرهما من شعراء روَاد آخرين. فالقصائد الغنائية التي لحنها هذا الملحن، ستكون عاجلاً أو آجلاً، من التراث الغنائي الليبي، لأنّ الموروث القديم، كان يفتقد مثل هذه الأعمال، لذا ستملأ الحيز الذي سيحويها في جراب ذلك المعين السابق، ومثل هذا النهج، سبقه إليه الفنان الملحن والمجدّد الموسيقي "إبراهيم أشرف" الذي أضاف هو الآخر أعمالاً غنائية رائعة إلى التراث الغنائي، الذي وصل إلى جيله من الفنانين، أراها هي أيضاً ستصبح مع مرور الوقت، تراثاً ليبياً وعربياً نفخر به، مثل أغنية "يا بيت العيلة" وأغانيه للأطفال، وأغنيات أخرى، يضيق المجال لتعدادها عبر هذا المقال.
 
وما دُمنا في ذكر لفظة "البيت" فهناك نغماً شجياً، نظمه المؤلف الغنائي فرج المذبل تغنى فيه بحب الوطن، عنوانه "يا بلادي" قام بتلحينه وأدائه، الفنان الشاب أحمد فكرون في سنة 1979 - مؤلف من مطلع وبيتين، لا أكثر ولا أقل من ذلك، قدر بشاعريته، أنْ يبني للأسرة بيتاً واحد، يُظلل كل أفرادها، وأيُّ بيت هو؟ إنه بيتٌ شعريٌّ يختزل فيه معاني كثيرة، إذ يقول مُخاطِباً بلاده بأسلوب بلاغي "الاستعارة":
 
 
 
 
 
إبراهيم أشرف
أحمد فكرون
فرج المذبل
 
في عيونك أنتي..
شفت بويا وأمي وحبيبتي
طفلي بكره وضحكة بنتي
وتراب اجدودي الغوالي
يا بلادي حبك موالي..
عليك والله.. ما يغلى غالي..  (إستماع)
 
فهذا العمل منذ صدوره وإلى الآن، ما يزال يحتفظ ببريقه، ويحيطه الإعجاب محلياً وعربياً، وتحفُّه اهتمامات الهواة الجُدد، وذلك يتبدى جلياً في تقديمه في عدة مناسبات فنية ووطنية كذلك، الأمر الذي سيجعله هوالآخر، يُضافُ إلى المخزون الغنائي المحلي والعربي. لكن هذا البيت، تمّ تكراره في عمل غنائي ثانٍ، بصوت الفنان "عطية محسن" عنوانه "بلدي يا فرحة أيامي".
 
ماذا تبقى لنا في هذا المقال لنقوله، غير تحفيز الفنانين وندبهم إلى دراسة الموروث الغنائي الليبي جيداً، لمعرفة ما يعوزه، فيقوموا باستكماله، فهذه حقيقة لا يجوز التملص منها، وقد بيّنت لهم، كيف كانت الأغنية الليبية، تفتقر إلى وقت ليس ببعيد إلى القصيدة العاطفية المُغناة حتى قام الفنان الملحن علي ماهر والملحن الرائد في هذا المجال يوسف العالم باستحداثها على الأغنية الليبية.
 
زيـاد العـيـسـاوي
بنغازي - ليبيا
Ziad_z_73@yahoo.com
 

محمد ربيع  - كباون -
الاستاد  زياد العيساوى  لقد  تابعت  باهتمام كبير كل مقالاتك  حول الاغنية الليبية  ولقد اعجبت ايما اعجاب بهدا التناول الرائع, اشكرك على متابعاتك واهتمامك بالاغنية الليية الحديثة, كل التوفيق استاد زياد لك كامل تقديري واحترامي.. كباون.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق