25/08/2009
 

 
المقرحي الجلاد والمقرحي الضحية
 
بقلم: مجاهد البوسيفي

أرشيف الكـاتب


 
كانت خطوات ضابط الأمن الليبي عبدالباسط المقرحي التي قطعها من باب السيارة إلى باب الطائرة التي أقلته إلى طرابلس تروي كل شيء، تلك الخطوات البطيئة لرجل متهالك الجسد ومتآكل الروح، تروي قصة الثورة الليبية في زمن قصير ومكثف وتراجيدي يختصر أربعة عقود كان فيها الإنسان مجرد رقم في عدد وترس في آلة جبارة تطحن كل شيء.
 
تروي تلك القصة المؤلمة في مشهد تراجيدي نادر، مكتسي بالحزن في كل تفاصيله حتى أن أي محاولة للفرح وإعلان الانتصار لأي جهة لا تعدو أن تكون مفبركة وصادرة عن فهم مشوش لمعاني الحياة والحكم والسياسة والقيادة.
 
الجاني هو الضحية في نفس الوقت، أنه درس علني على المدى الذي يمكن أن تصله قلة التدبير والأحلام المخادعة وعدم معرفة نواميس الحياة والعصر، درس يقدم على طبق مليء بالأوجاع والفقدان وخلو الأشياء من معانيها بحيث إذا قرأته إي أمة وأدركت مابه لن يصيبها ضرا من صنع يدها مهما حصل.
 
لقد كان عبدالباسط ضابطا في جهاز أمن يستطيع الفرد فيه أن يجلب البلاء على أي مواطن دون أي سبب، ومع تقديري الكامل لمشاعر أهالي ضحايا طائرة البان ان ، فأن ماحدث لذويهم الذين فقدوا لايعدو ان يكون مجرد رقم متواضع في سيرة تلك الآلة الجهنمية التي قضت على الآلاف المؤلفة ومازالت تتوعد بالكثير.
 
في كل خطوة من خطوات عبدالباسط تلك تكمن قصة مؤسفة ماكان لها ان تحدث لو أن العقل كان له مكان في ذلك المهرجان المتواصل منذ أربعة عقود، أنه موقف لايدعو للفرح ولا للشماتة ولكن للتفكير العميق في ما آلت إليه الأمور، فما الذي يدعو للفرح في حالة رجل خارج توا من السجن ومتجه للقبر ومارا في الأثناء لواجب أخير يلعب فيه دورا ثقيلا يعبر فيه عن اعترافه بالجميل للثورة التي حولته مجددا من قاتل إلى بطل من أجل تلميع وجه المأساة؟، ومالذي يدعو للشماتة في منظر هذا الرجل المنتهي بحيث انحصرت كل آمال خاتمته في النوم بضعة ليال في بيته كأي مواطن غير معني بكل مايحدث؟، انه رمز للجلاد والضحية وتصور مستقبلي لكل من لن يدرك ذلك ويمنح الفرصة للآخرين كي يمارسوا الحياة.
 
وماهو النصر بعد أن تعرضت البلاد لحظر طوره الحكم إلى حصار عاني فيه الناس كل أشكال الحاجة والذل، وانتهى بتعويض مالي غير مسبوق أغلب ضحايا الداخل لم يكونوا يعرفون حتى نطقه؟. وماهو الشرف والكرامة ونحن صرنا شبهة في العالم وفقراء في الموطن وخائفون في كل حين. وماهي الحرية والعولمة ونحن نرى هذا الكرنفال الذي تتسابق فيه دول العالم المتحضرة لاحتلال أماكن متقدمة في قائمة النفاق واللعب على الحبال وبيع المبادئ أمام عقود الشركات، والأعراض عن مأساة شعب واضحة وجلية وساطعة وغير قابلة للتغاضي بأي شكل؟.
 
مؤلم ماحدث لليبيا ولعبدالباسط ولضحايا الطائرة وللقضاة وللحكومات الغربية المنافقة وللحكم الليبي الذي يريد اقناعنا بأنه الوحيد المنتصر في كل هذا الخراب. فمهما بحثنا ونبشنا لن نجد معنى لما حدث سوى التسليم بسلطة الوهم وعدم تقدير هبة الحياة ولذائذها والسعي في مناكبها بلاحكمة ولادليل، طريق محكوم بالهدر ودولة قررت الخروج عن المسار والدخول لسرمد التيه بلا دستور، خارجة عن الجاذبية الدولية دون أن يعرف احد إلى أين تتجه.
 
محزنة خطوات عبدالباسط تلك، فليس سهلا أن ترى رجلا يسير إلى موته بعد أن خسر كل شيء، ومجبور على أتمام المهمة وتقبيل الأيادي اعترافا بجميل الثورة التي دمرت حياته بعد ان دمرت به حياة آخرين من قبل.
 
ألم وحزن لاينفع فيهما تحليل ولا استنتاج ولاتوقع، فالبلاد خسرت والرجل انتهى والضحايا غاضبون والشركاء الجدد محرجون بعد ان تورطوا علنا في الكذب والنفاق.
 
أيها الأخوة المحتفلون، بإمكانكم أن تتوقفوا قليلا، فالضحية المقبلة على وشك الوصول.
 
مجاهد البوسيفي
Omaromar616@hotmail.com
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق