13/02/2008

 

مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الأول (3)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)

 
حاشية: ((عائلة القرمانلي بطرابلس الغرب))
 
في سنة 1123 هجري – 1711 ميلادي . وثب المدعو أحمد بك القرمانلي أحد جنود الانكشارية - ومعنى الانكشارية (الغزاة العثمانيون) - على والي طرابلس الغرب المُسمى (محمد أميس) فعزله بمساعدة الجنود وتولى الحكم في طرابلس الغرب بدله.. و كانت في أحمد القرمانلي جرأة و حسب للعدل والإنصاف فتحبب إلى الجند والأهالي وبذل جهوداً كبيرة في الإصلاحات العامة وأول عمل اشتهر به هو محاربته لخليل باشا الذي كان قدم من الأستانة والياً لطرابلس بأمرٍ سُلطاني.. فتنكر له أحمد القرمانلي ومنعه من دخول البلدة فدارت بينهما حروب شديدة قُتل في آخرها خليل باشا وفر من بقي ممن معه بأسطولهم ورجعوا إلى الأستانة فغضب السلطان (أحمد الثالث) بن محمد بن إبراهيم الذي كان مشغولاً في وقته بمحاربة الروس والنمسا.. فأرسل المُسمى (محمد باشا جانم خوجه) للتحقيق في موضوع قتل خليل باشا فقابله أحمد القرمانلي وأخفى عليه كل شيء ومنع الناس من مقابلته وفي نفس الوقت أكرمه فرجع دون أن يتحصل على نتيجة .. واستمرت ولاية أحمد القرمانلي فأتاه فرمان من السلطان أحمد المذكور وبذلك تمت ولايته ونفذت كلمته .. ثم ثار عليه أهالي بلدة تاجورا وأهالي مسلاته وشقوا عصا الطاعة .. فحاربهم حتى أذعنوا ورجعوا إلى طاعته والانصياع لأمره.. و في زمن ولاية أحمد القرمانلي ثار المدعو (علي بن عبد الله بن عبد النبي الصنهاجي) وعاث في الأرض فساداً ثم توجه إلى جهة برقة والجبل الأخضر فنهب خراج واحة (أوجلة) وأتعب الأهالي.. فأرسل إليه أحمد القرمانلي قوة من جيشه والتقى الجمعان ودارت الحرب بينهم فكان النصر حليف قوات القرمانلي .. وقُتِل (الصنهاجي) مع أغلب أتباعه.. وفي نفس السنة عقد أحمد القرمانلي لأخيه الحاج شعبان آغا وولاه على برقة والجبل الأخضر وبعث معه قوة عسكرية يرأسها المدعو (إبراهيم الترياكي) ومعه الشيخ (علي الأدغم) وبعد مدة من الزمن خرج قائد الجيش "إبراهيم الترياكي" عن طاعة (الحاج شعبان) وقبض عليه في بلدة درنة وساعده في ذلك الشيخ "علي الأدغم" ثم رجع الإثنان من بلدة درنة متوجهين إلى الجبل الأخضر ومنه إلى بنغازي مروراً بسرت ومصراته و- كلما مروا بقبيلة أو بلاد طالبوها بمتابعتهم وغرضهم هو خلع (أحمد باشا القرمانلي) .. فلما قربوا من مدينة طرابلس خرج إليهم القرمانلي وحاربهم وشتت شملهم واستولى على كل ما معهم.. فشرد الأدغم إلى أرض مصر .. وأما الترياكي فقد هرب إلى قبيلة المحاميد و جمع أوباشاً معه وعاد ثانياً إلى الفساد .. فأرسل إليه أحمد القرمانلي قوة بقيادة (إبراهيم بك) فحاربه حتى قضى عليه وعلى من معه.. وبهذه الإنتصارات قويت شوكة أحمد القرمانلي وعلا صيته بين المدن والقبائل .. وفعلاً أجرى إصلاحات هامة في مدن طرابلس .. فبنى المساجد والمدارس والقلاع.. ودامت ولايته 35 عاماً .. وكانت وفاته سنة 1158 هجري – 1745 ميلادي .. وكان أثناء فترة حكمه قد طلب فرماناً من الباب العالي بتولية ابنه (محمد باشا) بعده.. فتولى محمد باشا القرمانلي بعد أبيه أحمد وكانت البلاد مهددة ولم يحدث في عهده تشويش إلا أنه غلط وعقد معاهدة مع الإنجليز بدون إخبار أو وساطة الباب العالي.. واجتهد في تقوية أسطوله الحربي .. فقوي وكانت له هيبة عظيمة في حوض البحر الأبيض ودامت ولايته تسعة أعوام ثم تُوفي سنة 1167 هجري – 1754 ميلادي. فتولى بعده ابنه (علي باشا القرمانلي) فسار بسيرة جده أحمد وضبط البلاد وحال دون الفساد واستراحت الناس مدة من الزمن ..ثم في آخر ولايته مال إلى الراحة وأهمل البلاد .. فكثر فيها الفساد والنهب والسلب وساءت الحالة جداً فاضطر بعض الأهالي إلى الشكوى ورفع الأمر إلى الباب العالي لإغاثتهم بمن يقوم بأمر البلاد ..
 
جبروت يوسف القرمانلي و طغيانه.
 
سمع (يوسف بيك) أصغر أولاد على باشا القرمانلي بأمر الإستغاثة بالباب العالي و خشي أن يأتي ضابط من الأستانة فيأخذ منهم الولاية .. فقصد الشيخ (خليفة بن عون المحمودي) شيخ قبيلة (النويرات) وطلب منه معاضدته للوصول إلى الحكم .. وعزل والده لأنه كبر وأصبح عاجزاً عن القيام بأمور الولاية.. فوافقه (المحمودي) وجمع جموعه وأتى معه لحصار مدينة طرابلس... ولما وصل يوسف القرمانلي القلعة دخل على أخيه (حسن بيك) ليقتله فمنعته أُمه.. فقطع يديها وقتل أخاه وشدد الحصار على والده !!! وفي هذه الفترة قدم من الأستانة (علي بُرغل باشا) والياً لطرابلس بأمر السلطان العثماني .. وفوجئ يوسف بيك بوصول (علي بُرغل باشا) كما أسقط والده المُحاصر في يده .. وفكروا في محاربة القادم ... ولكنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على محاربته.. فقرروا الخروج جميعاً من طرابلس هاربين إلى تونس وفي صحبتهم الأخ الأكبر (أحمد بيك القرمانلي) فأكرمهم والي تونس (حموده باشا) وبعد مضي فترة من الزمن أرسل والي طرابلس (علي برغل باشا) حملة إلى بلدة (جِربة) فاستولى عليها.. وقد كانت تابعة لولاية تونس فغضب والي تونس حموده باشا وجهز حملة كبيرة وأرسلها لمحاربة (علي بُرغل باشا) وأرسل مع الحملة أبناء (علي باشا القرمانلي) يوسف بيك وأحمد بيك فخرجت الحملة من تونس وكلما مرت ببلدة أو قرية أو قبيلة هددتها بالحرب إن لم تستسلم و تذعن لأمرهم ..
 
وصلت الحملة إلى ولاية طرابلس واشتدت الحرب فيها بين الفريقين ثم أحس (علي برغل) بالهزيمة فشرد وترك الولاية وعمد إلى مصر وسُلِمت البلد لقائد الحملة (مصطفى خوجه) وقد نصب مصطفى خوجه بدوره أكبر أولاد علي باشا القرمانلي (أحمد بيك) والياً لطرابلس وبذلك عادت ولاية طرابلس لآل القرمانلي .. ولم تدم ولاية (علي برغل) إلا سنتين فقط .. ثم نصب مصطفى خوجه أيضاً يوسف بك القرمانلي أميراً للعُربان تابعاً لأخيه أحمد بيك.. فدامت ولاية أحمد بيك القرمانلي سنة واحدة فقط حيث انقلب عليه أخوه يوسف وعزله وأودعه السجن وتولى الولاية بعده وذلك سنة 1210 هجري – 1795 ميلادي.
 
يوسف باشا والياً على طرابلس
 
كان يوسف متمتعاً بجرأة و شدة بأس.. فهابته الأهالي و الجنود..و استقامت ولايته..ثم راسل والي تونس وطلب منه التوسط لدى مقام الخلافة للموافقة على ولايته لطرابلس فتوسط له وتمت الموافقة من الباب العالي فجَدّ يوسف واجتهد ورتب الأمور وساس البلاد وتتبع الأشرار وأجرى إصلاحات عظيمة وأصلح الأسطول وزاده حتى بلغ (13 أسطولاً) يجوب البحار .. وهابته السفن الأجنبية وبنى أبراجأ وقلاعاً حصينة وعمرّ أسواقاً ومهد طرقاً وازدهرت البلاد في أول ولايته ووسطها ..
 
يوسف القرمانلي يعين ( نابليون بونابرت ) على احتلال مصر!!
 
وفي عهده أحتل (نابليون بونابرت) مصر سنة 1213 هجري - 1798 ميلادي. وكانت بين يوسف ونابليون صداقة .. ولذلك ساعده على غزو مصر ببعض أساطيله .. مقابل ذلك وقف نابليون دائماً في صف يوسف القرمانلي عندما وقعت مناوشات حربية بينه و بين الأسبان والجنوييين (الإيطاليين) واليونان والإنجليز.. وخلال ولاية يوسف باشا هاجمت البحرية الأمريكية لأول مرة سواحل طرابلس الغرب، وقد كان أخوه (أحمد بيك) المعزول قد فرّ من السجن ولحق بجزيرة مالطة... فانتهز الأمريكان الفرصة واتصلوا بأحمد بيك وجهزوه بحملة وأنزلوه بساحل مدينة درنة مزوداً بقوة من جنود البحرية الأمريكية وذلك سنة 1217 هجري – 1802 ميلادي . ففرح الأهالي ورحبوا بمقدم (أحمد بيك القرمانلي) خاصة بعد أن قطع الأمريكان على أنفسهم عهداً بمساعدته حتى يستعيد حُكمَه من أخيه يوسف باشا .. فاحتال يوسف ووسّط والي الجزائر (حسن بيك) كما وسّطَ قنصل بريطانيا في طرابلس للمصالحة مع الأمريكان .. ونجحت الوساطة وعُقدت معاهدة صًلح بين يوسف القرمانلي والأمريكان وبموجبها أقلعت السفن الأمريكية عن درنة بعد أن نقضوا عهدهم مع أخيه (أحمد بيك) واصطحبوه معهم إلى الإسكندرية ثم أهملوه بها ..
 
يوسف القرمانلي يخضع برقة و فزان لسلطته
 
أرسل يوسف باشا ابنه (محمد بيك) في جيش كبير لمقاومة عمه (أحمد بيك) .. فوصل هذا الجيش إلى درنة بعد أن انسحبت سفن الأمريكان منها .. ووفدت إليه العُربان و القبائل حيث جددوا البيعة لوالده يوسف باشا. و في زمن ولاية يوسف باشا تمرد أهل غريان فنبذوا أوامره فأدبهم وأبادهم ، كما ثار الشيخ (أحمد سيف النصر) سنة 1221 هجري – 1806 ميلادي، ونبذ الطاعة وتعرض لبعض السفن في البحر فأرسل إليه يوسف باشا ابنه محمد بيك وحاربه وقتله وأخذ ابنه (عبد الجليل سيف النصر) أسيراً إلى طرابلس .. وثار أيضاً أهل مدينة (غدامس) وعصوا .. فحاربهم وأجبرهم على الخضوع .. وفي سنة 1227 هجري – 1812 - ميلادي . امتنع حاكم فزان (محمد الشريف) عن دفع الزكاة والضرائب فأرسل إليه يوسف باشا (محمد المكنى) ولما قارب فزان اتصل (محمد المُكنى) بابن أخي حاكم فزان وقال له: إن تحايلت في قتل عمك وليتك وجعلتك مكانه.. فذهب هذا واحتال على عمه وقتله غيلة... ولما دخل (المكنى) فزان طلب القاتل وأوعز إلى بعض أقربائه بأن يطالبوه بدمه... وأحضروا الشهود فسلمه لهم وقتلوه "وهكذا تفعل الحكام".
 
نهاية حكم آل القرمانلي
 
بعد أن طالت مدة حكم يوسف باشا و- كبر و- ضعف جسمه وقل تفكيره... اختلت أموره و- تجاسرت عليه الدول والقبائل كما ثار عليه الشيخ (عبد الجليل سيف النصر) سنة 1242 هجري - 1827 - ميلادي. وثار عليه كذلك أهل الجبل الغربي.. وبدأت الأمور لديه تتفاقم حيث ناوشته حكومة نابولي وسردينية وجينوة وأسبانيا و فرنسا وبريطانيا : كلهم اتفقوا على التسلط عليه والحد من سطوته.. و- في نفس الوقت نفد ما بيده من الخزانة.. فاضطر إلى تحميل الأهالي ما لا يُطيقون من الضرائب وقسم الولاية بين أولاده فأعطى لأبنه (علي الكبير) غريان ولأبنه (مصطفى بيك) مصراته ولإبنه عثمان مدينة الخمس ولإبنه عمر ورفلة ولإبنه إبراهيم ازليتن و- لمملوكه مصطفى بيك (درنة) فأصبح كل فرد من أولاده يعمل خلاف المصلحة العامة للبلاد.. فساءت الحالة العامة جداً و- ثار أهل المنشية على (يوسف باشا) ومعهم ولده (محمد بيك) واستغلت الدول الأجنبية ضعف سلطته.. و- سقطت هيبته في قلوب القبائل فتنازل لأبنه (علي بيك) سنة 1249 هجري - 1833 - ميلادي. بعد أن دام حكمه 39 سنة. فازداد الثوار عتواً و- نفورا.. وكان قد وصل إلى طرابلس (شاكر أفندي) موفداً من قبل السلطان لـ (علي بيك) الذي تنازل له والده، و- لكن شاكر أفندي وجد البلاد في حالة فوضى ووجد عموم الأهالي مُصرين على التخلص من عائلة القرمانلي، فرجع إلى استانبول و- أخبر السلطان (محمود الأول بن عبد المجيد الأول) بحالة البلاد فعين الفريق (نجيب باشا) والياً لولاية طرابلس الغرب فقدم إليها و- معه اثنان وعشرون أسطولا حربياً محملة بالجنود والمعدات والأرزاق.. فاحتفل علي بيك بقدومه أولاً ثم بعد شهر طلب نجيب باشا علي القرمانلي إلى إحدى المراكب باسم الضيافة.. فلما وصل إليه أمر بإلقاء القبض عليه ونزل بجنوده إلى البر وأعلن ولايته لطرابلس ثم قرأ الفرمان السلطاني بتوليته.. ففرح الناس فرحاً شديداً ولما سمع محمد بيك بن يوسف باشا بمصير أخيه (علي القرمانلي) أقدم على قتل نفسه !! وفر أخوه أحمد بيك يوسف إلى مالطة. وأما علي القرمانلي وأتباعه فقد أرسلهم نجيب باشا إلى استانبول. وبذلك انطوت صحيفة القرمانليين وانتهى حكمهم سنة 1251 هجري – 1835 – ميلادي. وذلك بعد أن دام قرابة (126 سنة). وسبحان من لا يزول حكمه وسلطانه.
يتبع....
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز

(1) الحاشية - في الحلقة القادمة ( الثالثة ) سوف نتناول فترة حكم العائلة القرمانلية
راجع بقية الحلقات
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com