31/01/2010

 
سيرة عمر المختار أُسْطورة الزمان (11)
 
بقلم: فرج بوالعَـشّة
راجع الحلقات بأرشيف الكاتب

من أهم الشهادات التاريخية الموثقة عن شخصية سِيدي عمر ومواقفه، ما رواه محمد أسد، في كتابه "الطريق إلى مكة" <وفي ترجمة أخرى "الطريق إلى الإسلام">، في فصل خاص بعنوان "جهاد"، تناول فيه تفاصيل رحلته من الحجاز إلى ليبيا، لملاقاة سِيدي عمر في الجبل الأخضر، حاملا رسالة من السيد أحمد الشريف، يقترح فيها خطة لدعم المقاومة الجهادية وتقويتها.
 
محمد أسد، كما هو معروف، كاتب صحفي ورحالة ومفكر إسلامي - نمساوي الأصل - وُلد لوالدين يهوديين العام 1900. كان اسمه ليوبولد فايس. درس الفن والفلسفة، وعمل في الصحافة بعد تخرجه الجامعي. في العام 1922 اشتغل مراسلا صحفيا لأحد أشهر الصحف الآلمانية في فلسطين. وهناك تعرف على الحركة الصهيونية الناشئة. لكنه رفضها وأنتقدها في تقاريره الصحفية. تنقل بين عمان ودمشق وبيروت لغرض إعداد كتابه الأول عن العرب والمسلمين بعنوان: "مشرق مجرد من الرومنطقية"، المنشور عام 1924. ربطته علاقة صداقة بعبد الله بن الشريف الحسين، قبل أن يصير ملكا على شرق الأردن. في العام 1926 اعتنق الإسلام وسمى نفسه محمد أسد. وأشهرت زوجته (إليسا) إسلامها بعده باسبوعين. وفي العام التالي قصدا الأراضي المقدسة للحج ومعهما ابنهما الذي صار يُسمى أحمد. توفيت زوجته بعد أداء مناسك الحج ودُفنت هناك. تعرف على الأمير فيصل بن عبد العزيز ثم على الملك عبد العزيز ابن سعود، الذي عينه مستشاراً لديه. فتفرغ لمشروعه الفكري الضخم في الكتابة عن الإسلام وأحوال المسلمين. وفي مكة ربطته علاقة شخصية وروحية بالإمام السنوسي السيد أحمد الشريف، الذي قال عنه: "ليس في الجزيرة العربية كلها شخص أحببته كما أحببت السيد أحمد. ذلك أنه ما من رجل ضحى بنفسه تضحية كاملة مجردة عن كل غاية في سبيل مثل أعلى، كما فعل هو. لقد وقف حياته كلها، عالما ومحاربا، على بعث المجتمع الإسلامي بعثا روحيا، وعلى نضاله في سبيل الاستقلال السياسي، ذلك أنه كان يعرف جيدا أن الواحد لا يمكن أن يتحقق من دون الآخر."[1]
 
ويروي أنه في خريف العام 1930 كان يتردد على مجلس الإمام السنوسي السيد أحمد الشريف ومعه الشيخ محمد الزوي، يناقشون لساعات أوضاع الجهاد الصعبة في برقة. فأتضح لديهم، من المناقشات، أن المجاهدين لن يستطيعوا الصمود والاستمرار في مقاومة القوة الفاشستية الباطشة ما لم يُنجدوا بصورة فعّالة وسريعة.
 
كان محمد أسد مطلعا جيدا على وضع حركة الجهاد، ولديه تقدير دقيق للموقف في برقة. حيث سيطر الطليان على المدن الساحلية، في أواخر العام 1930. وقد تناقص مجموع المجاهدين الذين يقودهم سِيدي عمر إلى ما دون الألف، يتحركون في رقعة جغرافية صغيرة تضيق حولهم داخل الجبل الأخضر، المطوق بأعداد هائلة من الجنود المشاة وقوة نارية مدفعية ضخمة وعربات رشاشة مدرعة وطائرات استطلاع وقصف. علاوة على بدء العمل في إقامة إسلاك شائكة على طول الحدود مع مصر، والمباشرة في عمليات حشر الأهالي في معسكرات الاعتقال الجماعي، وذلك كي بستحيل على المجاهدين المطوقين في الجبل الأخضر الحصول على الدعم والمساعدات، سواء من جهة الأهالي في الداخل أو من جهة المهاجرين في مصر. وكانت الاستعدادت العسكرية الإيطالية جارية لاحتلال الكفرة في أواخر العام 1930، بينما كان محمد أسد يناقش مع السيد أحمد الشريف والشيخ محمد الزوي، على مدى أسبوع، السبل العملية لدعم المجاهدين. وقد رأى الشيخ الزوي بخبرته الواسعة في الحرب الجهادية مع السيد الشريف، أن دعم المجاهدين من الخارج فعاليته مؤقتة. وقدم تصوراً استراتيجيا ثاقبا لتفعيل حركة الجهاد بشكل فعاّل ومستمر. أساسه أن تكون واحة الكفرة قاعدة المقاومة، لكونها: "ما تزال أبعد من متناول الجيوش الإيطالية. وفوق ذلك فقد كانت تقع على طريق القوافل (ولو كان طويلاً وشاقاً) إلى واحتي بحرية والفرافرة المصريتين، ولذا كان يمكن تموينها بصورة فعالة أكثر من أي نقطة أخرى في البلاد. كذلك كان بالإمكان أن تُجعل مركز لاستجماع آلاف كثيرة من اللاجئين من برقة الذين كانوا يعيشون في المخيمات في مصر، فتشكل بهذا مستودعاً دائما من الرجال لإمداد قوات عمر المختار في الشمال. ولو أن الكفرة حُصنت وزودت بالأسلحة الحديثة، إذن لاستطاعت أن تصد هجمات المدافع الرشاشة من الطائرات على ارتفاع منخفض، في حين أن إلقاء القنابل من علو شاهق لا يشكل خطراً حقيقياً على السكان المتباعدين."[2]
 
لم يكن اهتمام محمد أسد بالحركة السنوسية ناشئا، كما يقول عن إعجابه البالغ بالمقاومة البطولية التي يخوضها المجاهدون بقيادة سِيدي عمر فحسب، وإنما كان مهتما أكثر بما قد "يحدثه انتصار السنوسيين من تأثير على العالم العربي بأكمله، إذ إنني لم أستطع أن أرى في العالم الإسلامي كله إلا حركة واحدة كانت تسعى صادقة إلى تحقيق المجتمع الإسلامي المثالي: الحركة السنوسية، التي كانت تحارب الآن معركتها الأخيرة في سبيل الحياة. وبسبب من أن السيد أحمد كان يعرف مبلغ عطفي شديد على القضية السنوسية، فقد التفت إليّ وسدد نظرة إلى عيني وسألني قائلا: هل تذهب، يا محمد، إلى برقة بالنيابة عنا، فتقف على ما يمكن صنعه للمجاهدين. لعلك تستطيع أن ترى الأمور بأجلى مما يراها بنو قومي."[3] فوافق على الفور. فجاء السيد أحمد الشريف بمصحف ملفوف في قطعة حرير. وضعه على ركبتيه وطلب من محمد أسد أن يقسم وراءه: "أقسم يا محمد بالله الذي يعلم ما في القلوب على أنك سوف تكون أمينا للمجاهدين". يقول أسد: "وأقسمت. ولم أشعر في حياتي يوما أنني كنت أكثر وثوقا بوعدي مما كنتُ في تلك اللحظة."
 
ومن الأراضي المقدسة أرتحل محمد أسد، ومعه مرافق (دليل)، في طريقه إلى عمر المختار، الذي يسميه أسد الجبل الأخضر. وطوال مدة الرحلة الشاقة، التي استغرقت شهرين، استخدم محمد أسد ومرافقه، في سفرهما الطويل، الجمال والخيول والمراكب والقطار ولأقدام أيضا. وتعرضا لأخطار كثيرة يسردها في كتابه الشيق، حتى وصلا إلى الحدود المصرية الليبية، حيث تلقاهما دليلان ليبيان من المجاهدين، أرسلهما سِيدي عمر خصيصا لاستقبالهما وإيصالهما سالمين إلى مقر قيادة المجاهدين في أحراش الجبل الأخضر. وبعد مسيرة ثلاث ليال وصلوا إلى نواحي الجبل العظيم، الممتد لأكثر من مائتي كيلومتر. فبدلوا الجمال بالخيول التي تلائم بيئة الجبل الوعرة. وبعد مسيرة أربع ليال أخرى: "وصلنا إلى وادي الثعبان - وقد سمى بذلك عن حق - حيث كان علينا أن نجتمع بعمر المختار. وبعد أن أختبأنا في وادي صغير تكتنفه الاشجار الكثيفة، وعقلنا خيولنا تحت بعض الصخور، جلسنا ننتظر مجيء أسد الجبل الأخضر.." [4]
 
فرج بوالعَشّة
faragasha@yahoo. com

http://alasha56.maktoobblog.com/

 

* سبق نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 28 يناير 2010


هوامش:
 
[1] الطريق إلى الإسلام، تأليف محمد اسد، ترجمة عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة 1997، ص 253. [2] المصدر نفسه، ص 265. [3] المصدر نفسه، ص 265. [4] المصدر نفسه، ص274.
 
للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق