29/04/2008


الاب والابـن.. والطائـرة الـتى اسقـطت
ارئيلاه ريندل هوفمان: مـقابلـة صحيـفـة "ايديعوت احرونوت" الاسرائـلية مـع محمـد بويـصير
ترجمة: الاستاذ حسين سراج

 
 
"بعد 35 عاما من اسقاط الطائرة فى سيناء، نجل وزير الخارجية الليبى يطلب اجابات من اسرائيل"
 
كان محمد بويصير فى العشرين من عمره، طالبا شابا فى الجامعة، عندما اسقطت اسرائيل طائرة الركاب الليبية بالقرب من "رفيديم" بصحراء سيناء، فى 21 فبراير 1973، بعد مذبحة الرياضيين الاسرائيليين الـ11 فى ميونخ بستة اشهر، وقبل اندلاع حرب يوم الغفران بثمانية اشهر، كنقطة فارقة اخرى فى القصة الدامية التى لم تنته.
 
113 شخصا كانوا على متن الطائرة، ولم ينج منهم سوى خمسة فقط، ولم يكن "صالح مسعود بويصير" وزير الخارجية الليبى سابقا، والمستشار الخاص للرئيس القذافى، والصديق الشخصى لياسر عرفات بين الناجين، ومنذ 35 عاما وابنه محمد بويصير يحاول ان يعرف بالضبط حقيقة ما حدث لوالده، لدرجة ان بويصير تقدم بالامس بطلب للمستشار القضائى للحكومة "مانى مازوز" يطالبه فيه بفتح ملف الحادث من جديد وازالة التراب من فوق الملفات الخاصة بالحادث واخباره "فى النهاية" بحقيقة ما حدث هناك، "الحادث المأساوى الذى احترق فيه والد موكلى " كتب المحامى البروفيسور كينيث مان الذى يمثل بويصير الابن "يبقى كجرح نازف، ففى الواقع هو لم يحصل حتى الان على تقرير كامل ومفصل من حكومة اسرائيل عما حدث لوالده".
 
الا انه وراء الصياغات الجافة والملخصة التى لا تزيد عن ورقتين ونصف، فى المذكرة التى تلقتها الحكومة الاسرائيلية، تكمن ما يصفها بويصير بقصة حياته: سلسلة لا تنتهى من البحث المكثف وراء التفاصيل، واللقاءات العلنية والسرية، والطلبات الرسمية وشبه الرسمية، ورفع الدعاوى القضائية ضد اسرائيل امام المحاكم المصرية والاسرائيلية، والمكاتبات، والتجوال فى كل انحاء الارض، مستعينا بكل القطع والاجزاء التى تبقت عما احترق ذلك اليوم، ليكمل الصورة بطريقة تتسق مع المنطق، كما اخذ بصفة خاصة، يصنف ويغربل جبل الشائعات الذى كبر وتضخم كما العجين الذى خرج عن السيطرة.
 
وعلى الرغم من وجود كل الاسباب التى قد تدعوا بويصير لآن يضع الموضوع جانيا، حيث يدير عمله بنجاح كمهندس بترول فى الولايات المتحدة الامريكية كما انه متزوج واب ومعظم افراد عائلته يعيشون معه، الا انه لم يفعل، سألته: الم يحن الوقت لترك الموضوع جانبا؟ اجابنى " لا، انا لا اريد الانتقام، ولكننى اريد ان اعرف الحقيقة، اريد ان اعرف ما اذا كان والدى هو المستهدف، ام انه لسوء حظه، تواجد فى المكان غير المناسب فى الوقت غير المناسب؟".
 
"فرقعة رهيبة"
 
ركب صالح مسعود بويصير طائرة الخطوط الجوية الليبية من طرابلس فى رحلتها رقم 114 المتجهة الى القاهرة عبر بنغازى، لكنه كان من بين الركاب ال108 الذين لم يصلوا ابدا الى غايتهم.
 
عشية سفره ودع الاب ابنه الذى قال له انه فى طريقه الى بيروت وسيتوقف فى القاهرة لرؤية ابنته التى تدرس هناك، وفى بيروت كان من المفترض ان يكون المتحدث الرئيسى فى مؤتمر لأحياء ذكرى الوحدة بين مصر وسوريا وان يبقى هناك ليوم واحد ويعود.
 
يقول بويصير الابن " فى صباح اليوم التالى، وفبل السادسة بقليل، دخل على مرة اخرى، وجدنى منكبا على كتبى استعدادا للأمتحان، قال:هذا يكفى، وجرنى لأتناول الفطور معه.. التفاصيل الصغيرة مع الوقت يكون لها معنى..امى التى كان من المفروض ان تسافر معه على نفس الرحلة، ولكنها لم تفعل، كانت منزعجة للغاية، لانه قبل عدة ايام، شوهد اجانب ذو ملامح اوروبية يقومون يتصوير منزلنا ".
 
"خذ حذرك.. كررتها امى عدة مرات، اجاب.. كل شىء سيكون على ما يرام، وانه سيعود السبت، وسألنا ان كنا نريد شيئا " وخرج لتكون أخر مرة نراه فيها.
 
كان ذلك فى يوم الاريعاء ـ فى الساعة 12:40 اقلعت الطائرة من بنغازى الى القاهرة التى كان من المفترض ان تهبط فيها الساعة 14:00، رحلة قصيرة ومباشرة لا تحمل فى طياتها اى مخاطر، عند الساعة 13:12 اجتازت الطائرة الحدود ودخلت الاجواء المصرية، تم تسجيل محادثة مع الطيار الفرنسى جاك بورجى عند الساعة 13:45 تقريبا اكتشف بورجى انه غير متواجد بالمكان المفترض ان يتواجد به."عجيب هذا الامر" قال لمساعده الليبى، وفى الساعة 13:52 وهو الوقت المفترض ان يبدأ فى الهبوط اتضح انه لم ينجح فى الوصول الى مكانه الصحيح، وفى الدقائق التى تلت ذلك، كما تكشف تسجيلات الصندوق الاسود، حاول رجال طاقم البوينج الثلاثة معرفة مكان تواجدهم على وجه الدقة، قال الكابتن " هناك خشخشة وصوت فرقعة"، بعد دقيقة او دقيقتين، سمع على شبكة الاتصال صوت مرافب برج القاهرة يقول"اقترب من ممر الهبوط23 " وبعد لحظات اضاف فى ذهول"مكانك اختفى، مكانك اختفى".
 
عندها كانت الطائرة على مسافة حوالى 200 كيلومتر شرق القاهرة، وهى نقطة مرصودة على شبكة الرادار الاسرائيلية، 6 دقائق فبل ان تجتاز الحدود وتدخل المجال الجوى الاسرائيلى فوق سيناء، التى كانت تهب فيها عاصفة رملية،كان رجال سلاح الطيران فى مطار"رفيديم"يجدون صعوبة فى الرؤية لعدة امتار امامهم،"ى" قائد سرب الفانتوم الذى هبط فى سيناء فى اطار المناوبة، اتصل بالقاعدة الام للتأكد من ان احدا لا يحلق بطائرته فى مثل هذا الجو السىء. وعندما ابلغ المراقب فى برج المراقبة عن وجود طائرة غريبة تهدد باختراق الاجواء من الجنوب الغربى، قام"ى" بالاتصال للتأكد من صحة البلاغ فالمصريون ايضا لا يحلقون بطائراتهم فى هذه الاجواء، ولكن بعد عدة دقائق وفى تمام ال14:01 كانت الطائرة الليبية فى عمق 50 كيلومترا داخل عمق سيناء وطائرتا فانتوم حولها.
 
نقل"ى" الذى كان يقود الطائرة الاولى، الى مقر قيادة السلاح الجوى تفاصيل الطائرة:بوينج727 رقم كذا "الطيران العربية الليبية"، وبعد عشرين عاما من اسقاط الطائرة وفى مقابلة وحيدة اجراها مع "يديعوت احرونوت"..اخذ يستعيد الامر الذى تلقاه: اجعلها تهبط بأى ثمن.. واخذ يعدد الجهود التى بذلها كى يوضح للطيار مقصده، كيف انه حلق الى جواره بمحاذاة جسم البوينج وكيف انه اشار اليه بالأبهام الى اسفل وكيف انه حلق الى امامه ولوح بالجناحين واطلق النار على مقربة من جسم الطائرة..قال انه فعل كل ما يمكنه كى يوضح مقصده، لكن "بورجى" ولسبب لن يعرف ابدا رفض الاستجابة لكل الاشارات.
 
"هل يمكنك القيام بذلك دون المساس بالركاب؟" سأل مراقب البرج "ى" فى الوقت النى كانت فيه الطائرة تحاول العودة باتجاه الغرب، وهى على مسافة دقيقتين من الاجواء المصرية، فرد"ى" بانه سوف يحاول، وبعد عشرين عاما اعترف بان رده كان احمقا، لانه فى الواقع لم تكن هناك اى وسيلة لاجبار الطائرة على الهبوط بصورة تضمن سلامة الركاب فى مطار غير مجهز لاستقبال هذا النوع من الطائرات.
 
"ماهذا؟ هناك صواريخ تطلق علينا.." قال الطيار المساعد الليبى، وبدا الكابتن مرتبكا خائفا "شاهدت عدة صواريخ هنا"وتظهر فى الصندوق الاسود اصوات وهدير الطائرات، "سيدى، لقد بدأوا اطلاق النار فى اتجاهنا" قال مهندس الطيران، الكابتن وفى اتصال مع برج القاهرة الذى سبق وان ابلغه انه يشاهد طائرات "ميج".."طائراتكم تطلق النار علينا " ومراقب القاهرة يحاول تهدئته بالقول "لفد ابلغنا طائرات الميج انكم طائرة ضلت طريقها"، وكان واضحا انه ليس لديه فكرة عن مكان وجود الطائرة.
 
كما باءت المحاولة الاخيرة التى قام بها "بورجى"بالفشل عندما حاول الهبوط اضطراريا فى السهل القريب من "ريفيديم"، كانت محاولة بلا امل، فطائرات الفانتوم كانت قد اطلقت صاروخا يتتبع الحرارة المنبعثة من الطائرة الليبية،واستطاعوا مشاهدة الطائرة وهى تفقد ارتفاعها بسرعة وتصطدم بالأرض لتحرثها حرثا وتثير سحبا كثيفة من الغبار الى ان انغرزت فى احدى التلال الرماية، وتمكنوا من مشاهدة السنة اللهب وهى تتصاعد من داخل الجسم المعدنى المحطم.."ابتعدوا عن المكان" صاح فيهم المراقب عبر جهاز الاتصال..فارتفعت طائرتا الفانتوم واتجهنا شرقا.
 
عدد كبير من الجثث التى عثر عليها فيما بعد كانت لازالت مشدودة الى المقاعد المتناثرة عبر مئات الامتار حول بقايا متفحمة لما كانت طائرة بوينج، رجال ونساء واطفال متناثرة اشلاءهم على الارض، وبعضهم كان لايزال يتنفس.
 
لا يزال من كان هناك يتذكر الاحساس الفظيع باللاحول واللا قوة "بعد سنوات مما حدث لم اتمكن من فهم لماذا صدر مثل هذا الامر؟" كما يقول احد كبار الضباط الذين قادوا عمليات الانقاذ، اما "ى"الذى اكتشف بعد هبوطه انهم فى قيادة القوات الجوية لم يكونوا يعرفون عن الطائرة اكثر مما يعرف عندما اصدروا اوامرهم "انا فى الواقع لم اكن اعرف شيئا ".."ان هذه عجرفة "، وفى المؤتمر الصحفى الذى انعقد بعد ذلك بيومين، تم جر الطيارين ايضا واتضح ان الامر اصدره قائد السلاح الجوى، آنذاك،"موردخاى هود" بعد ان اطلع رئيس الاركان "ديفيد اليعازر" على الموقف وحصل على تصديقه والجنرال "ايلى زعيرا"، الذى كان آنذاك رئيسا للمخابرات العسكرية، الذى ذكر فى كتابه" الاسطورة فى مواجهة الواقع " ان اليعازر، الذى صدق على الامر لم يكن يعرف فى تلك اللحظة ان المقصود هو طائرة ركاب مدنية، كما نفض "موشى ديان" الذى كان وقتها وزيرا للدفاع ما حدث عن ملابسه، كما لو كان ينفض حبات الرمال.
 
"تعالـوا نريـهم"
 
نتيجة لسوء الاحوال الجوية استمر اخلاء الجرحى الى مستشفى "سوروكاه" فى بئر السبع حتى المساء، كان معظمهم فاقد للوعى دونما احتمال لبقائهم على قيد الحياة حتى الصباح، وهناك فى المستشفى بذلت الجهود لانقاذ من كان مازال يتنفس.
 
بعد عدة ساعات وصل الخبر الى عائلة بويصير "عند الرابعة بعد الظهر " يقول محمد بويصير" عدت من تدريب لكرة القدم، دخلت البيت وعند المدخل ادركت ان شيئا ما قد حدث فقد كانت امى على الارض واخواتى حولها "،" اسرائيل اسقطت الطائرة "،"ابوك مات" استغرق منى الامر لحظة لكى افهم، "اختلط عليكم الامر بالتاكيد، ابى طار من بنغازى الى القاهرة ولا يوجد اسرائيليون على الحدود بين مصر وليبيا، سفره الى بيروت سيكون فى الغد". قالت لى احداهن " لقد ذكرت البى بى سى ذلك واشارت الى اسم والدك". خرج محمد من البيت مسرعا "جريت" يقول بويصير الابن "كما المجنون الى مكاتب شركة الطيران الليبية واتجهت مباشرة الى مكتب المدير"ما الذى حدث؟" صرخت، عرفونى وحاولوا تهدئتى، من المعلومات التى لدينا ـ قالوا لى ـ تم انقاذ 13 شخصا ووالدك من بينهم، فى المساء قال صوت اسرائيل بالعربية: ان وزير الخارجية الليبى السابق الذى كان بين ركاب الطائرة، على قيد الحياة، ومن اللحظة التى اتضح له فيها انه فى اسرائيل.. يرفض الحديث ".
 
فى اليوم التالى، فى عدد يوم الخميس من صحيفة "يديعوت احرونوت"، وتحت العنوان الرئيسى تعرض "يوشع حلميش" لصالح بويصير وذكر "هناك اعتفاد ان مستشار القذافى الذى كان على متن الطائرة لم يسمح للطيار بالهبوط " واستند فى ذلك الى تقارير من لندن.
 
وفى اليوم التالى اشارت الصحيفة الى "الجريح الغامض" وكتبت "بالنسبة لهوية احد الليبيين الذى تم التحفط عليه فى غرفة منعزلة بقسم الجراحة ـ ا ـ، سرت شائعة بانه وزير سابق فى حكومة القذافى، ووفقا لقائمة الركاب التى اعلنتها طرابلس فان اسم الوزير هو ـ اسد شاكر ترهونى ـ وبجوار سرير الجريح سجل يقول: اسد نزلانى..جراح متوسطة، وهو لا يجيب على الاسئلة، وعندما اردنا ان نسأله كل ما فعله هو اخراج آهة ألم".
 
كما ورد اسم بويصير فى صحيفة "الاخبار"المصرية، فى الخبر الرئيسى، فقد ذكرت الصحيفة ان "صالح بويصير" وزوجته كانا من بين ركاب الطائرة، واضاف المحرر بان بويصير هو وزير خارجية ليبيا السابق وعضو مجلس الامة الاتحادى وكان فى السابق مناضلا ضد الاحتلال وقاد الحملة ضد الحكم الملكى وكان اول وزير خارجية للثورة الليبية.
 
"بطل عظيم.. اصيل ومحترم"
 
بعد الحادث بيومين تم تسليم مائة من صناديق القتلى الى المصريين عن طريقالصليب الاحمر، بعضهم دفنوا فى مصر والباقى تم نقلهم الى ليبيا، كانت الصناديق مكتوب عليها الاسماء والبعض مرفق به صورهم فى الحالة التى وجدوا بها فى منطقة الحادث او عند وصولهم الى المستشفى، وفى اغلب الحالات تحولت الجنازات الى مسيرات احتجاج، على احد الصناديق التى ارسلت الى ليبيا ظهر اسم "صالح مسعود بويصير" واضيفت له صورة رجل يده وقدمه مبتورتان، يبدوا انها التقطت فى المستشفى، وبعد35 عاما يقول محمد بويصير ان العائلة ابدا لم تفتح الصندوق للتأكد مما اذا كانت الجثة التى فى داخله هى لوالده ام لا، دفنوه فى بنغازى بين آلاف المعزيين على رأسهم "ياسر عرفات".
 
"فى عام 1966، اعتاد ابى ان ياخذنى معه الى فندق ـ اطلس ـ فى القاهرة، وهناك كنا نقابل رجلا غامضا ونحضره الى البيت، وعندما كنا نصل الى المنزل يطلب منى ابى ان اخبر امى لاعداد الشاى والخبز والجبن، ويامرنى بان احضر الطعام بنفسى والا اسمح لآحد غيرى بفعل ذلك..فهمت ان هناك شيئا ما خاصا بهذا الرجل، بعد سنوات اكتشفت انه ياسر عرفات وانه وابى كانا صديقين مقربين لبعضهما البعض."
 
"شكوكنا فى ان الرجل فى الصندوق هو صالح بويصير ام لا ازدادت عندما قال احد الاقارب الذى تعرف على الجثمان فى القاهرة ان الصورة لا تتطابق مع حالة الجثمان الذى كان رآه".
 
بدأ محمد بويصير رحلته فى تعقب كل شىء بخصوص الاب الغائب، فالتقى مع بعض الناجين، اخذ يجمع قصاصات الصحف، لجأ الى الجهات الرسمية، فى ليبيا اولا ثم فى مصر، كما لجأ الى الصليب الاحمر ومنظمة الطيران المدنى.
 
قال له الناجون: عندما اخذت طائرات الفانتوم الاسرائيلية تطارد الطائرة، نهض صالح بويصير من مقعده ووقف فى الممر وقال "اذا بقينا احياء سنكون سعداء وان متنا سنموت شهداء " وبعد ذلك بدأ الاب فى قراءة آيات من القرآن، نفس هذا الوصف للحظات صالح بويصير الاخيرة كرره ياسر عرفات ايضا فى مقدمته لكتاب صالح بويصير "جهاد شعب فلسطين عبر 50 عاما" فى طبعته التى صدرت عام 1988 كما كتب عرفات يصف صديقه"بطل عظيم مثله لا يستحق ان يرحل عنا الا بالطريقة التى رحل بها، هو ابن العرب فى ليبيا، وهو ابن القضية العربية فى الجهاد والتضحية والحلم..هو الاصيل والمحترم.. الجندى من اجل فلسطين.. قابل ربه وهو شهيد على الارض العربية..علينا ان نواصل نفس الطريق ".
 
ولد صالح بويصير فى "بنغازى" بين الحربين العالميتين، فى عام 1925،و تعلم فى جامعة الازهر فى القاهرة، ثم عاد الى ليبيا عام 1947 وبدأ طريقه كصحفى فى "برقه الجديدة"، ثم اصدر فيما بعد مجلتين وهو يعد كاتبا موهوبا وخطيبا مفوها، وعالما يؤمن تماما بعدالة قضيته، عندما حصلت ليبيا على استقلالها تم انتخابه فى البرلمان ومن هناك قاد المعارضة ضد الاتفافيات التى وقعها العهد الملكى مع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فى عام 1955 حاصرت الشرطة السياسية منزله للقبض عليه، الا انه نجح فى الهرب متخفيا فى زى امرأة تقليدى، لجأ الى مصر واتى بعائلته وظل هناك حتى 1969 وخلال تلك السنوات انهى دراسته العليا واطروحته التى تحولت الى كتاب، وعندما قامت الثورة الليبية التى اتت بمعمر القذافى الى السلطة، عاد صالح بويصير الى ليبيا ليصبح اول وزير للخارجية، ثم وزيرا للاعلام، وكان يعتبر احد المقربين للقذافى ومستشاره محل ثقته.
 
بعد عدة شهور من مذبحة الرياضيين الاسرائيليين فى "ميونيخ"، قام فلسطينيون باختطاف طائرة المانية، واجبروا حكومة المانيا على اطلاق سراح ثلاثة ممن قاموا بقتل الرياضيين الاسرائيليين وعوقبوا بالسجن المؤبد، طاروا الى ليبيا حيث كان صالح بويصير من ضمن مستقبليهم، وهذه القصة ستعود للظهور بعد اسقاط الطائرة الليبية عندما تبدأ الاشاعات فى الانتشار بخصوص اسباب اسقاط الطائرة.
 
"تعالى نسميها حادثة"
 
بعد حوالى عشرين عاما من اسقاط الطائرة الليبية، نشرت "يديعوت احرونوت" تحقيقا موسعا بقلم كاتبة هذه السطور تحت عنوان"لعنة الطائرة الليبية"وفى ذلك التحقيق ظهرت للمرة الاولى رواية الطيارين، ترجم التحقيق الى العربية، ووقعت الترجمة فى يد محمد بويصير، بعدها التقينا فى القاهرة،"التحقيق" قال لى "هبط على من السماء". على مدى عدة ايام راجعنا الوثائق التى نجح بويصير فى جمعها والصحف العربية التى حافظ عليها بكل حرص، "ما اريده " قال آنذاك "هو ان افهم لماذا اطلقوا النار على طائرة مدنية؟". فى تلك الايام كانت الاشاعات فى الشارع العربى ان طائرات الفانتوم هى التى اجتازت الاجواء وتسللت الى مصر وتحت التهديد نجحت فى خطف البوينج الى "ريفيديم"حيث اسقطتها، كما روى انها لم تكن طائرات فانتوم بل "ميج" من التى استولت عليها اسرائيل فى الحرب، لانه ليس من المعقول الا يفرق الطيار الفرنسى بين الفانتوم الثقيلة وبين الميج دقيقة الجذع.
 
اما السبب وراء اسقاط الطائرة، او على الاقل محاولة اختطافها فقد ارجعوه الى وجود صالح بويصير على متنها، وذكروا ان بويصير كان مؤيدا متحمسا للنضال الفلسطينى وصديقا مخلصا لياسر عرفات وهو الرجل الذى ظهر فى ميونيخ بعد فترة فصيرة من مذبحة الرياضيين، وهو الذى استقبل من اقترفوها بعد ذلك، كما كانت جهوده وراء التحالف الثلاثى بين مصر وسوريا وليبيا.
 
"من كل هذه القصص لا اعرف ما هو الصحيح منها" قال لى محمد بويصير فى عشرات المحادثات التى اجريناها منذ ذلك الحين "ولكنى اعتقد بان اسرائيل كان لديها اسبابها التى تجعلها ترغب فى الايقاع بوالدى".
 
"تعالى نسمى ما وقع بالحادثة" قال لى فى محادثتنا الاولى فى احد اركان مقهى قاهرى "وبعد ان نصل للحقيقة نتفق على الوصف الذى يلائم ما حدث" " اريد ان اعرف " قال حينها ومازال يقول الان "كيف عرف الاسرائيليون بعد وقت قصير جدا من اسقاط الطائرة ان صالح بويصير كان من ركابها؟ ولماذا عندما وصل "موشى ديان" الى المستشفى طلب ان يرونه اين يرقد صالح بويصير؟ اريد ان اعرف لماذا قالوا فى البداية انه حى، ويرفض الحديث، وبعد ذلك ابلغونا انه ميت، وان الاخبار الاولى كانت خطأ؟ وان الامر اختلط عليهم بين صالح بويصير وبين ليبى آخر نجا بالفعل اسمه اسد نزلانى؟"
 
" لقد بحثت عن اسد نزلانى طويلا" يضيف بويصير الابن " وفى النهاية وجدته والتقينا، لآكتشف ان عمره عندما تحطمت الطائرة كان تسعة عشر عاما، اى من جيلى ـ سيدتى ـ لو كانت المخابرات الاسرائيلية عاجزة عن ان تميز بين صالح بويصير ذو السبعة واربعين عاما واسد نزلانى ذو التسعة عشر عاما وكانت هذه حدود قدراتها لما بقيت دولتكم طوال هذه السنوات"
 
ويرفض بويصير الابن ان يتنازل، فى عام 1992 رفع دعوى قضائية فى مصر يطالب فيها اسرائيل بتعويض قدره مائة مليون جنيه مصرى، "هذه ليست فقط دعوى قضائية " كتب محمد هيكل " ولكنها مطالبة بحق الدم"، وتم طلب الجنرالان "مردخاى هود" و"بينى بلد" للمثول امام المحكمة كما نشرت الاخبار، الا ان الدعوى قد رفضت لعدم الاختصاص، واوصى الحكم بان ترفع فى اسرائيل، عام 1996 قام بويصير بمحاولة اخرى وابلغنى انه ينوى الحضور الى اسرائيل لاقامة الدعوى امام القضاء، الا انه لم يأتى لأسرائيل، بل اخذ عائلته وهاجر الى بوسطن فى الولايات المتحدة، واستمر فى البحث عن محاميين يمكن ان يتولوا الموضوع فى اسرائيل.
 
"جسر صغير من الثقة"
 
فى اسرائيل، يرفضون هذه الاشاعات، "ى" مثله مثل طيارين اخرين يرفضون مقولة ان اسرائيل استعانت بطائرات "ميج" كى تضلل الطيارين فى كابينة الطائرة الليبية،"كانت هناك طائرة ميج واحدة، على ما اذكر" يقول احد كبار القادة فى سلاح الجو "وبالتاكيد لم تكن تلك الطائرة فى ريفيديم، ثم ان الصندوق الاسود يوضح بان الطيار المساعد الليبى صاح فى اللحظة الاخيرة بانها طائرات اسرائيلية".
 
هكذا ايضا يتم رفض مقولة ان المقصود كان هو الايقاع ببويصير الاب "ان هذه المقولة لم يتم اثارتها ولا حتى من قبل المصريين، كما انه ليس لها اى ذكر فى التقرير التفصيلى الذى اعدته منظمة الطيران المدنى الدولية بعد الحادث" كما يقول مسئول حكومى كبير.
 
كما ترفض عناصر المخابرات الاسرائيلية ـ الموساد ـ مقولة استهداف بويصير "انا سعيد" قال احدهم" ان تكون لنا هذه السمعة ولكن التفكير فى انه امكننا معرفة ان بويصير كان على متن تلك الطائرة هو امر مبالغ فيه تماما، وبالتاكيد لم يكن بامكاننا ان نخمن بان الطيار الليبى سيضل طريقه ويجتاز الحدود" كما يقول آخر "حتى ان كانت المخابرات الاسرائيلية تعلم بوجود وزير الخارجية السابق، فهو" على حد قوله "لم يكن مستهدفا فى الاجواء التى سادت اوائل 1973".
 

ـ فى اطار اعداد تعليقى على هذا المقال: ارجوا كل من لديه معلومات او وثائق اوشهادات شخصية يمكن ان تفيد عن الحادث او ما يتعلق به، ان يرسلها الى على بريدى الالكترونى Buisier@aol.com او ان يتصل على 1.617.212.6725 مع تعهدى بالحفاظ التام على سرية المصدر.
 
 
 
حسين قرضاب: الاخ محمد بويصير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أسأل الله ان يرحم وابائنا وامهاتنا ويجعل مثواهم الجنة وسائر موتة المسلمين وان يعوضك انت واهلك خير.. سؤالي ماهو الدور الذي قامت به القيادة الليبية لكي تسعدكم للوصول للحقيقة ؟ وهل يوجد تقصير منها  ؟ وما مدا علاقة والدك بالعقيد معمر القذافي ؟ وماهو موقفه الشخصي؟ وماهي علاقتك الحالية بالعقيد معمر القذافي ؟ وشكراً.

ليبي من بنغازي: الاخ البنغازي مع احترامي لك والقصة الجهنمية والعشرة مليون دولار .القصة بالكامل علي حد كلام جدي المسماري ان المصري دفع الفلوس من حساب جدتك ام امك لما كانت تخدم في مصر في شارع الهرم. والله اعلم.

عبد الرحمن: الحقيقة أن مصر هي السبب في اسقاط الطائرة ، ففي نفس اليوم كانت تطير رحلة أخرى من طرابلس إلى القاهرة تحمل على متنها الجاسوسة هبة سليم، التي أختطفتها الاستخبارات المصرية بالتعاون مع الليبية، فكانت مصر تعلم أن اسرائيل لن تسمح لهبة سليم بالوصول إلى مصر باي طريقة حتى لا تكشف عن أمور أخرى ، فسربت مصر إلى اسرائيل عن طريق عملائها أن الجاسوسة هبة موجودة على متن هذه الطائرة (التي سقطت) وظللت طريق الطائرة المنكوبة لتقترب من الحدود الاسرائيلة، وفي الوقت التي كانت الطائرات الاسرائيلة تطارد هذه الطائرة كانت الطائرة الأخرى تطير إلى القاهرة في خط سير أخر..

سليمان: الاخ محمد ان فقد العزيز  لا يقدر بثمن وانا مع قول المفكر محمد هيكل انها مطالبة بحق الدم، واقدر معاناتك لاني لدي جد عزيز من جهة والدتي  كنت انتظر قدومه من الحج سنة 1978 ولكنه استشهد في حادت طائرة بلغارية عرضي بمنطقة قرناده شرق ليبيا. وفقك الله.

البنغازي: السيد المحترم محمد بويصير... لدي سؤال ارجوا الاجابة عنه, يقال بعد وفاة المرحوم والدكم حضر لبيتكم رجل مصري وقدم لكم وفي حضور كل الاسرة مبلغ وقدرة عشرة مليون دولار, وقال لكم ان والدكم قد سلمها له كأمانة "امانة يعني" سيد محمد هل لك ان تحدثنا عن مصدر العشر مليون دولار من اين تحصل والدكم علي هذا المبلغ هل هو من الاموال التي سلمها القذافي العشر مليون لكن اعضاء مجلس قيادة الثورة ولبعض المقربين ام هيا استثمارات له ايام الدراسة في الازهر ومعارضته للملك ادريس الله يرحمة. ارجو الاجابة, قصة العشرة مليون صحيحة ميه في الميه يا اخ محمد وكل المقربين من عائلتكم يعرف القصة جيدا. السلام.

مواطن ليبي: على ما اعتقد ان اسرائيل اذا كان نيتها اغتيال ابويصير الاب وانه يشكل تهديد مباشر اوغير مباشر على مصالحها فهى تمتلك من الوسائل ومن العملاء فى وطننا العربي وخاصة ليبيا كى تقوم بهذه المهمة بطريقة سلسة وسهلة جداً جداً ولا تثير اى شك حيال اسرائيل، لاان تسقط طائرة بها ركاب مدنيين والغرض هو تصفية وزير خارجية(القذافى!!!!). الصحيح هو ان تطالب يا اخى محمد السلطات الاسرائيلية بتعويض مادى كبير على هذه الكارثة الانسانية ويستفيد منها ايضاً ابناء المراحيم ركاب الطائرة المنكوبة. اما البحث عن حقيقة اسقاط الطائرة فهذا كلام تظليل اريد به حقًاً وهو التعويض المادى المجزى .لهذا تعال يامحمد من قدام وطالب بما هو حقك وحق الاخرين معك.

سالم: أحي الأخ محمد بويصير على شجاعته وعلى جهده من أجل اظهار الحقيقة وإنصاف المضلومين خصوصا ونحن نرزخ تحت حكم جائر لا يكترث لحقوقنا ولا ينتصر لنا بل يساهم هو ايضا في تدميرنا. كما ادعو الجميع لتلبية نداء الأخ البويصير في تزويده بالمعلومات حول الحادثة. شكرا سيد محمد ووفقك الله في مسعاك.
للتعليق على المقابلة
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق