08/01/2010

 
سيرة عمر المختار أُسْطورة الزمان (9)
 
بقلم: فرج بوالعَـشّة
راجع الحلقات بأرشيف الكاتب

بعد انشقاق الحسن الرضا، ومعه حوالي ثلاثمئة من أتباعه المسلحين، من قبلتي البراعصة والدرسة، عن الحركة الوطنية، ودخولهم في طاعة الطليان، تخلي سي عمر عن صفة نائب الوكيل العام وأصبح يوقع باسم قائد القوات الوطنية، وهي التسمية الموضوعية لدوره التاريخي المركزي في قيادة حركة الجهاد الوطني، دون أن يخل ذلك بإنتمائه للطريقة السنوسية وإعترافه بزعيمها ادريس السنوسي، المقيم في المهجر المصري.
 
لم يكن سِيدي عمر ساذجا في تفاوضه مع الطليان. كان يأخذهم بالحيطة والحذر، متمسكاً بشروطه للصلح والهدنة. وقد بعث برسالة احتجاج إلى الجنرال سيشلياني، نائب الحاكم العام، يوم 25 سبتمبر 1929، على ما تقوم به السلطة الاستعمارية من مناورات ومؤامرات لشق الصف الوطني: "لقد ذكرتم في أثناء في أثناء هذه المباحثات أن غرضكم الوحيد منها لم يكن سوى العمل على تهدئة الوطن، ثم وعدتم بوقف الأعمال العدائية، وقد صدقنا نحن ذلك، ولكنه سرعان ما تبين أن عمال الحكومة ورؤساء المفاوضات ـ وكان المختار يقصد الشارف الغريلني وزملاءه الضالعين مع إيطاليا ـ يريدون الآن أن يوجدوا سوء التفاهم بيننا وبين السيد الحسن بمعاونة أحد مستشاريكم الذي يقوم بتوزيع الأغذية والأموال بين المجاهدين.."[1] فرد عليه الجنرال سيشلياني برسالة متغطرسة، يعلن فيها رفض الحكومة الاستعمارية الالتزام بتعهداتها السابقة، ويبلغه استعداده لمقابلته والتباحث معه حول إبرام اتفاق جديد.[2] ومن الواضح أن سِيدي عمر أراد من مراسلته كبار مسؤولي الحكومة الإيطالية، في سياق خطواته التي ستتبع، أن يوثق مواقف الحركة الوطنية الواضحة مقابل مواقف الحكومة الإيطالية المخاتلة بشأن عملية الصلح. فبعد رسالته إلى الجنرال سيشلياني، بعث برسالة ثانية، في 9 أكتوبر 1929، إلى حاكم المستعمرة العام المارشال بادوليو، ينذره فيها أنه إذا لم توقف الحكومة الإيطالية أعمالها المخالفة لتعهداتها فإنه سوف لن يكون مسؤولا عن كل ما يحدث بعد يوم 24 من الشهر نفسه[3] وإذ لم يتلق سِيدي عمر أي رد من الحكومة الإيطالية خلال نحو عشرة أيام، وفيما الهدنة بتعبيره "توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة"، قرر الإعلان عن موقف الحركة الوطنية في بيان موجَّه للرأي العام العربي والإسلامي، نشرته صحيفتا الأخبار والمقطم المصريتين بتاريخ 20 أكتوبر 1929. جاء فيه:

 

 
"في أوائل عام 1348 أي حوالي منتصف عام 1929 دعتني الحكومة الإيطالية عن طريق ممثلها الحاكم العام الماريشال بادوليو إلي إيقاف الحرب ولتقديم طلباتنا ولتحديد مكان للقاء صاحب السعادة, ولقد حدث ذالك وإلتقينا في سيدي رحومة ووافقنا علي عمل هدنة حربية مدتها شهران حتى يتسنى لكل منا أن يكون علي إتصال برؤسائه, وأثناء اللقاء طلب إلي الماريشال بادوليو أن أقدم له طلباتنا وقال لي إنه كان مستعدا لإعادة زعيمنا السيد محمد إدريس السنوسي إلي برقة إذا ماكنا رغبنا في ذالك.
 
وكان من بين شروط الهدنة التي قدمناها الشروط التالية:
  • العفو العام عن جميع المدانين بجرائم سياسية سواء كانوا موجودين داخل البلاد أم خارجها وإطلاق سراح المسجونين لأسباب سياسية.
  • سحب جميع الحاميات التي أقيمت أثناء حرب عام 1341 (1922-1923) بما فيها تلك الحاميات الموجودة في جغبوب وجالو.
  • إعطائي الحق جباية العشور الشرعية من العرب المقيمين حول الحاميات الإيطالية علي الشواطئ.
  • مدة الهدنة شهران قابلان للتجديد.
ولقد قبل صاحب السعادة الماريشال بادوليو هذه الشروط ووعد بتطبيقها، وقبل انتهاء مدة الشهرين أخبرت صاحب السعادة الحاكم العام عن طريق نائبه الكاڤاليري «سيتشيلياني» بأن جميع الوجهاء الوطنيين كانوا متفقين علي اختيار زعيمنا السيد محمد إدريس السنوسي لكي يقوم بتعيين بعض الأشخاص اللائقين من بين مواليد برقة وطرابلس الغرب للتفاوض مع الحكومة الإيطالية بشأن مطالب برقة وطرابلس الغرب وطلبنا – بجانب ذالك – إلي الحكومة أن تتصل علي الفور بالأمير السيد محمد إدريس السنوسي لإتخاذ الوسائل الكفيلة بوضع حد للحالة الراهنة بأفضل السبل ولقد وعدني صاحب السعادة وعوداً طيبة, وقبل نهاية الشهرين طلبوا إلي تجديد الهدنة وأوردوا سببا لذلك هو إن الحاكم العام كان قد سافر إلي روما لعرض المشكلة علي الحكومة وأنه لم يكن عاد بعد، وبهذه الكيفية جرى مد أجل الهدنة فترة عشرة أو عشرين يوماً حتى الثالث من جمادى الأول عام 1348 وعندئذ أدركت أن هدف الحكومة كان مجرد كسب للوقت ولذلك أبلغت الحكومة عن طريق نائب الحاكم بأن الهدنة كان يمكن أن تنتهي في اليوم العشرين من جمادى الأولى عام 1348 الموافق الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1929 وبأنها ما كان لها أن تتجدد, فالهدنة الآن توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة ولم أتلق أي رد من الحكومة الإيطالية بشأن نيتها الاتصال بأميرنا السيد محمد إدريس السنوسي, ولذا أرى استئناف الحرب وعدم اعتبار لأية محادثات ولأي وسيط حتى وإن كان هذا من العائلة السنوسية اللهم إِلاَّ إذا تم إصطفاؤه نتيجة لثقة الأمة، علي أنني لا أفهم لماذا تتقاعس الحكومة الإيطالية عن الإتصال بالزعيم المذكور برغم علمها جيد العلم أن الحل والربط في يده وأنها إذا عمدت حقاَ إلي إدراك السلام فإنها لن تتردد لحظة واحدة في الإتصال به، ليكن في علم كل محارب إذن أن هدف الحكومة الإيطالية الوحيد هو إشعال الخلافات والدسائس فيما بيننا لتدمير كتلتنا وتفتيت وحدتنا ولإمكان قهرنا بسهوله وانتزاع كل حق من حقوقنا الشرعية علي غرار ما حدث مرات كثيرة، لكن حمداً لله لأنها لم تنجح في أي شيء من هذا، ليشهد العالم كله أن نوايانا تجاه الحكومة الإيطالية نبيلة وأنه ليس لدينا هدف آخر سوى المطالبة بحريتنا وأن أهداف إيطاليا تتجه إلي قمع كل حركة وطنية ترمي إلي يقظة شعب طرابلس وتقدمه، ومع ذلك نحن لا نستطيع أن نقول إن كل الشعب الإيطالي يوافق على فكرة الحرب لاسيما في وقت الذي تتبسط فيه الدول الأخرى مع الشعوب الشرقية وعلي العكس فهناك من يجنحون إلي السلم وهؤلاء يضعون مصلحة بلادهم في الاعتبار الواجب أن يكون ويعلمون ماهية الخراب والدمار والخسائر التي تجلبها الحرب كما أنه يوجد أيضاً بعض أفراد قلائل يريدون تدمير شعب طرابلس بأية وسيلة، لا يسمح الله أن يدرك هؤلاء الأخيرين مأربهم ويحققوا هدفهم، ولا توجد أمة لا تعرف أنه في سبيل تحقيق الحرية ينبغي بذل كل الجهود سواء أكانت بسيطة أم مضنية، نحن الآن ندافع عن وجودنا ونبذل دماءنا من أجل إفتداء الوطن وإدراك الأهداف التي نقصدها، ولذلك لسنا مسئولين عن استمرار هذه الأحوال إلي أن يتوب أولئك الأفراد الذين يعمدون إلي إستعمال العنف ضدنا ويهتدوا سواء السبيل ويستعملوا معنا الإخلاص والولاء بدلا من الإحتيال والتملق والرياء.
 
16 جمادى الأولى 1348 (20 أكتوبر 1929).
قائد القوات الوطنية عمر المختار.."
 

 

وقد رأى الجنرال غراتسياني في البيان إعلان حرب لا هوادة فيها. وهو كان كذلك، كما قصد به سِيدي عمر، بمعنى: "استئناف الحرب وعدم اعتبار لأية محادثات ولأي وسيط حتى وإن كان هذا من العائلة السنوسية اللهم إِلاَّ إذا تم إصطفاؤه نتيجة لثقة الأمة.." وأحدث نشره، حسب الباحث وهبي البوري المطلع على وثائق وزارة الخارجية الإيطالية المحفوظة: "هزة في روما وغضبا بسبب الأوضاع المتردية في ليبيا والتي يبدو أن بادوليو عاجز عن حلها.... وكان بادوليو يحاول إقناع المسؤولين في روما بأن الأمور سائرة على مايرام وأرسل يوم 16/11/1929م برقية إلى وزير المستعمرات جاء فيها: لا أدري ما هي الأكاذيب الأخرى التي يخترعها عمر المختار لاتهام الحكومة بأنها لم تف بكلمتها وأنكم تعلمون أن خيال المشايخ العرب واسع عندما يتعلق الأمر بإخفاء الحقائق ولا يجب العدو ورائهم وإنما ضربهم بقوة.. فإذا ظلت حركة عمر المختار معزولة فيكون من السهل القضاء عليها ، إن ثلثي الثوار سيكونون جانبنا، إن الوضع لا يثير أي قلق وسنتغلب عليه في وقت قصير.[4]
 
.... يتبع
 
فرج بوالعَشّة
faragasha@yahoo. com

http://alasha56.maktoobblog.com/

 
* سبق نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 7 يناير 2010
 

هوامش:
  1. السنوسية دين ودولة، تأليف محمد فؤاد شكري، مراجعة يوسف المجريسي، مركز الدراسات الليبية ـ أكسفورد 2005، ص 447.
  2. برقة الهادئة، مذكرات الجنرال رود لفو غراسياني، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، دار مكتبة الأندلس، بنغازي ـ ليبيا 1974، ص 60.
  3. المصدر نفسه، ص 62.
  4. عـمر المختار وبادوليو أو مفاوضات سيدي ارحومه، الكاتب: د. وهـبي البوري، مجلة "تراث الشعـب" ـ السنة 25 ـ العـددان 1-2، 2005، ليبيا.
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق