05/02/2010

 
ملحق لمقال "هجرة اليهود من ليبيا كما وردت في الوثائق"
 
بقلم: محمد بن غلبون

أرشيف الكاتب


بسم الله الرحمن الرحيم
بعد مضي وقت طويل على نشري للمقال الوثائقي "هجرة اليهود من ليبيا كما وردت في الوثائق" في صحيفة "الحياة" سنة 1997 وقعت على كتاب "أنبياء في بابل: يهود في العالم العربي" للكاتبة والصحافية "ماريُن وولفسُن"، تناولت في فصله السابع نبذة مهمة جداً عن أحداث العنف التي تعرض لها اليهود في ليبيا قبيل وعقب اعلان قيام دولة اسرائيل في فلسطين، عنوانها: "متاعب في شمال أفريقيا". ولو أنني اطلعت على ذلك الكتاب قبل نشر المقال المذكور لأضفت تلك النبذة إلى مجموعة الوثائق التي تكوّن منها المقال لما لها من أهمية قُصوى، خاصة وأنها جاءت من كاتبة يهودية مرموقة، أشارت فيها إلى ضلوع عناصر صهيونية من داخل صفوف الجيش البريطاني، في عملية إفساد العلاقات الودية بين سكان ليبيا من العرب واليهود ضمن مخطط مدروس يهدف إلى تهجير يهود ليبيا إلى فلسطين. ولذا فإنني ألحق الآن ما كتبَته السيدة وولفسُن إلى النسخة الالكترونية من المقال التي نشرناها على الانترنت بتاريخ 3 فبراير 2010 لإثراء ملف هذه القضية.
 

“PROPHETS IN PABYLON: Jews in the Arab World”
 
BY: Marion Woolfson
 
Chapter 7 (The Violent Years)
 
TROUBLES IN NORTH AFRICA

 

"متاعب في شمال أفريقيا".
 
(وصفت صحيفة "ذا جويش آوْتْ لُوكّ - The Jewish Outlook" [الصادرة في مايو 1956] ماحدث كالتالى:
 
"ليبيا هي المثل الأسوأ للضرر الذى سببته السلطات العسكرية [البريطانية] ومبشرو الصهيونية، والذين بدَوا وكأنهم وحّدوا جهودهم لتحويل البلاد - حيث يعيش المسلمون واليهود فى وئام منذ أجيال - الى فلسطين اخرى. فبعد التحرير بدا أن الجنود من يهود فلسطين [في الجيش البريطاني] المتواجدون هناك يشغلون كل اوقات فراغهم وراحتهم فى الدعاية للصهيونية، وفى تنظيمات شبيبة الكشافة الصهيونية شبه العسكرية، والذين كانوا يجوبون الشوارع بصورة استفزازية مرددين الأناشيد الصهيونية. وقد أدت وفرة الطعام والملابس التى وفرها هؤلاء الجنود إلى جذب اهتمام السكان اليهود، الذين عانوا كثيرا من جراء شراسة وهمجية دول المحور، أكثر من الدعاية الصهيونية، ولكن الجمع بين الامرين كان طُعماً يصعب مقاومته، وخاصة لجيل صغار السن [1]."
 
ومن الواضح انه عندما كُتب هذا السرد فى عام 1946 كان هناك احتكاك حتى قبل تأسيس دولة أسرائيل ولم يفاجأ سكان ليبيا بحدوث الاضطرابات. ونتج عن هذه الاضطرابات قتل 13 يهوديا و5 من العرب إضافة الى إصابة 22 يهوديا و13 من العرب بجروح بليغة. وقد علَقت احدى الصحف التي غطّت هذه الأحداث عليها بالقول: "معظم هؤلاء اليهود مثل نظائرهم فى شمال افريقيا الفرنسية عاشوا فى هذا المكان قرونا كثيرة فى سلام كامل مع جيرانهم المسلمين الذين يجدون عندهم القبول أكثر من المسيحيين[2]".
 
اشتكى مسؤولون فى الحكومة الإيطالية من أن الاضطرابات بين اليهود والعرب أساءت الى سمعة المستعمرة الايطالية السابقة، ليبيا. وأضاف هؤلاء المسؤولون أنهم يلومون البريطانيين على هذه الاضطرابات، وأوضحوا أن هذه هى المرة الثانية التى تحدث فيها مثل هذه الاضطرابات فى خلال سنتين ونصف من حكم الادارة البريطانية فى حين انه لم تحدث اضطرابات من هذا النوع خلال مدة الحكم الايطالى الذى سبق الادارة البريطانية والذى استمر لمدة 30 سنة. وطلب متحدث رسمى لجاليات يهود ايطاليا حماية خاصة ليهود طرابلس بعد "المذبحة المنظمة" التى حدثت خلال خريف 1945، ولكن بدا وكأن هذا الطلب قوبل بالتجاهل. وفى ذلك الوقت استمرت الاضطرابات لمدة 3 أيام وقتل حوالى 150 يهوديا.
 
وقد أظهرت التحقيقات التى اجريت فى ذلك الوقت أن القوات البريطانية لم تتدخل إلا بعد حدوث الضرر وكان التفسير الرسمى لذلك هو أن الحامية العسكرية تطيع الأوامر التى تأتى اليها من مركز القيادة البريطانية فى مصر فقط، وأن هذه الأوامر لم تصدر. وبناءً على خلفية الأحداث السابقة وكذلك على ماجرى فى 1948 فقد سلطت الصحافة الايطالية الضوء على الاضطرابات الثانية فنشرت صحيفة "أفانتي" Avanti, وهى صحيفة اشتراكية، العنوان التالى: "الإنجليز يتخذون موقف المتفرج".
 
وفى تعليق على الأحداث فى طرابلس ادعى الإيطاليون أن البريطانيين ليس لديهم الحق مطلقاً فى السماح للمتطوعين التونسيين للجبهة الفلسطينية بالدخول إلى ليبيا، ولايعفيهم من اللوم - على قصر نظرهم هذا - أنهم أصدروا أوامر بإرجاعهم بعد مرور وقت أطول من اللازم، وبعد حصول الضرر. وكذلك أكد الإيطاليون أن "وجهة نظر بريطانيا فيما يتعلق بفلسطين" له علاقة قوية بالاضطرابات، وكذلك فإنه كان يوجد فى ليبيا أعداد كبيرة من القوات البريطانية والتى كانت قد انسحبت من فلسطين ولو كان هناك تصرف فورى من قبل السلطات البريطانية عند ظهور أول بوادر المتاعب لكان بالامكان منعها من الانتشار"[3].
 
وفى السنة التالية وكنتيجة لاعتراف بريطانيا باسرائيل -كأمر واقع- والذى احتفل به اليهود فى طرابلس بفرح عظيم، ألغت الإدارة العسكرية البريطانية قرار منعها إصدار تأشيرات خروج لليهود ذوى الأعمار الصالحة للخدمة العسكرية وعلى حسب التقديرات حينئذ فان 10 آلاف يهودى من أصل 30 ألف فى طرابلس تقدموا بطلبات هجرة إلى اسرائيل. وكانت الأدارة البريطانية - بناءً على ما يبدو أنها توجيهات من وزارة الحرب - (إقليم طرابلس كان قد أصبح حينئذ تحت دائرة اختصاص وزارة الخارجية البريطانية) قد أحدثت تغييرات حادة وصارمة فى "سياستها تجاه اليهود"، باذلة قصارى جهدها لتسهيل هجرة اليهود [4] وبعد ذلك بفترة قصيرة ظهر 5 من الشباب اليهود أمام محكمة فى طرابلس متهمين بحيازة أسلحة و متفجرات وكذلك برمى قنابل يدوية على العرب فى اضطرابات يونيو 1948 وجرح اثنين من العرب فى حادثة لاحقة [5].
 
وبعد ذلك بشهور قليلة ورد تقرير يفيد بوصول 600 يهودى إلى طرابلس، وهى آخر مجموعة من بنغازى فى طريقها إلى اسرائيل. وتكاد الجالية اليهودية في بنغازي تنقرض باستثناء مئات قليلة من أصل خمسة ألاف يهودي هاجر أسلافهم واستوطنوا ليبيا بعد تدمير المعبد الثانى.
 
ومعظم اليهود الذين كانوا يعيشون فى دواخل البلاد تم جلبهم إلى طرابلس، ولكن لم يسمح لهم بالهجرة حتى يعالجون من التراخوما وأمراض أخرى. وأضاف التقرير أن العرب ناشدوا اليهود البقاء وعدم الهجرة ولكن لم يكن من المحتمل أن تكون لتلك النداءات جدوى "لأن يهود شمال افريقيا كانوا متلهفين للخروج من هذه المنطقة والتى لهم فيها ذكريات غير سعيدة" [6].
 
وفى يونيو 1951 رفضت الجالية اليهودية التي مكثت فى طرابلس، وقوامها ثمانية آلاف، اقتراحاً بإنشاء مؤسسة من أجل "الحالات الصعبة". او بمعنى آخر حالات 800 من المرضى والمسنين اليهود الذين رفضت إسرائيل ان تسمح لهم بدخولها. وقد كان الاقتراح الذى تقدَم به الصهيونيون يقضى بالسماح الفوري لليهود الاصحاء بالسفر الى إسرائيل، ولكنهم رفضوا الهجرة بدون أقاربهم المرضى والمسنين [7].
 
وفى الشهر التالى ورد تقرير يفيد أنه يتوقع أن يهاجر ثلاثة ألاف من بين 7 آلاف من اليهود الباقين فى طرابلس قبل أن تقفل الوكالة اليهودية أبواب مكاتبها فى طرابلس قبيل نهاية العام، ولكن كان هناك كثير من اليهود الليبيين الأغنياء الذين كانوا ينتظرون صدور دستور الدولة الليبية الجديدة قبل أن يقرروا هل سيهاجرون أم لا، حيث إنهم قرروا أنه لو سمح لهم بتحويل أموالهم والهجرة مسقبلاً في حال رغبتهم فإنهم على الأرجح سيقررون البقاء، على الأقل فى الوقت الحالى. فالعلاقات بين اليهود والعرب فى ذلك الوقت كانت طيبةً ولم يكن هناك ما يوحى بأن أحوال اليهود ستتغير عند استلام الحكومة الليبية لزمام الأمور لاحقاً في تلك السنة [8]). [انتهى الاقتباس من الكتاب]
 
محمد بن غلبون
رئيس الاتحاد الدستوري الليبي
chairman@libyanconstitutionalunion.net
 
21 صفر 1431 الموافق 5 فبراير 2010
 

[1] (جويش أوت لوك ، لندن، مايو 1946) Jewish Outlook, London, May 1964
[2] (كريستيان ساينس مونيتور، 15 يونية 1948) Christian Science Monitor, 15 June 1948
[3] (المصدر السابق) Christian Science Monitor, 15 June 1948
[4] Jewish Chronicle, 11 March 1949
[5] (المصدر السابق، 22 ابريل 1949) Ibid, 22 April 1949
[6] (المصدر السابق، 16 سبتمبر 1949) Ibid, 16 September 1949
[7] (المصدر السابق،29 يونية 1951) Ibid, 29 June 1951
[8] (المصدر السابق، 24 أغسطس 1951)Ibid, 24 August 1951