01/09/2009

 
فصل في التسليم بأفضال الفاتح العظيم
 
هواري عبدالناصر

 
شبه مقدمة:
 
درج إعلام النظام الليبي – الذي لا إعلام في ليبيا سواه – كما درج المرتزقة من منظري النظام والمأجورون من كتبته البؤساء, بنفس الكيفية التي درجت عليها الدوائر الحكومية – للجماهيرية العظمى – في مكاتباتها وتقاريرها الرسمية, كما درجت طوابير وارتال المنافقين من ميليشيات القتل وعصابات سرقة المال العام الناشطة تحت اسم حركي هو(اللجان الثورية).. نقول لقد درج كل هذا الغثاء على استعمال مصطلح (الفاتح العظيم) قي معرض الإشادة المفتعلة بالانجازات الوهمية لانقلاب سبتمبر.
 
ولعلم من لا يعلم, ولانتباه من لم ينتبه .. تلزم الإشارة إلى أن هذا المصطلح (الفاتح العظيم) قد صيغ على هذا النحو لتنصرف دلالته إلى شخص قائد الانقلاب أكثر من انصرافها إلى يوم الانقلاب.
 
فمصطلح (الفاتح العظيم) يستبطن تحت عباءة دلالته اللغوية المنصرفة ظاهريا إلى يوم 1-9-1969 دلالة رمزية تنصرف في المفهوم السياسي إلى شخص (الأخ القائد), وهي دلالة تجد تفسيرها في مرض جنون العظمة الذي يتحكم بشخصية (الأخ العقيد) السايكوباتية ويحكم مجمل تصرفاته على كل الصعد.
 
وباستدعاء أحداث التاريخ وسير الشخصيات التاريخية المرتبطة أسماؤها بالفتوحات العسكرية, يبرز اسم الخليفة العثماني (محمد الفاتح) الذي تغلب على الدولة البيزنطية في حربه معها سنة 1453 واستولى على عاصمتها (القسطنطينية) ليغير اسمها بعد الفتح إلى (إسلام بول) الذي عدله الاتاتوركيون فيما بغد إلى اسمها الحالي (استانبول).
 
وهكذا فإنه إذا كانت القسطنطينية قد سقطت في يد السلطان (محمد الثاني) ليستحق من ثم لقب (محمد الفاتح), فإن ليبيا هي ايضا قد سقطت يوم 1-9-1969 في يد (الأخ القائد) كما تبجح هونفسه حرفيا في خطاب النصر الموجه الى الجند بعد بضعة ايام من نجاح الانقلاب الذي مكنه من الاستيلاء على مقاليد الحكم في ليبيا . وإذا كان السلطان العثماني (محمد الثاني) قد اكتفى بلقب (الفاتح) وحسب.. فان (الأخ العقيد) وهوالمهووس بالعظمة, ما كان له أن يقبل بأقل من لقب (الفاتح العظيم) قائــــد (الجماهيرية العظمى).
 
فأي فاتح عظيم؟! وأية جماهيرية عظمى؟! ذلك هوما سوف نتعرف عليه من خلال استعراض سريع وشديد الإيجاز- حيث لا يسمح المجال بغير ذلك – لانجازات (الفاتح العظيم) على صعيد السياسات الداخلية, ومآثره على صعيد السياسات الخارجية (للجماهيرية العظمى).
 
انجازات الفاتح العظيم في الداخل
 
أولا : قبل وبعد الفاتح
 
1- قبل (الفاتح العظيم) كان المجتمع الليبي قد شرع في التحول من البداوة والتخلف إلى المدنية والتحضر, وأخد الحراك العام في ليبيا يتجه صعودا من مجموعة قبائل إلى دولة، ومن إقطاعيات عائلية إلى وطن, حيث أخد الشعور بالانتماء للوطن والاحتماء بالدستور وعدالة القانون يحل محل الانتماء للقبيلة والاحتماء بمظلة القيم العشائرية والأعراف والتقاليد القبلية الآسنة.. ومع (الفاتح العظيم) انتكست مسيرة التطور, فعادت سلطة القبيلة إلى الواجهة؛ لتنتفي سلطة الدولة وهيبتها, وعاد الانتماء القبلي ليسود حركة المجتمع بالتزامن مع تراجع الانتماء للوطن, حيث تكرست القيم القبلية من خلال ممارسات النظام الذي اعتمد في إرساء سلطانه على بضع قبائل (معروفة لدى الليبيين جميعا) استأثرت بالسلطة والثروة على مدى أربعين عاما, كما استأثرت بامتيازات وخدمات التطوير العمراني والتنمية الزراعية والبعثات التعليمية وشغل الوظائف الهامة والمتاحة في أجهزة الدولة وفي الهيئات والمؤسسات والشركات العامة ؛ الأمر الذي دفع بالجميع إلى العودة للاحتماء بقبائلهم – عبر المتنفذين من أبنائهم في النظام – واللجوء اليها بدلا من اللجوء إلى مؤسسات الدولة أوإلى القانون.. لتأمين الحد الأدنى من الحقوق الاساسية للمواطن, كحق العمل أوحق الرعاية الطبية اوحق التعليم.. على اساس من معايير المساواة وتكافؤ الفرص, بدلا من معايير الاستنساب والانتماء القبلي والمحسوبية التي كرسها (الفاتح العظيم) في تفاصيل تفاصيل الحياة اليومية العامة لابناء المجتمع الليبي.
 
2- قبل (الفاتح العظيم) كانت حرية الرأي مكفولة للجميع دونما قيد أوشرط ( سوى عدم العيب في الذات الملكية..لا لرمزية المقام الملكي فحسب ، بل لان الملك – دستوريا وفعليا - لم يكن يتدخل في ادارة شؤون الحكم اصلا), وكانت الصحافة المستقلة تتمتع بهامش واسع من حرية التعبير والنقد ..التي طالت الوزراء ورؤساء الوزارات, بل أنها طالت أفراد العائلة الملكية, ومما يذكر في هذا الخصوص الحملات الصحفية التي تناولت ممارسات أعضاء الحكومة الليبية إلى درجة التجريح الشخصي, بنفس الكيفية التي طالت احد المنتسبين الى عائلة الملك (وهوعبد الله عابد السنوسي) لدرجة الادانة على خلفية تنفيذ مشروع طريق فزان.. أما بعد (الفاتح العظيم) فإن انتقاد (الأخ القائد) هوفي حكم القانون جريمة عقوبتها الإعدام, وإن انتقاد انحرافات أبناء (الأخ القائد) هوفي حكم الأمر الواقع جريمة عقوبتها التصفية الجسدية, وإن انتقاد الأشخاص الممسكين بزمام السلطة من العسكر والبوليس والوزراء الفاسدين ومن في حكمهم من زبانية النظام هوجناية يعاقب عليها بالسجن وفقا لمقتضى نص القانون.
 
3- قبل (الفاتح العظيم) بلغت التجربة الديمقراطية والتسامح..بنظام الحكم القائم آنذاك, كما بلغ القضاء درجة من الاستقلالية والعدالة تجرأ معها على إصدار أحكام لم تتجاوز سنتين من الحبس ( كانت واقعيا اقرب ما تكون إلى عطلة طويلة) كعقوبة لأعضاء التنظيمات الحزبية المناوئة للنظام والعاملة على إسقاطه.. أما مع (الفاتح العظيم) فإن إجراءات وارتكابات الاعتقال والحبس المطلق والسجن والإعدام والتصفية الجسدية, تجاوزت ملاحقة ممارسات الخروج على القوانين الجائرة.. لتطال النوايا, وتجاوزت الخصوم لتطال الموالين من أصحاب الرأي المستقل, وتجاوزت المعارضين لتطال الأبرياء من عائلاتهم وأقاربهم حتى الدرجة الرابعة – بحكم القانون والأمر الواقع – تشريدا, وقطعا للأرزاق, واغتصابا للممتلكات, واستباحة للكرامات, وانتهاكا للأعراض.
 
4 - قبل (الفاتح العظيم) كان التعليم المجاني حقا مكفولا للجميع, وفي جميع مراحل التحصيل العلمي بما فيها مرحلة الدراسات العليا, وكان التلميذ في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي يتناول وجبة غذاء مجاني يوميا على حساب الدولة وكان طالب المرحلة الثانوية يحظى بالإيواء في الاقسام الداخلية على نفقة الدولة وكان طلاب المعاهد المهنية والكليات الجامعية يتقاضون منحا شهرية تؤمن لهم مصروف جيب محترما.. علاوة على خدمات الإيواء في الأقسام الداخلية. وكانت فرص العمل متاحة وأبواب الرزق مفتوحة أمام جميع الخريجين.. أما بعد (الفاتح العظيم) فان السياسات التعليمية انحدرت بالتعليم إلى الحضيض من حيث انعدام الإمكانات, وعدم استقرار المناهج, وتذبذب البنية التعليمية, واستهداف المرحلة الأولى من التعليم الأساسي بالتخريب, واكتظاظ الفصل باكثر من خمسين تلميذا, وانحدرت بمستوى الخريجين إلى درجة أمية القراءة والكتابة فضلا عن أمية المعرفة التخصصية . كما تحول التعليم إلى مجال استثماري لأصحاب الملايين المسروقة, وتحول التعليم إلى سلعة تباع في دكاكين المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة, و تم تكييف البنية التعليمية ونظم الامتحانات بما يؤدي إلى طرد الطلاب وحرمانهم من مجانية التعليم واضطرارهم الى الانتساب للمؤسسات التعليمية الخاصة التي لا يهم أصحابها شي إلا تحقيق الحد الأقصى من الأرباح ، أما اولائك الذين لا يملكون من المال ما يشترون به الشهادات المضروبة من بقاليات التعليم الخاصة.. فلهم أن يرعوا الغنم كما قال (الأخ القائد) . أما الخريجون فإنهم بفضل (الفاتح العظيم) يشكلون جيشا من العاطلين عن العمل في جماهيرية النعيم الأرضي.
 
5- وفي خلاصة سريعة.. كان الجنيه الليبي (قبل الفاتح العظيم) يساوي ثلاثة دولارات أميركية, وبعد (الفاتح العظيم) صار الدولار الأمريكي - الهابط المفلس والمجرد من أي غطاء - يساوي ثلاثة دنانير ليبية الى وقت قريب, وقبل (الفاتح العظيم) كانت ليبيا تتمتع بأفضل نظام للرعاية الطبية والضمان الاجتماعي, أما بعد الفاتح العظيم فان الليبيين يضطرون لبيع ممتلكاتهم لتأمين نفقات العلاج في تونس, أما أوضاع الضمان الاجتماعي فإنها الأسوأ على الإطلاق بعد نظيرتها في الولايات المتحدة, التي حاول النظام الليبي أن يذهب إلى استنساخها إمعانا منه في التماهي مع الليبرالية – الاقتصادية - المتوحشة, من قبيل إبداء حسن النوايا والاستعداد للاندماج في مشروع المحافظين الجدد لإدارة العالم.. الذي انتهى إلى مزبلة التاريخ . وقبل (الفاتح العظيم) وبالرغم من محدودية الموارد وضآلة الدخل وفقر الخزانة العامة, فقد كان ثمة خطة للإسكان – المجاني - والتطوير العمراني تهدف إلى القضاء تدريجيا على الأكواخ والأحياء العشوائية. أما بعد (الفاتح العظيم) فإن الأحياء العشوائية تتسع وظاهرة الأكواخ تعود إلى الظهور وعشرات آلاف الشباب من الجنسين بلغوا سن الكهولة والعنوسة دون زواج لعدم توفر السكن.. وقائمة المقارنة تطول وتطول.. فكم هو عظيم هذا الفاتح المنفتح في عصر الانفتاح العربي.
 
ثانيا: في الذكرى الأربعين للفاتح العظيم
 
1- بعد أربعين عاما من انقلاب (الفاتح العظيم) ومع تكدس مليارات الدولارات من عوائد بيع النفط, لا تزال ليبيا تعاني من انعدام وسوء أوضاع البنية الأساسية: من طرق ومواني ومطارات وصرف صحي وسكك حديدية ومرافق عامة ومبان للمؤسسات التعليمية وسدود لحجز مياه الأمطار.. بالمقارنة مع جارتها تونس (على سبيل المثال) التي لا تملك شيئا يذكر من النفط اوالغاز اوسفه الفاتح العظيم.
 
2- وبعد مرور أربعين عاما على انقلاب (الفاتح العظيم) لا تزال عشرات الآلاف من العائلات الليبية تسكن في بيوت بائسة..بأحياء عشوائية أشد بؤسا (كغوط الشعال وبوسليم والهضبة الشرقية والدريبي) وغيرها كثير في العاصمة طرابلس, في حين تفيض الخزانة الليبية بالمليارات التي يكفي أقل القليل منها لتوفير دارة فخمة لكل عائلة ليبية..و في حين يملك الثورجيون من أبناء النظام ومحاسيبه أفخم القصور في أكثر من مدينة وموقع (فواحد في العاصمة وآخر في المزرعة وثالث في القرية..) فضلا عن الشقق والاستراحات لزوم السهرات والحفلات الخاصة. (والفاتح خلا الناس سوا).
 
3- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب (الفاتح العظيم) ومع مئات الملايين التي أهدرها النظام في الاستثمارات الخارجية المباشرة.. التي سطا عليها المحاسيب غير الخاضعين للمحاسبة والأمناء غير المستأمنين حتى على أثاث مكاتبهم, ومع مئات الملايين التي وظفها النظام كودائع في المصارف الخارجية وفي شراء أسهم الشركات المفلسة..التي ضاع جزء كبير منها في سياق الأزمات الدورية التي يعاني منها النظام الرأسمالي والتي كان آخرها الأزمة الهيكلية التي أطاحت باقتصادات الدول الغربية ومصارفها وشركاتها وبورصاتها المستضيفة لأموال عائدات النفط الليبية.. لم تحظ ليبيا بشيء يذكر من التوظيفات المالية للإستثمار المباشر في مشروعات التنمية الشاملة والمستدامة، فقد ظلت ليبيا واحدة من الدول المتخلفة.. ليس من فرق بينها وبين بوركينا فاسوأوأفريقيا الوسطى إلا من حيث الدرجة لا من حيث النوع .
 
4- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب (الفاتح العظيم) لا زال متوسط الدخل الفعلي للمواطن الليبي يقل عن متوسط الدخل الفعلي للمواطن في تونس المجاورة (التي ليس بها نفط) والتي يبلغ تعداد سكانها ضعف تعداد سكان (الجماهيرية العظمى), ولم تزل القدرة الشرائية للمواطن الليبي في تراجع مستمر مع تجميد الأجور وانفلات السوق..فضلا عن البطالة, ولم تزل أجور موظفي الدولة والمرتبات التقاعدية لموظفيها السابقين لا تفي بتلبية الحد الأدنى من إشباع الحاجات الأساسية.. في حين ينعم الفاسدون واللصوص من أبناء النظام بحياة الف ليلة وليلة (و اللي موش عاجبه يشرب البحر).
 
5- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب ( الفاتح العظيم) لم يسجل المتابعون المحايدون من منظمات ونشطاء حقوق الإنسان والشفافية ومكافحة الفساد..غير المزيد من كبت الحريات وتكميم الأفواه وتفشي الفساد بكل أنواعه, وتفاقم الفقر, واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء, وتلوث البيئة, وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية, وتدهور الأوضاع المعيشية للملايين من الشعب الليبي, وتراجع مستوى اداء الاقتصاد الوطني, وتغول السوق المنفلت من كل الضوابط والقيود.
 
6- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب ( الفاتح العظيم) لم يفلح النظام إلا في تحويل الليبيين إلى مجتمع من الشحاذين والبغايا.. حيث يقف عشرات الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل في طوابير طويلة أمام قصور الحكام وأمام مزارعهم وشركاتهم ومصانعهم (التي آلت إليهم بالخصخصة) وأمام أسواقهم .. بحثا عن فرصة عمل بأقل أجر يسدون به الرمق, يقف عشرات الآلاف من العاطلين رافعين أيديهم تضرعا مطأطئين رؤوسهم مذلة و انسحاقا.. يسألون القطط السمان فتات موائدهم للبقاء على قيد الحياة, في حين تقف آلاف من النساء والفتيات الليبيات اللواتي ضاقت بهن الحال وسدت امامهن سبل الحياة الكريمة, ونالت منهن ظروف العوز الشديد والحاجة الماسة والعجز المطلق في مواجهة مغريات مجتمع الفترينات.. يقفن في طوابير طويلة أمام الاستراحات الفخمة المشيدة في (مزارع الاكتفاء الذاتي), وأمام الشقق المفروشة في عمارات الاستثمار الفاخرة, وأمام السويتات المحجوزة في فنادق الخمسة نجوم.. يعرضن خدماتهن على من يرغب من لصوص مشاريع التنمية والمرتشين من أبناء سفاح نظام (الفاتح العظيم).. فياله من إنجاز حضاري ذلك الذي حققه (الفاتح العظيم) في مجال التنمية البشرية – ضمن خطط التنمية الشاملة - وصولا إلى تحويل الشعب الليبي إلى مجتمع من الفقراء الشحاذين واحتياطي استراتيجي من البغايا, يتنامى – تحت ظروف الحرمان – يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وعاما بعد عام.. لزوم نجاح المشاريع السياحية التي يجرى تنفيذها لفائدة أبناء سفاح (الفاتح العظيم) بقروض ميسرة من المصارف الممولة من الخزانة العامة.
 
وهكذا يكون (الفاتح العظيم) قد أفلح في تحقيق (انجاز عظيم) هوتحويل ليبيا إلى (مبغى عظيم) على طريق بناء دولة ( الجماهيرية العظمى).
 
7- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب ( الفاتح العظيم) وبالرغم من بيع منشآت القطاع العام في سوق نخاسة (الخصخصة) وبالرغم من تحول ليبيا إلى سوبر ماركت كبير يعج بنفايات الصناعات الاستهلاكية المستوردة حتى من الدول المتخلفة.. سوبر ماركت يملكه ويديره أبناء سفاح (الفاتح العظيم) وتحكم حركته أبشع أشكال الرأسمالية المتوحشة التي عرفها – والتي لم يعرف بعد – تاريخ البشرية, وبالرغم من الهزيمة الساحقة الماحقة التي ألحقها (الحاج عمر/ التاجر) و(الحاج مفتاح / المقاول) بكل طروحات (الأخ العقيد) التي أنفق في الترويج لها عالميا مئات الملايين من عائدات بيع النفط الليبي, بالرغم من كل مظاهر الفقر وآثاره المدمرة التي تفتك بالشعب الليبي – عدا أبناء سفاح الفاتح العظيم طبعا – والتي تضع مستوى رفاه المواطن الليبي في آخر قائمة مؤشرات مستوى حياة الفرد في الدول المنتجة للنفط... بالرغم من كل ذلك لا زالت أبواق دعاية (الفاتح العظيم) تجد لديها فائضا من الوقاحة (وصحة البهت) لتنظر لاشتراكية الكتاب الأخضر ولأول جماهيرية في التاريخ... وحقا (اللي استحوماتو) .
 
8- بعد مرور أربعين عاما على انقلاب ( الفاتح العظيم), وعلى الرغم من أنه خلال نفس الفترة قد توالى ستة رؤساء – وأرجوألا أكون مخطئا في الحساب - على الحكم في الولايات المتحدة.. التي بلغ إعجاب وافتتان (الأخ القائد) بنظام الحكم فيها إلى درجة جعلته ينفق عشرات الملايين من اموال الشعب الليبي لإقناع الرؤساء الأفارقة بفكرة تحويل منظمة الإتحاد الإفريقي إلى دولة: (الولايات المتحدة الأفريقية).
 
وبالرغم من أنه خلال نفس الفترة قد طرأت احداث ومعطيات غيرت موازين القوى الإقليمية والدولية ومنها – على سبيل المثال – تحول (إيران) من دولة تدور في الفلك الأمريكي إلى دولة تقف في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية بكل الشموخ والكبرياء الوطني.. بالرغم من كل ذلك فإن (الأخ القائد) لازال مصراً على التمثل في حكم ليبيا بوحدانية الله – سبحانه وتعالى– في حكم الكون, إلى حد الانبطاح الكامل أمام الولايات المتحدة وأخواتها.. سعيا منه للاستقواء بها على الشعب الليبي.
 
مآثر (الفاتح العظيم) في الخارج
 
انطلاقا من وهم العظمة ووسواس النجومية المسيطرين كليا على عقل (الأخ العقيد) والذين كونا لديه قناعة مطلقة بأنه اكبر كثيرا من ليبيا, وبأن الشعب الليبي أدنى من أن يستحق قائدا تاريخيا بمثل حجمه الدولي, وأن ليبيا وشعبها وثرواتها هي ملك يمينه, وأن له وحده – دون شريك – حق التصرف بعائدات بيع النفط الليبي وتقرير أوجه إنفاقها؛ فإن (الفاتح العظيم) قد استطاع خلال الأربعين عاما (القليلة) الفائتة من عمره المديد.. أن يسجل أعظم المآثر وأن يحقق أعظم الانجازات التي عززت دور ليبيا وأثبتت حضورها الفاعل على صعيد العلاقات الدولية.. ورسخت نفوذها وتأثيرها الحاسم في رسم السياسات وصناعة القرار على مستوى ادارة لعبة الامم في العالم . ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
 
1- توظيف مئات الملايين من الدولارات في مشروعات الاستثمار الخارجي, التي شملت قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة, والعقارات, ومحطات بيع الوقود, والمصارف, والنقل البحري... الخ, والتي توزعت عبر قارات اوروبا وافريقيا واميركا الجنوبية.. والتي انتهت جميعها إلى الخسارة والإفلاس نتيجة لفساد القائمين على إدارتها من أبناء سفاح (الفاتح العظيم) بالرغم من أن أغلبها كان يتمتع بفرص تحقيق نسب عالية من النجاح.. وفقا لدراسات الجدوى الاقتصادية ومعطيات الواقع ؛ وبالمقابل.. فقد كانت الحكومات الليبية المتعاقبة (من فروخ الفاتح العظيم) قد أوقفت العمل بخطط التحول الخمسية, وأوقفت بالتالي استثمار عائدات بيع النفط في مشروعات التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة, ما أدى إلى الأوضاع الكارثية التي يعاني منها الشعب الليبي اليوم.. تخلفا وفقرا وجهلا ومرضا وهوانا ومذلة, على نحوليس له من حدود.
 
2- توظيف عشرات المليارات من الدولارات كودائع في المصارف الأوروبية وكأسهم وسندات في المصارف والشركات وأسواق المال الأوروبية والأميركية.. انتهت إلى التآكل بفعل التراجع المستمر لقيمة الدولار,والازمات الدورية لنظام اقتصاد السوق, فضلا عن الأرقام الفلكية لمرتبات المشرفين على إدارة تلك الاموال من أبناء سفاح (الفاتح العظيم) وممارساتهم الفاسدة, ثم كانت الكارثة التي التهمت نسبة كبيرة من رؤوس أموال تلك التوظيفات, فضلا عن أرباحها – إن وجدت أصلا – في الأزمة الهيكلية العميقة التي عصفت بأسواق المال الأميركية والأوروبية والتي أطاحت باقتصاد السوق والنظام الرأسمالي العالمي برمته (وعوضك على الله أيها الشعب الليبي المسكين).
 
3- في الوقت الذي كانت فيه ليبيا ولا تزال وستظل بفضل (الفاتح العظيم) تعاني من أزمة خانقة في الإسكان.. إلى حد اكتظاظ البيت العشوائي الواحد – المكون عادة من ثلاث أوأربع غرف صغيرة – بثلاث أو أربع عائلات (حقا لا تهويلا) ؛ فقد تبرع (الفاتح العظيم) بتكاليف بناء قرى ومدن كاملة في الدول الأخرى.. كتلك التي أنجزت في (اليمن) وفي (تونس) أو تلك التي تكفل بإنجازها في (مصر). ويا شباب وفتيات ليبيا: من استطاع منكم الباءة فليتزوج, وليشيد له كوخا من نفايات اخشاب بناء قصور واستراحات ( فروخ الفاتح العظيم) . ولأن الأرض قد استحوذ عليها أبناء سفاح (الفاتح العظيم) فليقم صرح ذلك الكوخ فوق سطح بيت والديه العشوائي, وليذهب بعد ذلك لأداء الخدمة الوطنية الإلزامية, وليمت – غير مأسوف عليه - في أوغندا أوفي تشاد أوفي الواق واق.. دفاعا عن انجازات (الفاتح العظيم). ولا بأس ان ينال منه ابناء سفاح الفاتح العظيم في سهراتهم الماجنة بمثل قولهم: (سمحة وراجلها في تشاد .. فرس وطحت للملهاد).
 
4- تحميل الخزانة الليبية صرف عشرات الملايين من عائدات بيع النفط الليبي, لتبذيرها في أوجه الإنفاق السفيه المتعلق بتغطية نفقات رحلات وتنقلات (الأخ القائد) عبر القارة الأفريقية (و مؤخرا دخلت أوروبا على الخط).. بدء من نفقات نقل خيمته المتواضعة جدا (يا ريتها خيمة كل حبيّب), مرورا بنفقات كتيبة الحراسة النسائية من (الأمازونات) لزوم الاستعراض الطاووسي, وليس انتهاء إلى العطايا التي تنثر لأرتال الكائنات الأفريقية البائسة.. التي تحشدها حكومات الدول المضيفة للوقوف على جانبي الطرق التي يمر بها موكب ملك ملوك أفريقيا.. هاتفة (فاته.. فاته.. فاته). ويابخت من (فاته) ذلك المشهد المخزي, حتى لا يلعن اليوم الذي انجبته فيه أمه, مع يوم (الفاتح العظيم).
 
5- إهدار الملايين من البترودولار في شراء الذمم الرخيصة للرؤساء الأفارقة وشيوخ وسلاطين وملوك القبائل المتخلفة في الأدغال الأفريقية, وتسديد ديون الدول الأفريقية الدائرة في الأفلاك الفرنكوفونية والأنجلوسكسونية (نيابة عن ماما أميركا) ! وتحمل نفقات عقد القمم الأفريقية (حيثما عقدت) وإنشاء الأبراج الفندقية من فئة الفايف ستارز في دول أفريقية لا علاقة لها بالسياحة.. كبوركينا فاسو, والتوغو, و النيجر, والسودان. و(فيفا غراند ليدر مؤامر كذافي) فقط لا غير.
 
6- دعما لنظام كامب ديفيد العميل, الذي يمثل بسياساته الإقليمية والدولية أخطر وأحقر رموز الصهيونية العربية.. تم التنازل له - مقابل لا شيء – عن كامل الوديعة المالية الليبية البالغة مليار دولار (بالتمام والكمال), وليث أمر التفريط في أموال الشعب الليبي وقف عند هذا الحد.. فقد تجاوزه إلى التنازل للجانب المصري عن كل المبالغ المتراكمة من عائدات خدمة الوديعة.. ليصل اجمالي المبلغ الذي تنازل عنه نظام (الفاتح العظيم) لصالح نظام (كامب ديفيد) إلى حوالي أربعة مليارات دولار (هي أصل الوديعة زائدا أرباحها) وهومبلغ مهول كان يمكن أن يغير وجه الحياة في ليبيا, وكان يمكن لعشرة بالمائة منه أن يوفر إمدادات الطاقة لكل المستشفيات والمؤسسات التعليمية في قطاع غزة لفترة طويلة, غير أنه بدلا من دعم صمود أهلنا في قطاع غزة.. فضل (الفاتح العظيم) أن يُنعم بمليارات الشعب الليبي على حسني البارك (والحديث يطول في العلاقات الليبية المصرية غير المتكافئة كليا), في حين يُنعم نظام الكامب من جانبه بإمدادات النفط والغار المصري على العدوالإسرائيلي, بأسعار تفضيلية لا ينعم بها المواطن المصري. ورحم الله شاعرنا الكبير رفيق المهدوي لقولته الشهيرة: إنه الفن (بعينه) .
 
7- كنا قد سكتنا طويلا وعلى مضض إزاء الممارسات الاستفزازية التي عمدت إلى تمييز مواليد شهر سبتمبر في ليبيا – كائنا من كانوا - عن سواهم من المواطنين مواليد بقية شهور السنة الشمسية, لتجعل منهم تلك الممارسات الاستفزازية فئة منعمة تتمتع بامتيازات لا تستحقها إلا بمنطق (خود ولا خلي), وتحظى برعاية خاصة كان ينبغي أن يحظى بها جميع الشباب الليبي. ولقد سكتنا طويلا وعلى مضض إزاء تلك التجاوزات لسبب واحد هو أن اولائك المستفيدين هم في كل الأحوال مواطنون ليبيون. غير أن (الفاتح العظيم) يأبى إلا أن يُمعن في استفزازه للشعب الليبي, ويوغل في تبذير وإهدار أموال الليبيين من عائدات بيع نفطهم وتبديدها مزاجيا وفي كل اتجاه, حتى لقد بلغ السفه بالفاتح العظيم حد إغداق الأموال الليبية على مواليد شهر سبتمبر في كل أرجاء المعمورة, حيثما حل (الأخ القائد).. بدء من بـــر مصر, وليس انتهاء إلى بلاد الطليان.. وصنبور البترودلاور مفتوح تتدفق منه أموال عائدات النفط الليبي إلى جيوب مواليد سبتمبر من شتى أمم الزنج والإفرنج والأعراب والأغراب. (بلا رقيب ولا حسيب).
 
وهنا يفرض السؤال المنطقي والهزلي - في آن معا – نفسه ليأخد الصيغة التالية : ما ذنب أولائك الليبيين الشباب الذين لم تجمع الصدفة آباءهم مع أمهاتهم في الوقت المناسب, ليولدوا في شهر سبتمبر, حتى يصيبوا شيئا من نِعم (الفاتح العظيم)على مواليد سبتمبر العالميين ؟!؟! ( وشر البلية ما يضحك) .
 
وخلاصة القول ان انجازات (الفاتح العظيم) ومآثره – في الداخل والخارج – من هذا القبيل, هي أكثر من أن يحيط بها الحصر.. فيما ظهر منها, أما ما خفي فهوحتما أدهي وأمر. على انه مهما يكن الأمر.. فإن التاريخ لا يجامل احدا, وان لكل ليل نهاية, وإن الشمس لا زالت تشرق كل يوم.
 
ولا غالب الا الله .
 
هواري عبدالناصر

 

إقرأ للكاتب أيضا:

 

بطاقة معايدة إلى (الأخ الأكبر)

تهافت العقيد الانقلابي في تفاهة الحياد الايجابي

هوامش على دفتر الحضيض العربي

 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق