29/08/2009
 

 
قراءة في الحالة الليبية خلال أربعة عقود
 
بقلم: عبد المنصف حافظ البورى

أرشيف الكـاتب


 
أن رصد الواقع الليبي على امتداد سنوات طويلة، يؤكد أن الشعب قد دفع ثمنا غاليا من امنه واستقراره وحياة ابنائه ومن تنميته وتطوره وتقدمه، وضاعت فيها للاسف الشديدعلى هذاالشعب فرص عديدة، لو جرى استثمارها وتوظيفها، بعيدا عن الاهداف الشخصية والطموحات النرجسية، بعقلانية وحرية ووطنية واخلاص للوطن والشعب، لكان بامكانها ان تصل به الى وضعية ومستوى متقدم على ماهو عليه الان ربما بعشرات السنين.
 
يبقى السؤال المهم فى هذا الامرهو، هل يمكن ان يتحقق الاستقرار السياسى اذا ما استمر الحال على ما هو عليه فى الحاضر والمستقبل؟ سؤال استفهامى ومعرفى لانه يتعلق بمصير ووجودالشعب الليبي فى حاضره ومستقبله.
 
فى الواقع كان وضحا أن الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنه 1969 لم يهمهم ولم يقدروا المعنى الحقيقي والجوهري للاستقرار السياسي، خاصة في ظل الظروف التي كانت تحيط بالبلاد آنذاك، ولم يعطوا أهمية للمؤسسات التي نشأت منذ الاستقلال، وبدأت تأخذ تركحها التاريخي التدريجي، مهما كانت أوجه قصورها، ومهما شاب عملها وحركتها من عثرات في تلك الفترة، كما لم يقدر ربما غالبية الجيل الجديد انذاك من المثقفين والمتعلمين، حق التقدير ذلك الهامش النسبي من الحرية المتاحة لكل فئات المجتمع الليبي، ولم يعوا القيمة الحقيقية للعدالة والرفاهة النسبية التي تمتع بها الشعب في ذلك الوقت، ولعل عدد كبير من الليبيين لم يثمن درجة اللين والتسامح التي طبعت أساليب تعامل العهد الملكي مع أبنائه خصوما ورافضين أو من حاولوا الانقلاب عليه.
 
قام القذافي ومن معه بالتغيير دون أن ينضج وعيهم ويستقر فكرهم، واصروا على إعادة تشكيل الواقع الليبي من خلال بعض التجارب السياسية التي اقتبسوها من هنا وهناك، أو من خلال شعارات تدغدغ المشاعر حول الحرية أو حتى من خلال لافتات دعائية تغذي أحلام الجماهير في الازدهار والتطور.
 
ولكن لم تمض سوى سنوات قليلة جداً حتى تبين إفلاس كل هذه الشعارات، وفراغ الأحلام حيث ظهر الواقع على حقيقته.
 
لقد بدأت تبرز شيئا فشيئا التناقضات التي اخذت تنخر في المجتمع الليبي، بسبب ممارسات نظام القذافي العسكري الخاطئة والظالمة، مما طرح الكثير من الشكوك حول شرعية حكمه ومدى مشروعية ممارساته. وبدأ واضحاً من بداية السنوات الأولى للانقلاب أن هناك اتجاه لتكريس حكم فردي ديكتاتوري، يجمع كل السلطات في يديه ويخلق أشكال وهياكل كرتونية لإدارة شؤون الدولة، يتحكم فيها بصورة مطلقة، ويتم اختيار القائمين عليها على أساس معيار وحيد هو الولاء للحاكم و"نظامه".
 
وبالفعل نجح القذافي في تركيز كل السلطات في يديه دون رفاقه في الانقلاب الذين تخلص من معظمهم، وبدأ في تأسيس حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي فى طول البلاد وعرضها، من خلال سياسة الصدمات الفجائية التي استهدفت خلخلة المجتمع وإفقاده عناصر التماسك والمقاومة، وقلب توازناته وتركيباته الاجتماعية وتشتيت أوضاعة القبلية، على امتداد فترة وصلت حتى الآن إلى أربعة عقود.
 
لقد بدأ الاستقرارالسياسى يفقد معناه الحقيقى في ظل توجيه القذافي وأجهزته الأمنية، ضربات متتالية لكل قطاعات وفئات المجتمع الواحدة تلوى الأخرى، بحيث تم الانتقال من ضرب فئة إلى أخرى ومن ضرب قطاع إلى أخر، دون أن يدرك المجتمع متى ستكون الضربة القادمة ولمن سوف توجه، وكان البعض يتساءل ما هو مصير المجتمع الليبي في ظل هذه الوضعية، وهل يمكن ان يتحقق نوع من الاستقرار فى الحاضر والمستقبل القريب تحت هذا الحكم؟
 
سؤال استفهامي ومعرفي، لأنه يدور حول مصير ووجود الشعب الليبي. ولعله فى هذا السياق علينا أن نحدد ماهو الاستقرار السياسى الذى نقصده، انه الاستقرار الذى يتضمن مشروعية السلطة السياسية الحاكمة، التى عليها أن تستمد وجودها وبقائها من المجتمع ككل، والقبول والرضا بها يعنى انها قامت على اسس استوجبت القبول بها من قبل الشعب، سواء تم ذلك عبر العملية السياسية أى بالانتخابات العامة أو الاختيار، أو تم عبر الاجماع والتعيين، كما ان الاستقرار السياسى يتطلب وجود مؤسسات واطر واجهزة ذات اختصاصات وصلاحيات محددة، وأن اعمال السلطة وممارساتها تبقى مشروعة فى اطار القوانين والمعايير التى تعارف عليها المجتمع، كما يحددها الدستور أو التعاقد الذى ارتضاه الشعب.
 
أيضا الاستقرار يتضمن انسياب الحياة العامة، من خلال اطلاق حرية العمل السياسى والنقابى والمهنى ومؤسسات المجتمع المدنى، وأن الصراع السياسى أو التنافس السياسى لايقوم على العنف واستخدام القوة، بل على التدوال السلمى الذى يسمح بادارة شؤون الدولة دون احتكار أو اضطراب يخل بالاستقرار.
 
فى الحالة الليبية:
 
إذا تم استبعاد الأحكام الذاتية والعاطفية جانبا والنظر إلى الواقع المعاصر، لنشأة الدول والأنظمة نظرة موضوعية علمية، فلا يمكن تصنيف "نظام" القذافي بأي حال من الأحوال على أنه نظام سياسي، يقوم على المؤسسات والأطر بالمعنى المتعارف عليه في المجتمع الدولي، فضلا عن غياب الآليات الدستورية التى تؤسس للدولة فتحدد اختصاصات وصلاحيات المؤسسات، وتنظم اسس المجتمع ، وهي الآليات التي يقودها العقل وتعمل لخدمة المجتمع المدني في ظل قوانين وضوابط محددة ومعروفة ومتفق عليها من المجتمع.
 
إنما يمكن تصنيف "نظام" القذافي على أنه حكم فردي، يقوم على الأجهزة الأمنية التي تقع في دائرة السلطة، وتلك التي أوجدها خارج أطار السلطة للمزيد من أحكام السيطرة وهى الأخطر، مثل اللجان الثورية وما شابهها من قوى تابعة مباشرة للقذافي وحده، وتعتمد على استخدام القوة والعنف والإرهاب النفسي، لفرض السيطرة السياسية وتكريس الهيمنة وإقصاء الجميع من دائرة الفعل السياسي، مما اوجد شكلا ظاهريا للاستقرار.
 
والملاحظة الجديرة بالذكر فى هذا الاطار بعد مضى كل هذه السنوات، ان الاستقرار الموجود فى ليبيا،لا يمكن ان يطلق عليه استقرار سياسى حقيقى، انماهو سيطرة وهيمنة مفروض بالقوة وليس بالاختيار ولكن كأمر واقع، لم ولن يكتسب الشرعية مهما مضى عليه الزمن، مثله مثل التواجد الاستعمارى أو الاستيطانى يأخذ مداه ثم ينتهى.
 
وفي هذا السياق يمكن التعرض لبعض إشكاليات عدم الاستقرار السياسي في ليبيا، والتى لا يمكن ان يتحقق أى استقرار بدون التعاطى معها ووضعها فى سياقها الطبيعى الذى ينبغى ان تكون عليه.
 
إشكالية الحرية:
 
إن أولى الإشكاليات التي استهدفت الاستقرار السياسي في ليبيا، كما هو الحال في كل الأنظمة الديكتاتورية، تمت باغتيال الحرية بكل صورها وأشكالها، فالحرية كانت أولى الضحايا التي تم وأدوها، ودفنها في المهد دون شعائر الدفن "حرية الإنسان في أفعاله واختياراته وقراراته، حرية خلاص الإنسان من كل صور القهر والطغيان السياسي".
 
لم يعطى القذافي أي معنى للحرية إلا من خلال مفهومه الخاص "ونسى أن التاريخ البشري هو عبارة عن تحرر الشعور الإنساني من كل القيود التي تمنع حريته الطبيعية والسياسية، حرية تقوم على العقل وتعبر عن الإدراك والفعل".
 
لقد فقد الشعب الليبي حريته في التعبير عن نفسه وعن آراءه بشتى وسائل التعبير، وفقد حريته في التجمع السياسي، وفى ممارسة حقه في الاختيار السياسي والاقتصادي، وفقد معرفة حقه في التخطيط لحاضره ومستقبله، بل وصلت الأمور به إلى درجة سلب حريته في التمتع بآدميته وإنسانيته، كأي إنسان آخر في هذا الكون يعيش وسط مجتمع مدني متحضر.
 
وكانت ومازالت الشعارات المفرطة بالتبشير بالحرية و الإنعتاق تعكس في حقيقة الأمر التضليل الدعائي الذي يخفى الشرخ الخطير الذي حدث في الواقع التطبيقي، حيث يبرز الفارق الشاسع بين "النظرية" والممارسة، وبين القول والفعل، وبين الوعود المحلقة فى سماء الوهم وبين الموجود في الواقع، إن الشكل الوحيد الذي عرفه الشعب الليبي لهذه الحرية التي جاء بها الانقلاب، تمثل في انحصار هذه الحرية وممارستها من قبل شخص القذافي فقط، باعتباره "قائدا لا يخطئ ولا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه".
 
وهكذا أصبح القذافي هو الشخص الوحيد الحر في ليبيا في أن يفعل ما يشاء، وأن يتصرف كيفما يشاء دون حساب أو عقاب ودون حدود أو ضوابط.
 
وفي هذا السياق فقد نشرت موسوعة ويكيميديا الإلكترونية التصنيف العالمي لأقل وأكثر الدول في مجال الحرية السياسية والديمقراطية وقبع فيها "النظام" الليبي ضمن قائمة اللون الأحمر لأقل دول العالم في الحرية والديمقراطية أسو بالانظمة الشمولية التى يظللها اللون الاحمر كما هو واضح وفق الشكل التالي:
 
إشكالية العدل:
 
العدل قيمة جوهرية في أي نظام سياسي ومتى غاب العدل أو تم التلاعب به فإن البديل بكل بساطه سيكون سيادة الظلم والجور في كثير من مناحي الحياة.
 
وأهمية العدل تنبع من كونه عنصر أساسي لاستتباب السلام الاجتماعي، في أي مجتمع من المجتمعات، وبالتالي فإن أي استقرار لا يقوم على العدل فهو لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال السيطرة السياسية، القائمة على فرض الأمر الواقع أو هو تعبير عن استقرار مدعوم بالقوة والعنف.
 
هذا الشكل من أشكال الاستقرار لا ينتج إلا حالات متكررة من الاحتقان السياسي، ولا يفرز سوى الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار الأمني سواء تم ذلك بصور متقطعة أو على فترات متباعدة نسبيا.
 
وفي الحالة الليبية بعد أن غابت كل صور الحرية، فإن العدل بدوره قد اختل اختلالا شديدا، فقد جرى منذ البداية إلغاء الدستور الليبي، وتعطيل المؤسسات القضائية والقانونية باسم الشرعية الثورية، وأصبح رجال القضاء والقانون من قضاة ووكلاء نيابة ومحامين، مجرد موظفين في بيروقراطية السلطة الحاكمة، ولم تعد الأجهزة القضائية تتمتع بأي نوع من أنواع الاستقلالية، ولم تعد هناك ضمانات قانونية أو قضائية لحماية الأفراد والجماعات، في مواجهة جبروت وعنف السلطة وأجهزتها الأمنية القمعية، ولم تعد هناك أيضا إجراءات قانونية أو حتى إدارية، يتم إتباعها أثناء عمليات الحجز أو الاعتقال.
 
وحتى بعد أن وجد هامش بسيط للمحامين لترك العمل في بيروقراطية السلطة، جرى تهميش دورهم بالكامل، وبعد أن تم إفساد النظام القضائي وعدد من العاملين فيه من خلال المحسوبية والرشوة، وعمليات الترهيب والترغيب التي تعرض لها الكثيرون منهم، وإدخال عناصر دخيلة لا علاقة لها بالعمل القضائي والقانوني، حتى أصبحت السلطة نفسها خصما وحكما بنفس الوقت.
 
وباختصار شديد غياب العدل في ليبيا يعنى أيضا غياب المساواة، التي طالت كل شيء من توزيع الثروة إلى الحصول على الامتيازات من السلطة، ومن تقلد المناصب إلى الحصول على الوظيفة، ومن التمتع بحقوق المواطنة إلى التمييز القبلي والجهوى، الذي شمل كل المؤسسات و القطاعات، في الصحة من حيث الحصول على الخدمات الصحية أو العلاج ،و في التعليم حتى أضحت المدارس والمعاهد والجامعات في حالة يرثى لها من التفسخ وانهيار المنظومة التربوية والتعليمية، وفي الحصول على القروض من البنوك أو في توزيع الأراضي، وفى السفر إلى الخارج للعلاج أو العبتاث الدراسية، وفى كل مناحي حياة المواطن الذي اضطر في كثير من الأحيان، إلى التفنن في كيفية التحايل للحصول على ابسط حقوقه ومستلزماته في ظل إحساسه بغياب العدل والمساواة، بل الأخطر من كل هذا أن يرتبط الحصول على الحقوق بالتزلف والنفاق للسلطة وأشخاصها وبمدى اظهار الولاء للقذافي وليس للوطن.
 
إشكالية العنف:
 
عندما فشل نظام القذافي في تحقيق ذلك القدر المطلوب من القبول السياسي من الشعب الليبي، وفشل أيضا في الحصول على التأييد الشعبي لسياساته وممارساته، لجأ رأس السلطة إلى فرض سيطرته السياسية من خلال الأجهزة والأطر،التى اوجدها فى داخل فى الجهاز الرسمي للدولة وخارجه، وهي تخدم في النهاية هدفا واحدا هو سيطرة القذافى على كل شيء في البلاد.
 
وتأتي على رأس هذه الأجهزة مختلف الجهات الامنية الرسمية وتلك غير الرسمية أو ما يسمى باللجان الثورية، وأخواتها مثل الحرس الثوري، والراهبات الثوريات، والوحدات الخاصة، والحرس الخاص، لجان التصفية وغيرها، فضلا عن التوسع في الأجهزة التقليدية من مخابرات وأمن داخلي وخارجي.
 
إن القذافي لم يتردد منذ البداية في جعل العنف الوسيلة الوحيدة للتعامل مع المجتمع، وقد وضحت هذه الصورة من خلال الإجراءات القمعية والتعسفية، التي واجه بها القذافي الحركة الطلابية في بداية السبعينات (73/74/75/76)، حتى أصبح العنف وسيلة من صفات السلطة للتنكيل بالطلاب والأساتذة الغير مرغوب فيهم في سبعة أبريل من كل عام.
 
ومع مرور الوقت أصبحت ظاهرة العنف التي رسخها "نظام" القذافي متأصلة في المجتمع، فبعد سلسلة من الصدامات مع المؤسسات والنقابات الطلابية والعمالية والمهنية وتمكنه من تصفيتها، جعل القذافي من العنف سياسة رسمية من خلال خطاباته الرسمية ومن خلال الأجهزة التي أوجدها دون قوانين أو ضوابط أو معايير ودون الأسس الأخلاقية والإنسانية.
 
لقد شهدت سنوات الثمانينات عمليات قتل وتصفية جسدية داخل البلاد وخارجها ، ومشانق نصبت لأول مرة منذ تاريخ الغزو الفاشستي الإيطالي في الميادين والساحات والجامعات، بل وفي القرى والمناطق المختلفة من البلاد، وغصت السجون والمعتقلات المرة تلو الأخرى بالنشطاء السياسيين من مختلف التوجهات الفكرية، ولم تخلو فترة الثمانينات التسعينيات أيضا من عمليات الاعتقال العشوائي الذي طالت أعداد كبيرة من أبناء المجتمع الليبي، لكي تنتهي بمأساة إنسانية لم يعرف لها تاريخ البلاد ولا المنطقة مثيلا من قبل وهى مذبحة سجن ابوسليم.
 
وهكذا لا تكاد تمضى سنة منذ أن جاء القذافي إلى الحكم دون أن تشهد ليبيا، في هذه المنطقة أو تلك حوادث عنف موجه ضد فرد أو عدة أفراد من الشعب الليبي، فالسلطة ظلت تسعى لضمان استمرار سيطرتها السياسية واحتكار استخدام العنف، لصالح القذافى ضد بقيه فئات وقطاعات المجتمع الليبي.
 
لقد تحولت الأوضاع في البلاد إلى حالة من الاحتقان والتوتر الدائم وعدم الرضا والاضطراب والتسيب والفوضى، وفي أطار هذه الفوضى أصبح كل شيء مباحا، فالمعايير الدينية والأخلاقية والعلاقات الاجتماعية فقدت فاعليتها في إيقاف التردي والانهيار العام، ولم يكن أمام أفراد المجتمع فى غياب القانون والامن سوى العودة إلى الهياكل التقليدية القبلية والجهوية، في محاولة لجعلها مكانا للحماية ومصدرا لحل الاشكاليات ووسيلة للحصول على الحاجات الضرورية.
 
وفي ظل هذه الحالة المتردية اتخذ المجتمع وسائل متناقضة للمقاومة، تتراوح بين الاستسلام الذريع بما يصدر عن السلطة خوفا من بطشها وقمعها، مرورا بحالة عدم المبالاة وفقدان الاهتمام، وانتهاء باستخدام البعض للعنف المسلح للرد على السلطة وأعوانها.
 
في الحقيقة أن ما يعيشه الشعب الليبي لوحة سوداوية قاتمة رسمت خطوطها منذ البداية بالقتل والتصفية الجسدية، ولعلها وصلت في مرحلة ما إلى الصدام مع مجموعات ذات توجهات وطنية وإسلامية تم القضاء على الكثير من عناصرها والتمثيل بأجسادهم.
 
لوحة سوداوية لشعب صغير زجت السلطة بالآلاف من أبنائه ورجاله، في السجون والمعتقلات لعشرات السنين دون محاكمات أو إجراءات قانونية، ثم في عام 1996 وفى اقل من 24 ساعة وقعت مذبحة معتقل ابوسليم حيث جرى قتل أكثر من 1200 معتقل.
 
إشكاليةالثروة:( الاحتكار واختلال التوزيع)
 
لم تمضى سوى سنوات قليلة على وقوع الانقلاب حتى ادرك القذافى اهمية السيطرة الكاملة على الثروة الليبية بالكامل ليحقق له هدفين هامين هما، القدرة على التحكم فى البيئة الداخلية، والمناورة فى الخارج من اجل كسب النفود.
 
وقد استطاع بالفعل، بعد الغاء كل اشكال الرقابة المالية والمحاسبية، من تحقيق الاحتكار شبه الكامل للثروة الليبية الممثله فى الداخل النفطى للبلاد، واحداث الاختلال فى التوزيع بما يضمن المزيد من السيطرة والتحكم، بحيث تم اعادة تشكيل المجتمع الليبي بصورة تضمن الولاء من قبل العناصر الموالين له بأعطائهم العديد من الامتيازات المالية والصلاحيات الاقتصادية، فى غياب تام لاى رقابة أو متابعة أو محاسبة، وحرمان بقية الفئات والقطاعات من ابسط الحقوق المالية والاقتصادية.
 
وزادت معانأة الشعب الليبي بعد العقد الاول من الانقلاب بسبب الاجراءات االتعسفية التى جردت القطاع الخاص من كافة الامكانيات المالية والتجارية والممتلكات العقارية مما كان له اكبر الاثر فى شل قدرة قطاع مهم من المجتمع ومنعه من اداء دوره فى التطور الاقتصادى الوطنى.
 
أن تمكن القذافى وابنائه واعوانه من السيطرة الاقتصادية والمالية الكاملة خلق خللا كبير فى المجتمع الليبي، ادى الى افراز طبقة طفيلية فاسدة تمتلك جزء من ثروة الشعب الليبي وتؤثر فى الكثير مناحى ادارة حياته الاقتصادية، وهى طبقة غير مؤهله بأى معايير علمية وموضوعية أو حتى وطنية للمساهمة فى قيام اقتصاد حقيقى يخدم الشعب الليبي ويعمل لصالحه، وكان من نتيجة ظهور هذه الطبقة الناهبة هو تهميش غالبية المجتمع وشل دوره فى تنمية حياته المعيشية والاقتصادية.
 
ان الكارثة الحقيقية للاحتكار واختلال توزيع الثروة، افرزت عنصرا اخر فى غاية الخطورة على مستقبل استقرار البلاد وربما الوحدة الوطنية، تمثل فى حرمان الكثير من المدن والمناطق الليبية من التنمية المتساوية، على كافة الاصعدة التنموية الاقتصادية والاجتماعية، والتعلمية والثقافية، والصحيه والبيئية، وعلى مستوى الخدمات والتسهيلات، وزاد من حدة هذه الوضعية الشاذة المركزية الشديدة فى ادراة كافة شؤون المجتمع، مما حمل سكان الكثير من المدن والمناطق الليبية اعباء لاقدرة لهم على تحملها، وتجبرهم يوميا على دفع ثمنا باهضا لانجاز ابسط واقل المهام الحياتية.
 
لوحة سوداوية لمجتمع يعيش ولمدة أربعة عقود، في حالة من الاحتقان السياسي وغياب ابسط صور العدل والمساواة وتحت الترويع والإرهاب المستمر، ويتم إفقار أبنائه يوما بعد يوم وتجويعهم في حين تذهب ثروتهم إلى الغير، دون أن يستطيع هذا الشعب أن يوقف هذا النزيف الذي استهدف الإنسان الليبي فى كل شىء، أو يوقف عمليات السطو أو النهب المستمر لمقدراتهم.
 
هذه الوضعية غير الطبيعية والشاذة، قد تدفع في مرحلة ما إلى فقدان الأمل في أي تغير سلمى، ولا يبقى أمام الناس سوى وسيلة واحدة هي العنف، ذلك العنف الاعمى الذي قد يفرق بين ابناء الوطن العزيز فى المدن والمناطق والجهات المختلفة، بسبب تزايد درجة الاحتقان وغياب العدل والأمان وانعدام الحرية، وفقدان الحقوق وضياع ثروة البلاد، واستمرار حكم الاستبداد ومحاولات التوريث غير المشروعة، وانسداد الأفاق أمام المستقبل.

 

وطنى جتى النخاع
أحسنت ياأستاذ منصف ياأبن حافظ.
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق