19/10/2009

 
عندما يتعالم المجريسي!!! (3)
 
بقلم: سليمان عبدالله

الأجزاء: (1)  (2)  (3)
خامس هذه الوقفات
 
زعم المجريسي أن حادثة بين قريظة بالطريقة التي روتها كتب السنة لم تقع , واستند في ذلك على تحليلات عقلية ساقطة وباطلة لوجود النص الشرعي الصحيح, وقد تقرر عند أئمتنا أنه "لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" و"إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"... وقد كفاني الاخ المحمودي جزاه الله خيراً-  مؤونة  ذكر تفاصيل الحادثة (1) حيث أفاض في الرد على الكثير من الشبه المثارة حولها كمسألة الانبات وقتل المقاتلة دون عرض الاسلام عليهم وغيرها فأرجع اليها  أخي القارئ غير مأمور..لكنني سوف ألخص الاحداث على شكل أسئلة وأجوبة لتسهيل عرض الوقائع كما حدثت معتمداً بشكل رئيسي على صحيح الامام البخاري – أمير المؤمنين في الحديث - وشارحه الحافظ بن حجر وذلك لما لصحيح البخاري من منزلة عالية لا يدانيه فيها كتاب اخر اللهم الا صحيح الامام مسلم مع تلقي الامة له بالقبول والتعظيم باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله.
 
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه في علوم الحديث عن محمد بن يوسف الشافعي عنه سماعا {قال أول من صنف في الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري, ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما [اي البخاري ومسلم] أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز وأما ما رويناه عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك قال ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ يعني بلفظ أصح من الموطأ فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري وسلم} هدي الساري مقدمة فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
 
وقد استغرق الامام البخاري ستة عشر سنة لاكمال الكتاب من خلال منهجية دقيقة لقبول أي حديث (2).قال العقيلي {لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة} المصدر السابق.
 
والاتفاق على المرجعية أمر هام جداً قبل أن نتناول حادثة بني قريظة.. فإذا أتفقنا على ذلك... فأقول مستعيناً بالله:
 
1- حدوث الغزوة؟؟:
 
بمعني هل هناك واقعة يقال لها غزوة بني قريظة قتل فيها المئات من مقاتلة اليهود أم أنها من قبيل الاساطير والأوهام كما يدعي المجريسي؟
 
بوب الأمام البخاري في كتاب المغازي "باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الاحزاب ومخرجه الى بني قريظة ومحاصرتهم إياهم".ثم ذكر بعض الاحاديث:
 
{لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال:(فإلى أين). قال: ها هنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم}.
 
{أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأين). فأشار إلى بني قريظة} ..تكملة الحديث في الفقرة الثانية.
 
إذن رواية البخاري تشير بكل وضوح الى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتجه الى بني قريظة بعد أن أمر من قبل جبريل " اخرج اليهم" وهو أمر من الله سبحانه وتعالى...وهذا يجعلنا نقطع بحدوث الغزوة.
 
2- سبب الغزوة:
 
قال الحافظ ابن حجر رحمه في شرح "ومخرجه الى بني قريظة  ومحاصرتهم إياهم" {قد تقدم السبب في ذلك وهو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده وممالأتهم لقريش لقريش وغطفان عليه}.. ولا شك أن ما قام به بنو قريظة من تآمر على الدولة الاسلامية الوليدة في المدينة المنورة وتقديم العون والمساعدة لقريش وغطفان خلال حصارهم المدينة من أجل استئصال دولة الاسلام يعد في كافة الاعراف جريمة كبرى يعاقب عليها بأشد العقوبات – وهي الموت - وقد اصطلح على تسمية هذا الفعل في زماننا بـ"الخيانة العظمى".
 
3- كيف تصرف بنو قريظة تجاه الحصار المفروض عليهم؟
 
بعد أن حاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بضعة عشرة ليلة, وأجهدهم الحصار, وأيقنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عازم على استئصال شأفتهم, وقطع دابرهم اجتمعوا مع بعضهم لمدراسة الامر.
 
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله {قال لهم  كعب بن اسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون, واني عارض عليكم خلالا ثلاثاً فخذوا بما شئتم منها قالوا وما هن؟؟
 
قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره.
 
قال: فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم.
 
قال: فان أبيتم علي هذه فالليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فاصابه ما لم يخف عنك من المسخ فقال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما}.البداية والنهاية. وقد ذكر الحافظ ابن حجر قريباً منه في الفتح.
 
4- الحكم على بني قريظة:
 
أوردتُ في الفقرة الثانية جزءً من حديث البخاري وهذا تكملته {فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم: أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم.قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة: أن سعداً قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب اليّ أن أجاهدهم فيك، من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له، حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما، فمات رضي الله عنه}.
 
فرواية البخاري تشير صراحة الى أن الذين تم اعدامهم هم "المقاتلة" أي كل فرد ذكر بالغ له القدرة على القتال وحمل السلاح, والسبب في ذلك كما يقول الامام ابن القيم رحمه في زاد المعاد {ثم إنه كان من هديه صلى الله عليه و سلم أنه إذا صالح قوما فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرهم الباقون ورضوا به غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع وكما فعل في أهل مكة فهذه سنته في أهل العهد}. ويضيف ابن القيم قائلا{وبهذا القول أفتينا ولىَّ الأمرِ لما أحرقت النصارى أموالَ المسلمين بالشام ودورَهم، ورامُوا إحراقَ جامِعهم الأعظم حتَّى أحرقوا منارته، وكاد  لولا دفعُ الله  أن يحترِقَ كُلُّهُ، وعلم بذلك مَن علم من النصارى، وواطؤوا عليه وأقروه، ورضوا به، ولم يُعلِمُوا ولىَّ الأمر، فاستفتى فيهم ولىُّ الأَمرِ مَن حضره من الفقهاء، فأَفتيناه بانتقاض عهد مَن فعل ذلك، وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضى به، وأقر عليه، وأن حدَّه القتلُ حتماً، لا تخيير للإمام فيه، كالأسير، بل صار القتل له حَدّاً، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حَدّاً ممن هو تحت الذِّمة، ملتزماً لأحكام الله بخلاف الحربى إذا أسلم، فإن الإسلام يعصم دمه وماله، ولا يُقْتَلُ بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حُكم، والذِّمى الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذى ذكرناه هو الذى تقتضيه نصوصُ الإمام أحمد وأُصوله، ونص عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، وأفتى به فى غير موضع}.
 
5- الحكم على بني قريظة.. هل هو حكم سعد بن معاذ أم حكم الله:
 
جاء في رواية البخاري {نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم، أو خيركم). فقال: (هؤلاء نزلوا على حكمك). فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، قال: (قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك)}. قال الحافظ ابن حجر في شرح قوله صلى الله عليه وسلم قضيت بحكم الله أو ربما قال: بحكم الملك {هو بكسر اللام، والشك فيه من أحد رواته أي اللفظين قال، وفي رواية محمد بن صالح المذكورة "لقد حكمت فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات" وفي حديث جابر عند ابن عائذ فقال: احكم فيهم يا سعد ، قال: الله ورسوله أحق بالحكم. قال: قد أمرك الله تعالى أن تحكم فيهم وفي رواية ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة وأرقعة بالقاف جمع رقيع وهو من أسماء السماء، قيل: سميت بذلك لأنها رقعت بالنجوم ، وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام وفسره بجبريل؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام ، قال السهيلي: قوله: "من فوق سبع سماوات" معناه أن الحكم نزل من فوق، قال: ومثله قول زينب بنت جحش " زوجني الله من نبيه من فوق سبع سماوات " أي نزل تزويجها من فوق}... فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر حكم سعد بقوله "قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك".. فهل بعد حكمه قول أو اعتراض؟؟اللهم لا. قال الله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (36)}الاحزاب.
 
وبهذا تسقط كافة الدعاوى والاتهامات التي ساقها المجريسي ضد سعد بن معاذ رضي الله عنه, وهي ناتجة عن قلة تعظيم واحترام وتوقير لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن الظن بهم. 
 
6- – لماذا كان الحكم شديداً بمثل هذه الصورة؟
 
يقول ابن القيم في زاد المعاد {وأما قُريظة، فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظَهم كُفراً، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم}(3).
 
ويقول الدكتور جاد محمد أحمد رمضان رئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية في مقالة رائعة  له بعنوان "كيف سلمت الدولة الإسلامية من تآمر يهود بني قريظة وخيبر عليها" ونشرها في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة العدد 16... نقتطف منها قوله {إن الجزاء الذي حل ببني قريظة من جنس عملهم؛ فلو قدر للأحزاب أن ينجحوا في اقتحام المدينة لصار المسلمون إلى هذا المصير الذي صار بنو قريظة إليه، وهل كان في وسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم كما عامل بني قينقاع وبنى النضير من قبل؛ فيكتفي بإبعادهم عن المدينة كما أبعد أولئك؟ لا! لم يكن في إمكانه ذلك لأن التجربة أثبتت أن الإبعاد لا يكفي؛ فقد يجيّشون الجيوش ويستعدون القبائل على الرسول وأصحابه كما حدث في المرة السابقة.
 
ثم إن طبيعة الجريمة التي اقترفها بنو قريظة تختلف عن جريمة كل من بنى قينقاع وبنى النضير؛ نعم إن الجرائم كلها جرائم خيانة وغدر لا مبرر لها، غير أن جريمة بنى قريظة كانت أشد خطرا من الجريمتين السابقتين؛ لأن المسلمين كانوا في كل منها في حال تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، أما موقفهم وقت جريمة بنى قريظة فقد كان محفوفا بالخطر من جراء الحصار المحكم الذي ضربه الأحزاب حول المدينة؛ فلم يكن في إمكانهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ولولا عطف الله بهم لأبيدوا عن آخرهم. لذلك لم يكن في الإمكان الإبقاء على هؤلاء؛ حتى يرسموا خطة أحكم ويدبروا مكيدة أنكى يقضون بها على دولة الإسلام، ويفتنون الناس عن دينهم ويعيدونها جاهلية كما كانت قبل ظهور النبي عليه الصلاة والسلام.
 
لقد كان في وسع هؤلاء الذين عرضوا أنفسهم للقتل، وأسلموا نسائهم وأولادهم للسبي، وعرضوا أموالهم للضياع؛ كان في وسعهم ألا يتعرضوا لما تعرضوا له لو أنهم أسلموا كما أسلم الثلاثة من منهم؛ فأمنهم الرسول عليه الصلاة والسلام على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، لكنه الغي المودى بأهله في النار والعناد المفضي بأصحابه إلى الدمار.
 
ليتهم ثابوا إلى رشدهم كما ثاب هؤلاء الثلاثة، وأقلعوا عن غيهم كما أقلعوا، وتخلّوا عن عنادهم كما تخلوا؛ إذن لعصموا دماءهم وأموالهم من رسول الله، وكان أجرهم على الله، ولما عرّضوا نساهم وأولادهم للرق وساقوهم إلى الذل وأسلموهم للهوان أبد الدهر.
 
إن قوانين الحرب وقوانين السلم على السواء تقرّ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة؛ لأنه عقاب عادل وإجراء وقائي سليم لحماية المسلمين من شرهم ووقايتهم من كيدهم، حتى يتمكنوا من نشر دعوة الحق وإقرار الأمن والسلام على ربوع الأرض، وإزالة الفحشاء والمنكر من جميع أصقاعها. إن المسؤول الأول عما أصاب هؤلاء التعساء من كوارث، وما حلّ بهم من نكبات هو حيى بن أخطب؛ فهو الذي زين لهم الخيانة وأغراهم بالنكث وحملهم على الغدر، ولا يعفيه من المسؤولية أنه قتل معهم؛ فهو سبب هلاكهم ومعول خرابهم، كما أنه تسبب في إساءتهم الظن بمن بعده من اليهود.
 
هذا ما صرح به سلاّم بن مشكم أحد بنى النضير عندما بلغه خبر بنى قريظة، حيث قال: هذا كله عمل حيى بن اخطب، لا قامت يهودية بالحجاز أبداً}(4).
 
7- كم عدد المقاتلة الذين تم إعدامهم؟
 
قال الحافظ في الفتح {واختلف في عدتهم : فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة "كانوا سبعمائة" وقال السهيلي: المكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعا ، وقد حكى أبو إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة}. أرايت كيف يجمع أهل العلم بين الروايات المختلفة ثم قارن ذلك بما كتبه المجريسي وعندها سوف تحمد الله على نعمة العلم. ثم لو جعلنا اختلاف العدد مقياساً لصحة القصة من عدمها لحكمنا بسقوط مجزرة "أبوسليم" حيث لا يوجد رقم محدد لعدد القتلى, وقد اختلفت التقديرات وتبيانت ولا أعلم أن أحداً ممن كتب عن تلك المجزرة الاجرامية حدد رقماً ثابتاً.
 
8- هل ثبت أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ؟
 
ذكر المجريسي قصة اهتزاز عرش الرحمن لموت سعد ابن معاذ حيث أورد رواية "إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قبض سعد بن معاذ، من جوف الليل معتجراً بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سريعاً يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات." ثم أورد رواية ثانية جاء فيها "لما دفن سعد سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر الناس معه، فقالوا يا رسول الله، ممّ سبحت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره، حتى فرجه الله عنه"...ثم علق بقوله:من لي بعاقل يصدق أيّا من الروايتين؟ أين هو سعد، في الأرض أم في السماء؟ أم في المكانين معاً؟ كيف تفتح أبواب السماء لفرد، ويضيق عليه القبر في الوقت نفسه؟ أجعل الله له روحين في جوفه؟ وإذا اهتز العرش لموت صحابي فتُرى ماذا حدث للعرش يوم وفاة آخر الأنبياء والمرسلين؟} وأصاف في الهامش قائلاً: {يؤوّل بعض العلماء الاهتزاز بمعنى الاستبشار بقدوم الروح، لكي لا يتزعزع إيمان الناس ببعض الأحاديث في كتب الصحاح. والعاقل لا يخفى عليه سخف التأويل. وممن أنكر حديث اهتزاز العرش الإمام مالك بن أنس.}.. والجواب على هذا من عدة وجوه:
 
مشكلة المجريسي – ومن هو على شاكلته كما بيننا -  أنهم يقيسون الامور بعقولهم, ويحكمون نصوص الوحيين اليها, ولا يعبأون بالمنهجية العلمية التي توافق علماء الاسلام جيلا بعد جيل على الأخذ بها والعمل بمقتضاها, وبالتالي فلن تستغرب ما يقوله المجريسي وأضرابه من أقاويل شاذة وما يطرحونه من أسئلة مستنكرة لانهم بدون أصول يرتكزون عليها ويرجعون اليها وكما قال شيخ الاسلام رحمة الله في منهاج السنة (5/83){لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات} وهذا الذي حصل لهم تماماً.
 
روى البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال {اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ}..قال الحافظ {وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر وثبت في الصحيحين، فلا معنى لإنكاره} ونقل الحافظ كذلك قول الحاكم النيسابوري كما سيأتي في النقطة القادمة {الأحاديث التى تصرح بإهتزاز عرش الرحمن مخرجة فى الصحيحين. وليس لمعارضها فى الصحيح ذكر}... فلا مجال اذن للتشكيك في صحة الحديث, ونجزم يقيناً أن عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد وهو لاشك فضيلة ومنقبة لسعد رضي الله عنه.
 
وأما ما ورد لسعد في قبره من تضايق وضم فقد اختلف أهل العلم في صحة ذلك لكن الذي صح قوله صلى الله عليه وسلم {لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ}.. وعلى فرض صحة حدوث الضمة لسعد فإن المقصود هو غير ما يفهمه كثير من الناس ويتبادر الى أفهامهم.. قال الامام الذهبي معلقاً على ضمة القبر لسعد في سير أعلام النبلاء{قلت: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه وألم خروج نفسه وألم سؤاله في قبره وامتحانه وألم تأثره ببكاء أهله عليه وألم قيامه من قبره وألم الموقف وهوله وألم الورود على النار ونحو ذلك فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر ولا من عذاب جهنم قط ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه}.  
 
ادعاء المجريسي أن تأؤيل {بعض العلماء الاهتزاز بمعنى الاستبشار بقدوم الروح، لكي لا يتزعزع إيمان الناس ببعض الأحاديث في كتب الصحاح. والعاقل لا يخفى عليه سخف التأويل} فيه لمز خفي لاهل العلم بأنهم يفسرون الاحاديث بما يحفظ ايمان الناس لا بما تدل عليه من حيث مدلولها الشرعي الذي سيقت لاجله, وهذه دعوى خطيرة ختمها المجريسي بمدح نفسه بأنه من العقلاء الذين اكتشفوا سخافة تأويل الاهتزاز بقدوم الروح, ولم يبن لنا الالية التي اعتمدها للوصول الى الحكم, ومن من شراح الحديث وصف هذا التأويل بـ"السخف".
 
وأما عن معنى إهتزاز عرش الرحمن.. فقد قال الحافظ {والمراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه، يقال لكل من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات إذا اخضرت وحسنت، ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ"اهتز العرش فرحا به" لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب فقال: اهتز العرش فرحا بلقاء الله سعدا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا، قال ابن عمر: يعنى عرش سعد الذى حمل عليه، وهذا من رواية عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر، وفى حديث عطاء مقال لأنه ممن اختلط فى آخر عمره، ويعارض روايته أيضا ما صححه الترمذى من حديث أنس قال: "لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة كانت تحمله"قال الحاكم: الأحاديث التى تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة فى الصحيحين. وليس لمعارضها فى الصحيح ذكر، انتهى. وقيل: المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث"إن جبريل قال: من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها"أخرجه الحاكم، وقيل: هى علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه ليشعر ملائكته بفضله. وقال الحربى: إذا عظموا الأمر نسبوه إلى عظيم كما يقولون قامت لموت فلان القيامة وأظلمت الدنيا ونحو ذلك، وفى هذه منقبة عظيمة لسعد، وأما تأويل البراء على أنه أراد بالعرش السرير الذى حمله عليه فلا يستلزم ذلك فضلا له لأنه يشركه فى ذلك كل ميت، إلا أنه يريد اهتز حملة السرير فرحا بقدومه على ربه فيتجه}.
 
ويقول الامام النووي في شرحه لصحيح مسلم {اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة: هوعلى ظاهره. واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم روح سعد. وجعل الله تعالى في العرش تمييزاً حصل به هذا. ولا مانع منه. كما قال تعالى: وإن منها لما يهبط من خشية الله. وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار. وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة. فحذف المضاف. والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها}.
 
ولوتأملت شرح بن حجر والنووي لمعنى اهتزاز العرش وايرادهما للمعاني المخلتفة حوله لما رأيت أدنى اشارة لما زعمه المجريسي من خوفهم من تزعزع إيمان الناس, ولا وصفهم قول من قال أن معنى الاهتزاز هو الاستبشار والفرح بـ"السخف" وذلك لعظم أدب أهل العلم وتفهمهم لاقوال الاخرين لا كما يتعالم المجريسي لكن صدق من قال "من كثر علمه قل اعتراضه".
 
نَقلَ المجريسي أن الامام مالك ممن أنكر اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ, وإيراده لقول الامام مالك هدفه تضعيف واسقاط قصة اهتزاز العرش كما فعل تماماً عندما أتى بطعن الامام مالك في الامام محمد بن اسحاق.. فهل فعلاً حادثة اهتزاز العرش لا تصح مع أنها واردة في الصحيحين؟؟
 
لنرجع لاهل العلم كما أوصى الله بذلك في كتابه {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
 
لقد مر معنا قبل قليل كلام الحافظ بن حجر وما نقله عن الحاكم  حول أحاديث اهتزاز عرش الرحمن لموت سعد وأنها مخرجة في الصحيحين ولا معارض لها.. وأضيف ما قاله الحافظ بن كثير في كتابه البداية والنهاية {قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: حديث اهتزاز العرش ثابت متواتر (5). قال السهيلي: رواه جماعة من الصحابة ؛ منهم جابر، وأبو سعيد، وأسيد بن حضير، ورميثة بنت عمرو. قال: وهو محمول على الحقيقة؛ لأن العرش لا يمتنع عليه الحركة والاهتزاز. قال: وما روي عن مالك من تضعيفه لهذا الحديث ، وتوهينه للتحدث به ، فلعله لم يصح عنه ذلك، والله أعلم} ولا أدري إن كان المجريسي يعي معنى الحديث المتواتر(6).. فإن كان يدري فتلك مصيبة وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم. 
 
9 هل التصديق بهذه الواقعة يستلزم فتح الباب على مصراعيه للعقوبات الجماعية في الإسلام  دونما أي ضابط؟
 
قال المجريسي {ولقد رأيت أن أتصدى لهذا الموضوع لأن التصديق بهذه الواقعة يعني الإقرار بجواز العقوبات الجماعية في الإسلام، وهذا ينافي القاعدة القرآنية: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"}. والجواب من عدة وجوه:
 
إن مصطلح "العقوبات الجماعية" حادث وفضاض ولابد من بيان المقصود منه تحديداً قبل أن نحكم عليه..ثم يجب أن يعلم أنه قد تقرر في ديننا الحنيف أن الردء له حكم المعين فلا فرق بين من باشر القتل بنفسه وبين من ساعده من بعيد أياً كانت نوع المساعدة,وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما – كما روى البخاري - قال: قُتل غلام غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال ابن العربي في أحكام القرآن " 1/150" {اتفق أكثر العلماء على أن الردء يحكم فيه بحكم المقاتل}.
 
قال الامام القرطبي في تفسيره "2/235" {وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبدالله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبدالله بن خباب كما تذبح الشاة وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبدالله بن خباب، فقالوا : كلنا قتله ثلاث مرات , فقال علي: لأصحابه دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه}. والحال نفسه ينطبق على بني قريظة الذين تمألوا جميعاً على حرب الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
قال الباجي في المنتقي شرح موطأ مالك {فَأَمَّا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ يَجْتَمِعُونَ فِي قَتْلِهِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ, وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ, وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ, وَغَيْرُهُمْ, وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ, وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ خَبَرُ عُمَرَ هَذَا, وَصَارَتْ قَضِيَّتُهُ بِذَلِكَ, وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ , وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَدٌّ وَجَبَ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فَوَجَبَ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ. (مَسْأَلَةٌ): قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ يُقْتَلُ الرَّجُلَانِ وَأَكْثَرُ بِالرَّجُلِ الْحُرِّ, وَالنِّسَاءُ بِالْمَرْأَةِ وَالْإِمَاءُ وَالْعبِيدُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَإِنْ اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى قَتْلِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ قُتِلُوا بِهِ}.
 
والمتأمل لما قاله الفاروق عمر رضي الله عنه حول قتل الرجل بمدينة كاملة إذا تمالأ أهلها على قتله – وهو رأي أكثر العلماء - هو في حقيقته عقاب جماعي لكنه محمود لان منشأءه وسبب اصداره كان لاجل اقرار العدل واحقاق الحق وردع الظلم ومعاقبة الجاني بما اقترفت يداه, وهذه الاسس هي نفسها التي انطلق منها حكم سعد رضي الله عنه المؤيد من الواحد الاحد في حق بني قريظة, فلا مجال هنا لعقد مقارنة بين ما حدث بني قريظة من حكم عادل وجزاء مستحق, وبين ما نراه اليوم من مجازر همجية وابادة منظمة لقرى كاملة بسبب الاطماع الدنيوية والاحقاد البشرية  والنزاعات العرقية... فأين هذا من ذاك؟؟شتان بين النور والظلماء.
 
لقد قص الله علينا في القران الكريم سير الانبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم وما حل بهم من عذاب لتكذبيهم وكفرهم وعنادهم..وعلى سبيل المثال ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة هود ما حدث لقوم لوط عليه السلام {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} والنص القرآني شديد الوضوح في أن العقاب الالهي حل بقوم نبي الله لوط صغاراً وكباراً , رجالاً ونساءً.. والمجريسي قد قال من قبل إن {أي قتل جماعي تم عبر التاريخ إن ثبت يجب استنكاره بقوة، مهما كان الشخص الذي ارتكبه، لا تسويغه} وقال أيضاً {أن أي شيء يعارض مبدأ من مبادئ القرآن يجب عدم تصديقه} لكن الامر مختلف هذه المرة فلا محمد بن اسحاق له علاقة برواية هذه القصص, ولا النص من خارج القرآن, وقد تكرر ذكر العذاب الجماعي للذين كفروا وأقوامهم كثيراً حتى غدا سمة بارزة في كثير من القصص القراني... فهل يقدر المجريسي على معارضة عقوبة قوم لوط الجماعية ويستنكرها  لمعارضتها لمبادئ حقوق الانسان العالمية؟؟ وهذا هو السؤال الخامس.
 
يتفق كل العقلاء على أن ما فعله بنو قريظة يعد جريمة كبيرة وخيانة عظمى بكل المقاييس.. فهم قد خانوا العهد وأبرموا الاتفاقات السرية مع أعداء الدولة الاسلامية في المدينة كما مر وصفه, فاستحقوا عقاباً يرتقي الى حجم جريمتهم.
 
إن الذي أصدر الحكم عليهم هو الله سبحانه وتعالى لقوله صلى الله عليه وسلم {قضيت بحكم الله} {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} الرعد.وبالتالي لا معني لكلام المجريسي السئ جدا وغير المتأدب مع نبينا محمد صلى الله وعليه وسلم {أي رسول هذا الذي يترك أرواح مئات البشر، وهو على صلة بحي عادل لا يموت، لحكم رجل خطّاء أصيب بإصابة قاتلة عانى على إثرها من سكرات الموت؟} ولا لكلامه الاخر الذي لايقل سؤءاً وقبحاً بل يفوقه { إذا كانت العدالة البشرية قد تصل بعقلها أو حكمتها أو تجاربها إلى العدل الإلهي نفسه، فما الداعي لأن يُحكّم البشر السماء في شؤونهم؟ وإذا سلمنا بأن الرسول يحتكم لغير الله في مثل هذا الشأن الخطير، وهو على صلة بالسماء، نزولاً عند رغبة أتباعه، فما الداعي لأن يحتكم المسلمون، بعد انقطاع الوحي، لرب لم يحتكم إليه الرسول نفسه أثناء نزول الوحي؟}. ولولا أني أعلم أن الرجل مسلمٌ ومن أهل القبلة لقلتُ أن من يقول هذا الكلام لا يمت للاسلام ولا بتعظيم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأدنى صلة.
 
إن الحكم كان عادلاً..فلم يقتل الا من كان ذكراً بالغاً واسثتني من ذلك النساء والاطفال(7).
 
إن مقارنة ما حدث لبني قريظة بالجرائم التي يرتكبها الطغاة والمفسدون في كل مكان بحق شعوبهم لهو ظلم ما بعده ظلم, وتجني وتعدي ما له من مثيل..ولو حاول المرء أن يجد- مثلا – رابطاً واحداً بين ما حدث في مجزرة "أبو سليم" وبني قريظة لاعجزه الامر ولما قدر عليه أبداً.. فالحادثة الاولى -أبوسليم- يتجلى فيها الظلم والطغيان والتجبر والاجرام في أقبح صوره وأشده قتامة وسواداً في حق فتية آمنوا بربهم ثم استقاموا, فسقط المئات منهم برصاص الغدر شهداء الى ربهم - فيما نحسب والله حسيبهم – يشكون الى الله ظلم الطغاة وجورهم.
 
وأما بنو قريظة فقد بان للقاصي قبل الداني سؤء فعلهم وقبيح صنعهم وعظيم جرمهم, وأن جزاء ما اقترفته أيديهم كان عادلاً لانه صادر من لدن حكيم خبير.
 
10 هل وردت قصة بني قريظة في القرآن؟ وهل أشارت الآيات الى ما حدث لهم تفصيلاً؟:
 
قال المجريسي {لقد أورد الله قصة بني قريظة في سورة الأحزاب في قوله: "وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً". لم يتكلم الله عن قتل الأبناء، ولا عن استحياء النساء، ولا عن استرقاقهم، وإنما عن غنائم مادية لا بشرية: أراض، وديار، وأموال. واغتنام أملاك المحاربين أو مصادرتها تعد من أعراف الحروب في كل العصور إلى يومنا هذا.}.والجواب من وجهين:
 
الوجه الاول:
 
المجريسي ينقل آية سورة الاحزاب التي تحدثت عن غزوة بني قريظة, لكنه لم يعقل ما نقل ولم يدر معناها لانه اعتمد على عقله ولم يراجع أقوال المفسرين فيها.. وهو أشبه بمن يجمع الحطب ليلاً ولم يدر أن أفعى قد تسللت بداخله, فاذا رجع الى بيته وفتح حزمة الحطب هاجمته الافعى وعضته فكانت بذلك نهايته... فهل حقاً أن الله لم يتكلم عن قتل الرجال، ولا عن استحياء النساء والأبناء ولا عن استرقاقهم كما زعم المجريسي.دعونا نرى:
 
وجوابنا قلب الدليل عليهم
حرفاً بحرف صولة الفرسان
 
قال ابن جرير الطبري عند قوله تعالى "فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً" {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ يقول: تقتلون منهم جماعة، وهم الذين قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم حين ظهر عليهم  يقول: وتأسرون منهم جماعة، وهم نساؤهم وذراريهم الذين سبوا.
 
كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة فَرِيقاً تَقْتُلُونَ الذين ضربت أعناقهم وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً الذين سبوا.
 
حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال : ثني يزيد بن رومان فَرِيقاً تَقْتُلُونَ أي قتل الرجال وسبي الذراري والنساء... وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا  يقول: وملككم بعد مهلكهم أرضهم، يعني مزارعهم ومغارسهم وديارهم ، يقول : ومساكنهم وأموالهم ، يعني سائر الأموال غير الأرض والدور}.
 
وقال القرطبي {[فَرِيقاً تَقْتُلُونَ] وهم الرجال وتأسرون فريقاً وهم النساء والذرية}.
 
وقال ابن كثير {فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء}. 
 
وقال البغوي{هم الرجال، يقال: كانوا ستمائة  وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً  وهم النساء والذراري، يقال: كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال: كانوا تسعمائة}.
 
وقال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير {والفريق الذين قتلوا هم الرجال وكانوا زهاء سبعمائة والفريق الذين أسروا هم النساء والصبيان}.  
 
فها أنت – أخي القارئ- ترى إجماع طائفة من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين على أن المقصود بالفريق المقتول هم الرجال وأن الفريق المأسور هم النساء والولدان... ثم أعد قراءة ما كتب المجريسي مرة آخرى {لم يتكلم الله عن قتل الأبناء، ولا عن استحياء النساء، ولا عن استرقاقهم} فهل تراه يستقيم؟؟
 
الوجه الثاني:
 
لو سلمنا جدلاً بأن القران الكريم لم يذكر شيئاً عن قتل الرجال وسبي النساء والاطفال..فيقال أن السنة قد بينت ذلك وبأصح الاسانيد فهل نلقي بذلك عرض الحائط ولا نحتج به؟؟..اللهم لا. وقد بينا في الوقفة الرابعة خطورة تقديم العقل على النقل, وذكرنا الكثير من أقوال ائمة الاسلام كان آخرها قول الشاطبي{لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع ، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله ، بل يكون ملبيا من وراء وراء. ثم نقول: إن هذا هو المذهب للصحابة - رضي الله عنهم - وعليه دأبوا ، وإياه اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا}الاعتصام "2/845". 
 
يتبع الحلقة الرابعة والاخيرة إن شاء الله
 
سليمان عبدالله  
 

(1) http://www.libya-watanona.com/adab/mahmoudi/mm15029a.htm
تراجع الحلقة السابعة الى التاسعة من سلسلة بيان بطلان إدعاء المنهجية العلمية عند (حكيم)  
 
(2) اقرأ: شهادة عالم التاريخ النصراني أسد رستم الذي استخدم منهج علم الحديث في مجال بحثه
http://eltwhed.com/vb/showthread.php?t=11960  
 
(3) يراجع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة اليهود
http://www.islam-qa.com/ar/ref/84308/قريظة
 
(4) كيف سلمت الدولة الإسلامية من تآمر يهود بني قريظة وخيبر عليها؟؟
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/attachment.php?attachmentid=57148&d=1212034707 
 
(5) قال الحافظ بن حجر في كتابه نزهة النظرشرح نخبة الفكر{المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه وهي عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم على الكذاب رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء وكان مستند انتهائم الحسن وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه}. وعرفه ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث بأنه {عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة قال ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروي من الحديث أعياه تطلبه}‏.‏
 
(6) وقال السخاوي في فتح المغيث ما نصه} وذكر شيخنا ]يعني ابن حجر[من الأحاديث التي وصفت بالتواتر حديث الشفاعة والحوض فإن عدد رواتهما من الصحابة زاد على أربعين وممن وصفهما بذلك عياض في الشفاء وحديث "من بني للّه مسجدا"ورؤية اللّه في الآخرة و"لأئمة من قريش" وكذا ذكر عياض في الشفا حديث حنين الجذع وابن حزم حديث النهي عن الصلاة في معاطن الإبل وعن اتخاذ القبور مساجد والقول عند الرفع من الركوع والابري في مناقب الشافعي حديث المهدي وابن عبد البر حديث اهتزاز العرش لموت سعد.{......والذي عليه أهل العلم أن الحديث المتواتر يفيد العلم القطعي , وأن من  أنكره وهو يعلم بتواتره دون تأويل سائغ فإنه يحكم بكفره.. والامانة العلمية تقتضينا أن نقول أن هناك بعض الائمة ردوا بعض الاحاديث المتواترة متأولين كما نسب للامام مالك رحمه الله إنكاره المسح على الخفين - وهو متواتر - مع أن مذهبه – كما يقول ابن رشد - هو جواز المسح في السفر والحضر...لكن حتى وإن ثبت إنكاره للمسح على الخفين فهو متأول معذور فلعله لم يتواتر الحديث عنده أو لم تصح طرقه أو غير ذلك من الاسباب التي ذكرها شيخ الاسلام في رسالته "رفع الملام عن الائمة الاعلام". 
 
(7) الرجاء مراجعة الرابط التالي لمعرفة لماذا تسبى الذرية والنسوان؟
http://www.aljame3.net/ib/index.php?showtopic=6006
 

إقرأ للكاتب أيضا:
 
ندما يتعالم المجريسي!! (1)
عندما يتعالم المجريسي!! (2)

عندما يتعالم المجريسي!! (3)

عندما يعظم المصاب (شهداء آل التايب مثالا)
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق