08/10/2009

 
عندما يتعالم المجريسي !!! (1)
 
بقلم: سليمان عبدالله

الأجزاء: (1)  (2)  (3)
 
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى... أما بعد.. فقد اطلعت على مقالة الكاتب الليبي يوسف المجريسي "مجزرة بني قريظة: الحقيقة والأسطورة "(1) التي ابتداءها باتهام المسلمين وعلمائهم بقلة الفهم والتفكير والنقد والتحليل ليجعل ذلك منفداً للطعن في حادثة بني قريظة مع أنها مخرجة في الصحيحين معتبراً أن الاقرار بها {يعني الإقرار بجواز العقوبات الجماعية في الإسلام}!!!.
 
والحق أن العجب لا ينقضي مما يكتبه أمثال هؤلاء المتعالمون الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين, يخطئون هذا ويسقطون ذاك, ويتبجحون بأنهم الافهم لمراد الله وروسوله زعموا – والاعلم بدلالة نصوص الكتاب والسنة, ويصدرون الفتاوى التي تهتز لهولها الجبال دون أن يرف لاحدهم جفن أو يشعر بأدنى حرج, أو تأنيب ضمير حتى غدوا أضر على الدين من أعدائه لانهم يسئيون من حيث أرادوا الاصلاح, ويضلون من حيث أرادوالهداية ولكم يصدق فيهم ما قاله الإمام ابن حزم رحمه الله في كتابع الماتع "مداواة النفوس" {لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنَّهم يجهلون ويظنُّون أنَّهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون}.
 
ولا خلاف بين أهل العلم قاطبة على ضرروة تحذير الناس منهم حتى لا يغتر بقولهم من لا يعرف فيزل ويضل, ولهذا قال شيخ الاسلام رحمه الله {فمن تكلَّم بجهل وبما يخالف الأئمة، فإنَّه ينهى عن ذلك ويؤدَّب على الإصرار، كما يُفعل بأمثاله من الجهال، ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمَّة الضلالة، وإن كان مشهوراً عنه العلم، كما قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك} .مجموع الفتاوى 22/227.
 
إن المتأمل في لهجة المقال ونَفَسَ الكاتب يشعر كمن لو كان صاحبه يلقي خطاباً حماسياً على منصة الهايدبارك حيث وقف خليط من غير المسلمين من اليهود والنصارى – وربما بعض المسلمين – وقد اتهموه بأن الدين الذي يدين به يشجع على القتل والمذابح الجماعية وخير دليل ما حدث لبني قريظة.. فما كان من كاتبنا الهمام الذي حوصر في الزاوية – كما يقال – وراح يتصبب عرقا , ويتلعثم في حديثه إلا أن يدعي أن ما حدث لبني قريظة أسطورة نقلها "شيوخ ورجال دين لا عقول لهم، لا يفكرون ولا يحللون ولا ينتقدون ولا يدققون، فهم مجرد نقلة لكتب الأولين لا أكثر" ثم تناقلتها شعوبنا المخدرة أباً عن جد وصدقتها – على حد وصفه – دون أن تنتبه الى حقيقة هذه الاسطورة الى أن أتى عبقري زمانه ووحيد عصره وفلة وقته, وأدرك الذي فات الشيوخ وفطاحلة العلماء طيلة أربعة عشر قرناً... ألا قاتل الله الغرور والجهل والتعالم!!!
 
والحقيقة أن القارئ لمقالات المجريسي الاخرى يشعر أن صفة التعالم والاعجاب بالنفس واحتقار مجهودات الاخرين وازدرائهم سمات بارزة فيها, ومن راجع مقالاته التي ينشرها هنا في هذا الموقع سوف يتبين له ذلك. وسوف أعرض بحول الله وقوته لاهم ما قاله المجريسي مع الرد المفصل عليه في الوقفات القادمة.
 
أول هذه الوقفات
 
لا يحتاج القارئ لمقالة المجريسي الى كبير عناء أو كثير جهد ليدرك أنه ينطلق من منهجية لا تمت بأدنى صلة الى ما تعارف عليه علماء الاسلام قديماً وحديثاً من منهج منضبط معروف لاستخراج الاحكام الشرعية, وإنما يلجأ الى أن يقيس الامور بعقله ويحتكم اليه لتحديد الصواب من الخطأ ومعرفة مراد الله ورسوله وهذا يجره – ولا بد – الى الوقوع في واحدة مما ذكرها شيخ الاسلام {من أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات لا بد له من كتمان أو كذب أو تحريف أو أمية مع عدم علم} درء تعرض العقل مع النقل 3 /13.
 
وأجدني هنا مضطراً لاعادة ما كنت ذكرته في مقالة سابقة بعنوان "من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب"(2) {هؤلاء التغربيون الجدد يريدوننا أن نلغي ما تعارف عليه أهل العلم قديما وحديثاً بمنهج الاستدلال والنظر والبحث في الادلة لمعرفة مراد الله ورسوله بالكتاب والسنة من خلال علوم أصول الفقه واللغة والحديث والإحاطة بدلالات الألفاظ وقواعد الاستنباط وغير ذلك مما هو معروف لاهل الشأن... أقول يريد هؤلاء أن يجددوا – بزعمهم – هذا المنهج العلمي المنضبط ويستبدلوه بمنهج عقلي فاسد لا خطام له ولا زمام, فما بدا لعقولهم معارضاً لكلام الواحد الديان أسقطوا دلالته وأبطلوا حجته ورموا به عرض الحائط وإن كان في الصحيحين وتلقته الامة جمعاء بالقبول}.
 
ويمكن اختصار منهجية المجريسي التي اعتمدها في مقالته في التالي:
 
الدافع: يقول المجريسي في هامش مقالته {وما ولجت هذا الموضوع إلا لخطورته لأن له علاقة بالعقاب الجماعي، والمجازر الجماعية كمجزرة بوسليم، وهو ما يتنافى مع روح الأديان عامة، ومبادئ حقوق الإنسان العالمية}. فالدافع إذن سياسي صرف لا علاقة له من قريب أو بعيد بالدفاع عن الاسلام وأحكامه في وجه خصومه.. وإنما كَتَبَ ما كتب حتى لا يحتج عليه أحد بجواز ما حدث في مجزرة أبوسليم قياساً على واقعة بني قريظة رغم أن الفارق بينهما كما بين السماء والارض كما سوف يأتي بيانه إن شاء الله قريباً.
 
وحتى لايفوتني التنبيه هنا وطالما أن المجريسي جعل مرجعيته مبادئ حقوق الانسان العالمية.. أقول لقد وردت في القرأن الكريم بعض الاحكام الشرعية كأحكام قطع يد السارق وجلد القاذف والزاني واعطاء الذكر ضعف الانثى وتعدد النساء وغير ذلك مما يتعارض مع مبادئ حقوق الانسان العالمية التي يتحاكم اليها المجريسي.. فما تراه فاعلا ً الان؟؟ هل يثبت ما أثبته القرآن الكريم وجرى العمل عليه لإربعة عشر قرناً أم سيلحق هذا بأسطورة بني قريظة.. وهذا السؤال الاول – على طريقة أخينا المحمودي.
 
الطريقة:
 
1. اسقاط القيمة العلمية لأهل العلم بشكل عام من خلال وصفهم بقلة التفكير والعقل وعدم المقدرة على التحليل والنقد... وقوله هذا يستغرق كل العلماء سؤاء الذين رووا قصة بني قريظة كالبخاري ومسلم وغيرهما أم الذين أقروها ولم ينكروها كما فعل وحيد عصره الذي اكتشف حجم التخدير الممارس ضد أمتنا المسلمة جيلا بعد جيل!!! وللقارئ أن يتساءل هنا..كيف يتلقى المجريسي دينه اذا كان كل العلماء لا عقول لهم ومجرد نقلة؟ ثم من من علماء أهل السنة والجماعة ذهب الى ما تقوله المجريسي ونفى حدوث مقتل المئات من يهود بني قريظة؟ وهذا هو السؤال الثاني.
 
2. الزعم بأن التصديق بحادثة بني قريظة يترتب عليه تصديق حكيم والاذعان الى أن الحق معه, ولا شك أن هذه الثنائية المجريسية تضحك الثكلى, وتنشئ عند القارئ غير المطلع رهبة وخوفاً أن يصدق ما ينقله رجال الدين – كما وصفهم – أصحاب العقول الناقصة حول حادثة بني قريظة!!!
 
3. محاولة اسقاط الاخ المحمودي – جزاه الله خيراً – من خلال الادعاء بأنه "لا يملك من فن الحوار والمجادلة شيئاً، فضلاً عن وهن حجته وركاكة أسلوبه وسجعه الصبياني المتكلف". وسيأتي مزيد رد حول هذه النقطة.

4. التبرير لما ينشره حكيم وأمثاله من الملاحدة على هذا الموقع رافضاً ما وصفه بـ"الاستبداد وحجر الكلمة" بحجة "أن القرآن نفسه يمتلئ بمئات الآيات من أقوال إبليس وفرعون والنمرود وغيرهم من عتاة الكفر والشرك والتمرد على الله". وسيأتي مزيد رد حول هذه النقطة.
 
5. محاولة اسقاط الامام محمد ابن اسحاق رحمه الله من خلال ذكر قول الامام مالك وهشام بن عروة بن الزبير فيه بأنه "كذاب ودجال", ولان سقوطه سوف يهدم حادثة بني قريظة من جذورها كما يظن... ومن المعلوم أن أحكام علماء الجرح والتعديل قد تختلف في الرجل الواحد فيذمه البعض ويوثقه البعض الاخر, وعندها لابد من النظر لسبب جرح الذامين له.. وفي حال محمد ابن اسحاق تبين أن ما قاله كل منهما في الاخر هو مما يعرف بكلام الاقران الذي أرشد الامام ابن عبدالبر في كتابه جامع العلوم والحكم الى أن { يطوى ولا يروى}.(3)
 
يقول الامام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء {قلت لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة, وقد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف وهذان الرجلان [يعني مالكا ومحمد ابن اسحاق] كل منهما قد نال من صاحبه لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة وارتفع مالك وصار كالنجم فله ارتفاع بحسبه ولا سيما في السير وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه فإنه يعد منكرا هذا الذي عندي في حاله والله أعلم}.
 
وقد تتابع العلماء على توثيق الامام محمد ابن اسحاق حتى قال فيه شعبة – وهو من هو في الجرح والتعديل – محمد بن إسحاق أمير المحدثين لحفظه. وقال علي بن المديني: نظرت في كتب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين ويمكن أن يكونا صحيحين.
 
وسئل عنه الامام أحمد فقال: أما محمد بن إسحاق فهو رجل يكتب عنه هذه الأحاديث كأنه يعني المغازي وما أشبهها.وقال ابن عدي: ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلا الاشتغال بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ومبتدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق بها ثم من بعده صنفها قوم آخرون لم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها، وقد فتشت أحاديثه كثيرًا فلم أجد من أحاديثه ما يتهيأ أن يُقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أولهم في الشيء بعد الشيء كما يخطئ غيره ولم يتخلف في الرواية عنه الثقاة والأئمة وهو لا بأس به.
 
وعن يعقوب بن شيبة قال: سألت علياً – يعني ابن المديني – فقلت: كيف حديث ابن إسحاق عندك صحيح؟ فقال: نعم حديثه عندي صحيح .قلت : فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيءٍ حدث به ابن اسحاق بالمدينة؟
 
وقال ابن حجر: إمام المغازي صدوق يدلس ما رمي بالتشيع والقدر. ومن رام زيادة تفصيل فليرجع الى كتب التراجم لاسيما سير أعلام النبلاء للذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر وغيرهما.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة..لماذا اقتصر المجريسي على ذكر ما قاله الامام مالك وهشام ابن الزبير في حق ابن اسحاق مع أننا قد راينا تتابع كبار علماء الجرح والتعديل على توثيقه؟؟ أين هي أبجديات البحث العلمي التي يتشتدق بها المجريسي؟؟وأين هي الامانة العلمية؟ وهذا هو السؤال الثالث.
 
6. بعد اسقاط الامام ابن اسحاق أصبح الطريق ممهداً للانقضاض على سيرة ابن هشام لاعتمادها على روايات ابن اسحاق واسقاطها هي الاخرى من خلال وصفها بأنه ملئية بـ"المتناقضات والأساطير، واختلط فيها الحق بالباطل". وقد بينتُ في النقطة السابقة أن كلام الامام مالك في محمد ابن اسحاق هو من كلام الاقران الذي لا ينبغي روايته.. فكل منهما إمام وبالتالي فما بني على باطل فهو باطل.. لكن الانصاف يقتضينا أن نقول هنا أن أصحاب السير بشكل عام لم يتقيدوا بالمنهج الحديثي المعروف بين أهل الحديث لقبول الروايات أو ردها وإنما اعتمدوا مبدأ {من أسند اليك فقد حمّلك} فهم يذكرون في كتبهم الروايات والقصص بأسانيدهم ليحكم عليها من شاء وهي نفس الطريقة التي سار عليها إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره.
 
7. زعم الكاتب أنه يتبع ميزان النقد العلمي لبيان أسطورة حادثة بني قريظة, وقد اتضح لك أخي القارئ من خلال النقاط السابقة معالم هذا المنهج الفريد الذي يبشر به الكاتب الهمام, ويكفي لاسقاطه أن يقال أن الاحكام الشرعية لاتؤخذ من كتب السير – مع أنه يستفاد منها – لكن من كتاب الله ومن دواوين السنة المعروفة كالصحيحين والمؤطا والسنن وغيرها... ويبرز هنا سؤال في غاية الاهمية وهو: لماذا لجأ المجريسي الى كتب السيرة الملئية بـ"المتناقضات والأساطير" وترك كتب السنة الصحيحة كالبخاري ومسلم التي روت الحادثة بعيداً عن ابن اسحاق؟ هل لانه لا يعرف بورود قصة بني قريظة فيها؟ والجواب: لقد أشار في مقاله الى أن كتب الصحاح قد نقلت القصة وبالتالي يسقط هذا الاحتمال. ويبقى احتمالان آخران أحلاهما مر:
 
الاول: ذكره تصريحا بقوله {وتكاد تكون أغلب كتب المغازي والسير، إن لم يكن كلها، عالة في مراجعها على روايات ابن إسحاق وتعتمد عليها اعتماداً تاماً، وكثير من الحكايات والخرافات، التي تناقلتها الأمة وتقبلتها قبولاً حسناً، انطلقت من أوراق ابن إسحاق.}. وقد بينا سابقاً أن محمد ابن اسحاق إمام من أئمة المسلمين, ولا يختلف حاله عن باقي العلماء من حيث قبول حديثه ومروياته من خلال منهج أهل السنة والجماعة المعروف لا كما قال المجريسي اذا " تنافى مع الاديان عامة ومبادئ حقوق الانسان العالمية"!!!.

الثاني:
أن المجريسي لعله – وأقول لعله احتياطاً – يدرك ما للصحيحين من مكانة عالية ومنزلة مرموقة بين عموم المسلمين وعلمائهم, ولعله أيضا يعلم أن أحاديث الصحيحين قد جاوزت القنطرة وتقبلتها الامة جمعاء – باستثناء محكمي العقول الذين ابتليت بهم الامة وصار حالهم أشبه بما قاله شيخ الاسلام عن أهل الـتأويل {لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا}.... أقول لعله كان يدرك ذلك فاختار أضعف الحلقات وذلك بمهاجمة ابن اسحاق وجرحه بقول الامام مالك الذي يجله الجميع ليسقط ابن اسحاق ورواياته بالضربة القاضية ولتسقط معه أسطورة بني قريظة..وكفى الله المؤمنين القتال!!!.
 
8. وأخيراً لجأ المجريسي الى ممارسة الارهاب الفكري على القارئ من خلال حصره بين أن يكذب بالحادثة – وهذا ما يريد أن يصل اليه – وبين أن يصدق بحدوثها فيجره ذلك الى الشك في القرآن وفي عقله أيضا بل وفي رسوله الذي ناقض رسالة ربه على حسب زعمه.. بل إنه يتمادى في غيه فيدعي في تعالم لم يسبق اليه أن {الرسول صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله لنا، لا يمكن أن يكون هو الرسول نفسه الذي يتحدث عنه ابن إسحاق}. والسبب لان ابن اسحاق ذكر قصة حادثة بني قريظة وأقره عليها علماء الاسلام لانها واقعة لا مجال لنفيها..لكن منهجية المجريسي التي سار عليها لا يمكن أن توصله الا الى ما وصل اليه.
 
ثاني هذه الوقفات
 
من الواضح البين أن الكاتب المجريسي لا ينطلق من غيرة اسلامية – كما يظهر من مقاله – في انتقاده لقصة بني قريظة والدليل ببساطة أنه لا يعارض ما ينشره الملحد حكيم جهاراً نهاراً من انتقاص لله ورسوله والأستهزاء بهما, ويتبدى ذلك من خلال اعتراضه على طلب كثير من الكتاب من صاحب الموقع – الدكتور اغنيوة – أن يمنع التطاول على ركائز العقيدة الاسلامية وكليات الشريعة الاسلامية.. يقول المجريسي {ثم يحاول بعضهم فرض الاستبداد وحجر الكلمة حتى في هذا الموقع الليبرالي الحر، رغم أن القرآن نفسه يمتلئ بمئات الآيات من أقوال إبليس وفرعون والنمرود وغيرهم من عتاة الكفر والشرك والتمرد على الله}... فمعنى كلام المجريسي أنه لا حرج على الملحد حكيم أن يصف الله بـ"الدمية الخرساء" ورسوله صلى الله عليه وسلم بـ"الكهل الشبق" تعالى الله – وروسوله – عما يقول الظالمون علواً كبيراً وأستغفر الله مما كتبت.
 
لا أدري هل تناهى الى سمع المجريسي قول القاضي عياض رحمه الله – وهو بالمناسبة من كبار علماء المالكية – {أعلم - وفقنا الله وإياك – أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب... وكذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيرّه بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من الصحابة وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم وهَلُمَ جراً} الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/932 – 933.
 
والاجماع الذي أشار اليه القاضي عياض نقله غير واحد من أئمة الاسلام وحماة العقيدة وكلهم اتفقوا على ردة الساب وخروجه من ملة الاسلام وجريان أحكام المرتدين عليه, ولا تقبل له توبة أبداً لان ذلك من حقه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لأحد ان يتنازل عنه.
 
وبما أن المجريسي لن يقبل إجماعات هؤلاء الائمة وحكمهم في ساب النبي صلى الله وعليه وسلم حيث اتهمم في بداية مقالة بأنهم لا "عقول لهم، لا يفكرون ولا يحللون ولا ينتقدون ولا يدققون، فهم مجرد نقلة لكتب الأولين لا أكثر"... فلهذا لابد أن نخاطبه باللغة التي يفهمها.. وسوف أساله سؤالاً محدداً – ولدينا غيره إن أحب- راجيا أن يجيبنا عليه بنفس الوضوح الذي اتسم به مقاله الاخير:
 
لقد أدانت إحدى محاكم الجنايات النمساوية الكاتب والمؤرخ البريطاني ديفيد ارفينغ في فبراير 2006 وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات لانكاره الهولوكوست رغم أن الرجل كان يتكلم في مجاله وله العديد من المؤلفات والمحاضرات... وقد أعلن الرجل افلاسه وصودرت ممتلكاته في بلده...فلماذا عجزت الديمقراطيات الغربية أن تستوعب أمثال ارفينغ وتحترم رأيهم بدل أن تصادره وتحكم عليه بالسجن؟؟ أين الميثاق الاوروبي لحقوق الانسان؟؟ وأين دعاوى حرية التعبير؟
 
 
المؤرخ البريطاني ديفيد ارفينغ
 
ولتسهيل الاجابة أتساءل… هل لان حرية الرأي والتعبير وانتقاد الاخرين عندهم لها حدود وضوابط لا ينبغي تجاوزها مهما كانت نوعيتها وليس كما يفهمها المجريسي ومن شايعه بأنها مطلقة لا حدود لها؟؟.. ليت المجريسي يتحفنا بجواب شاف ونحن بالانتظار. وهذا هو السؤال الرابع.
 
وأما عن استشهاد المجريسي على حرية الراي والتعبير بـ"أن القرآن نفسه يمتلئ بمئات الآيات من أقوال إبليس وفرعون والنمرود وغيرهم من عتاة الكفر والشرك والتمرد على الله" فهو من أفسد القياس وحكايته تغني عن رده, ويكفي لاسقاطه أن يعلم أن القران هو كلام الله, والله لا يسئل عما يفعل, والله حكى أقوال ابليس وأئمة الكفر في القرآن تحذيراً من أفعالهم وتنفيراً من أخلاقهم وسؤء صنيعهم, ومعاذ الله أن يأمر الله عباده بالكفر {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الزمر.
 
وله سبحانه وتعالى أن يذكر ما شاء فهو صاحب الخلق والامر, وله أن يقسم بما أراد من مخلوقاته كالشمس والضحى والليل والفجر بينما لا يجوز لنا فعل ذلك, ولو أقسم أحدنا بالشمس أو القمر أو حتى بالرسول لعد عاصياً لقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه {من حلف بغير الله فقد أشرك} والمقصود بالشرك هنا الشرك الاصغر الذي لا يخرج المرء من الملة.
 
ثم إن الله أنزل القرآن رحمة للعالمين وهداية للضالين وتحذيراً للكافرين, وقد قص الله كثيراً قصص الرسل مع أقوامهم وما حل بهم من عذاب جراء تكذبيهم إياهم ليتعظ عباده بما حدث لتلك الامم ويلتزموا شرعه ويطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف: وما يقال في هؤلاء يقال عن فرعون وقارون والنمرود وحكاية الله لتكبر الشيطان عن أوامر الله حتى لا يأتي شيطان أو شياطين الانس, ويستكبروا أن يكونوا عبيداً لله بل وربما فاقوا ابليس كفراً وعناداً والحاداً كما هو حال حكيم وغيره.
 
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله {وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى: من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بيانا ً شافياً} البداية والنهاية 7/1.
 
ثالث هذه الوقفات
 
لقد أقام المجريسي الدنيا ولم يقعدها بسبب حادثة بني قريظة لكنه غض الطرف عن حكيم – و أيد حقه ضمناً في نشر الكفر والالحاد – ولم يتخذ موقفاً واضحاً منه وأمثاله ممن يسب الله ورسوله ويطعن فيهما وهو اعلان البراءة ممن كان على شاكلته, وهذا أضعف الإيمان... فإذا كان التهجم على الله ورسوله بمثل هذه الطريقة الفاجرة التي لم يسبق اليها فيما اطلعتُ عليه لم تحرك ساكنا عند المجريسي فياليت شعري متى ثم متى ينتفص المجريسي مدافعاً عن ربه ورسوله ودينه؟؟
 
لمثل هذا فليذوب القلب من كمد
إن كان في القلب إيمان واسلام
 
لقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن محبة لله ورسوله تقتضي الانقياد لهما واتباع أوامرهما, وموالاة من يتبعهما, وتقتضي كذالك بغض من يعاديهما, والبراءة ممن يحاربهما وقد قال الحق سبحانه وتعالى {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} سورة المجادلة.
 
فمن تولى أعداء الله وروسوله ودافع عن باطلهم وكفرهم والحادهم تحت أي حجة كانت فهو منهم لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} المائدة, وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} الممتحنة.
 
ولابد من التنبيه إلى أن هذا الواجب الشرعي بالبراءة من حكيم والحاده لايختص به المجريسي وحده بل يشاركه فيه كل مسلم ومسلمة, ومن أعطى المبرر لحكيم لنشر زندقته تحت أي مبرر كان فإنه يعد مشاركاً له في الاثم والوزر لقوله تعالى {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة. ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما روأه مسلم { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ}... وليس هناك أعظم منكراً من سب الله ورسوله والسخرية منهما والاستهزاء بهما, وكل امرئ ملاق الله يوماً فليعد جواباً من الان.
 
يتبع الحلقة الثانية إن شاء الله
 
سليمان عبدالله
soliman-abdalla@hotmail.com
 

(1) يوسف المجريسي: "مجزرة" بني قريظة: الحقيقة والأسطورة
(2)
سليمان عـبدالله: من تكلم في غـير فنـّه أتى بالعـجائب (الفيتوري و ارحومة مثالين)
(3) أنصح بالاطلاع على الرسالة القيمة "كلام الأقران بعضهم في بعض.. أسبابه ونتائجه" للدكتور أيمن محمود مهدي
 
إقرأ للكاتب أيضا:
 
ندما يتعالم المجريسي!! (1)
عندما يتعالم المجريسي!! (2)

عندما يتعالم المجريسي!! (3)

عندما يعظم المصاب (شهداء آل التايب مثالا)

 

مواطن مطحون
الإستاذ الجليل (سليمان عبد الله) أقول لك لافض فوك، وأحسنت الرد علي يوسف المجريسي، ردك الشرعي والعلمي والمنطقي، لأنه مافعله ويفعله المجريسي يخرج عن كونه إجتهاد ،فهو ينكر أحاديث ووقائع حدثت، في صدر الإسلام الأول، وياليتها كانت المره الأولي، فبصراحة كنت من قبل من المعجبين به شخصياً وبآراءه السياسية، لكن الرجل تحول فجأه الي مفتي!، ومحلل ديني إن جاز التعبير، يأخذ مايشاء ويترك مايشاء، قد يصفك هو ومن علي شاكلته بأنك متحجر أو تمنع وتعطل الإجتهاد، لكن هذا غير صحيح، هذا ليس إجتهاد، بل هذا طعن صريح في الرويات الإسلامية الموثقة، ورجالاتها ،وقصة بني قريضة تختلف إختلاف جذري عن مجزرة بو سليم، ولا يتسع المقام هنا ولا الخانة لسرد الفروقات الكبيرة والواضحة الجلية. وللأسف أن المجريسي يتمسك حتي بفتوي شاذه وفتوى لشيعة وملل أخري ويصفها بأنه فتوى جميع علماء الإسلام!، وهذا ماصرح به في مقالته أمم العبيد، عندما شبه المسلمين بألمؤتمرين بالسمع والطاعة فقط، وأن علمانا يجيزون الإستمتاع بالرضيعة!!! وهذا مالم يقله عاقل من علماء المسلمين، فلماذا التعميم. أرجو أن يعود السيد المجريسي الي صوابه، والي جادة الحق، ولا يأخذه غضبه من نظام القذافي، الي تفسيرات دينية مغلوطه.

سعيد المصراتي
بارك الله فيك على هذا المقال الطيب، الله يهديهم الجماعة هؤلاء في كل شئ هما وبس، فكك من النفخة والتكبر على عباد الله يا مجريسي، ورحم الله إمرء عرف قدر نفسه، منور يا أستاذ سليمان
.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق