22/01/2010

 
سيرة عمر المختار أُسْطورة الزمان (10)
 
بقلم: فرج بوالعَـشّة
راجع الحلقات بأرشيف الكاتب

تلقفت السلطة الاستعمارية الحسن الرضا ورجاله الثلاثمائة <بعد انشقاقهم عن حركة الجهاد> وشكلت منهم مليشيا عسكرية، وظيفتها القيام بدوريات الحراسة واستطلاع تحركات المجاهدين. وقد صرفت لهم مرتبات وجهّزتهم بالأسلحة وموّنتهم بالدقيق، حتى صار معسكرهم يُعرف بـ"دور الدقيق" نسبة إلى دقيق القمح الذي كان الطليان يقدمونه لهم بكميات كبيرة، في الوقت الذي يعيش فيه المجاهدون والأهالي على شفير المجاعة. لكن ذلك "الدور" العميل لم يستمر سوى أشهر. إذ انشق حوالي مائتين مسلح عنه، بعدما حرّضهم المجاهدون على ترك "دور الدقيق" والانضمام إلى حركة الجهاد. وكشفوا لهم حقيقة الحسن: "وتصرفاته المزرية وسمسرته برؤسائهم وإبعاده لهم عن إخوانهم المجاهدين. وبدأت سلطة الحسن في التضاؤل من جراء تأثيرات عمر المختار على النفوس ودعوته للحسن لكي يقلع عن تبعيته للحكومة الإيطالية ويرجع إلى الجهاد..."[1]
 
وبسبب الانشقاق الكبير الذي أحدثه المجاهدون في صفوف العملاء، قررت السلطات الإيطالية حل "الدور". أما القلة الذين تبقوا مع الحسن الرضا ورفضوا تسليم أسلحتهم، فقد قامت قوات الاحتلال بمهاجمتهم ونزع أسلحتهم بالقوة،بعدما قتلت العشرات منهم وسجنت من تمكنت من القبض عليه. وعندما ذهب الحسن الرضا يشكو وضعه إلى الضابط المسؤول عنه، أنزله من السيارة المهدأة له، وأركبه بغلا إلى السجن. ثم نُفي إلى جزيرة اوستيكا الإيطالية. ونُقل بعدها إلى مدينة فلورنسه، التي بقى فيها حتى مات العام 1936. ولما لم يتلق سِيدي عمر ردا من الحاكم العام على رسالته التي أنذره فيها أنه بعد 24 أكتوبر 1929 إذا لم توقف السلطة الاستعمارية مخالفاتها لاتفاق الهدنة لن يكون مسؤولا عن كل ما يحدث بعد هذه التاريخ. وعليه أمر، في نوفمبر 1929، باسئناف عمليات الجهاد ضد جيوش الاحتلال والمستوطنين في كل مكان من برقة، وبكل شدة ممكنة وبوتيرة متواصلة. وقد شارك سِيدي عمر في الكثير من تلك المعارك. وكان يقول لرجاله، حسبما سمع غراتسياني بذلك: "إذا سمعتم زئير أسد من بنغازي <يقصد المستعمر الإيطالي> إلى قلب الجبل فلا تخافوا، سوف تحقق لكم الأيام مرة أخرى أنه تحت جلد الأسد حمار." وكاد سِيدي عمر يقع أسيراً في أحد المعارك، وهي معركة "وادي السانية"، لما أُصيب جواده فسقط عنه، لتسقط منه نظارته الطبية دون أن ينتبه لها. فأُعطى حصان من أحد المجاهدين، الذي ركب مع رفيق آخر. وعندما أحضروا النظارات إلى غراتسياني، أخرجها من محفظتها الفضية وتأمل إطارها الذهبي، قائلاً: "الآن تحصلنا على النظارات، وسيأتي اليوم الذي نتحصل فيه عليه."[2]
 
وأمام ضربات المجاهدين المتصاعدة، كلف الحاكم العام، في صف 1930، نائبه في ولاية برقة، الجنرال غراتسياني، بتجهيز حملة عسكرية ضخمة لاحتلال واحات الكفرة، التي أصبحت قاعدة استراتيجية لانطلاق الهجمات الجهادية على مواقع قوات الاحتلال وتحركاتها في المناطق الجنوبية. كما كانت قاعدة الامتدادات الرئيسة من جهة مصر عبر واحة الفرافرة المصرية الحدودية،بعد احتلال الجغبوب. كانت واحة الكفرة بتعبير غراتسياني: "الأسطورة التي لا تقهر،ولا يمكن لأحد أن يجتاز ذلك المخبأ هو الكفرة."[3] ولاحتلالها قاد الجنرال الفاشيستي حملة عسكرية واسعة النطاق،عدة وعتادا. إذ تكونت القوات الغازية من فرقتين تضم آلاف الجنود والضباط وضباط الصف، مجهزين بأحدث أسلحة العصر: ثلاثمائة وثمانية وعشرون آلية ناقلة للجنود، وعشرات المدرعات والعربات المصفحة، وعشرون طائرة حربية للاستطلاع وإلقاء القنابل، علاوة على نحو ستة آلاف جمل لنقل المؤن إلى جانب سيارات الشحن الكبيرة، وقافلة خاصة بنقل نحو نصف مليون ليتر ماء.
 
انطلقت الحملة من ثلاثة محاور. من طرابلس في الغرب وبنغازي في الشرق وإجدابيا في الوسط، في اتجاه الكفرة، الواقعة على بعد أكثر من ألفين كيلومتر. ومقابل تلك القوة العسكرية الهائلة كانت قوة المجاهدين تضم بضع مئات <حوالي ستمائة مقاتل> مسلحين ببنادق قديمة وبضعة مدافع رشاش ومدافع ميدان من عيار صغير. لكن قوة المقاومة الصغيرة تلك مثلت لغراتسياني قوة مخيفة، لأن رجالها لا يهابون الموت، إلى حد أنهم يُعقِّلون أرجلهم كجمال الباركة كي لا يفكر أحدهم في الفرّ من ميدان المعركة، مكبّرين لله ومنشدين: "مرحب بالجنة جت تدنا". ويعترف غراتسياني، رغم غروره وغطرسته، بأن المجاهدين "قابلوا قواتنا الكبيرة بكل عددها وعتادها من دبابات وطائرات، في معركة غير متكافئة، ورغم هذا كله كانوا أشداء أقوياء، صامدين صابرين، لا يتقهقرون أبداً حتى لو أدى ذلك إلى فنائهم جمعيا، مؤمنين بأنهم أصحاب حق."[4]
 
وبهذه الروح الجهادية الأسطورية واجهوا القوات الغازية وكبّدوها خسائر فادحة، باعترف غراتسياني، الذي وصف، في مذكراته، كيف أن: "شجاعة الثوار واستماتتهم في الدفاع، ضغطت على الجناح الأيمن وأرغمته على التقهقر. وبعد أن كانت قواتنا مهاجمة أصبحت منهزمة. وبينما نحن في هذه الحالة وصلت القوات الطرابلسية التي أخذت علما بالهزيمة من طريق الطيران..."[5]
 
وربما كان يمكن للمجاهدين تضخيم خسائر الطليان بشكل كبير، يؤدي إلى إفشال الحملة وردها على أعقابها، إلا أنه لم يكن بمقدورهم فعل شيء يُذكر ضد هجمات الطائرات المتواصلة، بقنابلها التي تدمر المباني البسيطة المبنية من الطين، ومدافعها الرشاشة التي تحصد أرواح الناس برصاصها المصبوب من علوٍ. لقد كانت خطة غراتسياني تقضي بقصف واحات الكفرة بالطائرات، وضرب مواقع المجاهدين خارج الواحة، وقتل أكبر عدد ممكن من الأهالي داخلها، لإحداث حالة من الصدمة والترويع، تجبر سكان الواحة والمدافعين عنها على الخروج إلى عراء الصحراء، فيسهل الإجهاز عليهم. وقد اعترف غراتسياني بقصف سكان "الكفرة" من الجو، وملاحقة المنسحبين من الواحة: "وإلقاء القنابل عليهم ومطاردتهم إلى أن يفنوا جميعاً."[6]
 
وبعدما دخل واحة الكفرة الكبرى كأنه "فاتح" روماني أباحها لأجناده على طريقة الغزاة الهمجيين، لمدة ثلاثة أيام. فعاثوا فيها نهباً وخراباً وقتلاً واغتصابا. نهبوا مواد الغذاء والحيوانات وحلي النساء. واتخذوا من الجامع حانة لمعاقرة الخمر. واستخدموا مصاحف القران وغيرها من المخطوطات وقودا لنار الطهو. وعندما جاء وفد من المشايخ القبليين وشيوخ الدين إلى قائد القوة التي سيطرت على الواحة، طالبين منه في رجاء إيقاف جنده عن استباحة دماء الأهالي وأعراضهم وممتلكاتهم، أمر بإعدامهم رمياً بالرصاص. كما أمر الجنرال غراتسياني بإعدام الأسرى من المجاهدين.وكذلك من المدنيين: "200 تقريبا بين نساء وأطفال... وحيوانات"[7]
 
كان الجنرال الفاشيستي أدولفو غراسياني مهووسا بأمجاده العسكرية كي يحفظها له التاريخ.إذ عنت له عملية احتلال الكفرة سبق تاريخي، باعتبارها حسب تقديره: "أكبر عملية حربية صحرواية،لم يسبق لها مثيل،ولم تطبق من قبل...(و) إن العمليات الحربية التي أجريت من أجل احتلال الجغبوب والحمادة الحمراء والكفرة نفسها تعطي لنا المكان الأول دون جدال في الحروب الصحراوية..."[8]
 
كان احتلال واحة الكفرة ضربة قاسية جداً لحركة الجهاد. وباحتلالها خسر المجاهدون في الجبل الأخضر أهم قواعدهم الخلفية الحصينة ومركز امتدادتهم في عمق الصحراء، في الوقت الذي باشرت فيه السلطة الاستعمارية مدّ حاجزاً من الأسلاك الشائكة الضخمة بطول الحدود مع مصر لمسافة ثلاثمائة كيلو متر.
 
.... يتبع
 
فرج بوالعَشّة
faragasha@yahoo. com

http://alasha56.maktoobblog.com/

 

  1. برقة الهادئة، مذكرات الجنرال رود لفو غراسياني، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، دار مكتبة الأندلس، بنغازي ـ ليبيا 1974، ص 57
  2. المصدر نفسه، ص 158
  3. المصدر نفسه، ص 215
  4. المصدر نفسه، ص 211
  5. المصدر نفسه ص 210
  6. المصدر نفسه، ص 213
  7. المصدر نفسه، ص 214
  8. المصدر نفسه، ص 216 سبق نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 21 يناير 2005
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق