01/08/2006

 


 
حوار موسّع مع الأستاذ محمد بويصير
 
حاوره : عيسى عبدالقيوم .
 
" الجزء الأول "
 
بويصير : لست ليبرالياً .. واللجوء الى نظرية المؤامرة دليل عجز .
 
البطاقة الشخصية :
 
محمد صالح بويصير .. من مواليد بنغازي .. يحمل بكالريوس فى هندسة النفط من جامعة طرابلس .. قال لي أنه ولد يوم عيد العمال من سنة 1953م.. متزوج من السيدة بديعة كويري الذى وصفها بأنها أم أطفاله و رفيقة غربته  منذ ثمانية وعشرين عاما .. للأستاذ محمد خمسة أولاد هم : لمعان .. وصالح .. وجنان .. وصلاح الدين .. وآلاء .. كان قبل مغادرته ليبيا ( التى غادرها مرتين 78 ..93 ) يقيم فى شارع أزواوة وسط مدينة بنغازي .. اما الأن فهو يقيم فى مدينة ميدلتون ولاية ماساتشوشس .. فى الشمال الشرقي للولايات المتحدة .. السيد بويصير سياسي نشط فى اتحاد عام الطلبة بليبيا فترة السبعينات كمسئول وحدة التثقيف التابعة للهيئة الإدارية التى كان يرأسها الأستاذ رجب الهنيد .. وايضا نشط فى عدة منظمات وهيئات سياسية ليبية فى المهجر كالحركة الوطنية الديمقراطية .. والتجمع الوطني الديمقراطي .. ومنظمة ألفا.. وله عدة كتابات صحفية .. وأسهم فى الحوارات الدائرة على الساحة الليبية سواء من خلال الفضائيات العربية .. أو من خلال شبكة الانترنت .
 
مدخل :
 
تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الليبي المقابلة التى أجراها الدكتور الهاشمي الحامدي عبر قناة المستقلة وإستضاف فيها الأستاذ محمد بويصير و د.ابراهيم بوخزام .. وعقب إنتهاء المقابلة جالت فى ذهني عدة أفكار وتساؤلات .. ولأني علمت بوجود الاستاذ محمد بويصير فى لندن .. فقد حملت أوراقي وتساؤلاتي وسافرت اليه .. وهي بالمناسبة المرة الأولى التى ألتقيه فيها وجها لوجه .. فالبرغم من وجود إتصال وعلاقة صداقة .. إلا أن الظروف لم تسمح بلقاءنا إلا غداة يوم المقابلة الموافق 22  يونيو 2006م .. لن أطيل فقد بدأ حواري معه فى صالة فندق " كنقستون كلوز" بوسط العاصمة البريطانية .. وإنتهى عبر الهاتف من بيته بماساتشوسش .. والهدف كالعادة البحث عن المعلومات من مصدرها وتقديمها للرأي العام الليبي .. من أجل مشهد أكثر شفافية .. فاليكم القسم الأول من الحوار .
 
 
 
الحـــــــــــــــــــــــــــوار :
 
س : مرحباً بك أستاذ محمد بويصير .. خلـّفت المقابلة التى أجراها معك الدكتور الهاشمي عبر قناة المستقلة الفضائية ضمن برنامج " ضيوف وأحداث " مساء يوم 21 يونيو أصداءً فى الوسط الليبي ..ومن اصداءها جاء أو تحتم هذا الحوار .. استاذ محمد .. سأعفيك ـ مؤقتا ـ من المقدمات التاريخية التقليدية .. لندخل مباشرة الى الحدث .. فبعد المشوار الأخير من الأخذ والرد حول قصة الإصلاح .. أعلن سياسي ليبي بأنه يريد حمل أوراقه الى داخل الوطن .. لم أتفاجأ بأن يكون ذلك السياسي هو انت .. وعليه فليكن مدخلنا لحوار اليوم تعريف القارئ بالدوافع الأساسية وراء هكذا قرار ؟! .
 
ج : لابد أن ذلك جاء نتيجة لقراءة تستنتج ان مرحلة من التاريخ الليبى سادت فيها التوتاليتارية تؤول الى الزوال بينما بوادر مرحلة جديدة نعبر فيها الجسور الى دولتنا الديمقراطية الحديثة قد بدأت تملأ الافق ببشائرها ، لذلك أود أن اكون مع الآخرين فى قوافل العبور ..فقد استطيع أن أعاونهم فى شىء..والأمر ليس مفاجأة فقد كتبته منذ اكثر من عام، ودافعت عنه فى اكثر من حوار.
 
كما ان أصل الأمور أن نكون فى الداخل ، ولن يكون الوجود فى الخارج دليل الوطنية  بل قد يدلل على أمور أخرى..واخيرا أنا لا انتمى لأولئك الذين لم يتخذوا مواقف سياسية  إلا بعد ان خرجوا من ليبيا، انا مارست حقى فى التعبيرالسلمى عما اعتقد فى الداخل ..أولا ومنذ عام 70 ، ودفعت ثمن ذلك سجنا ،و أود ان أعود الى ممارسة هذا الحق هناك من جديد مشاركا خمسة ملايين ليبى فى حواراتهم واحلامهم وآمالهم.. أتمنى ان يمهد هذا الطريق لآخرين للعودة "النشطة" فشخص واحد لايعنى شيئا، بقدر أهمية مجاميع  من عشاق الحرية و المصلحين ، تستطيع ان تسرع بقوافل العبور نحو ليبيا الديمقراطية الحديثة. 
 
س : بصراحة .. هناك همس بأن للموضوع صلة بالأمريكان .. أو بالأصح بالأجندة الأمريكية .. أترك لك حرية نفي أو تأكيد هذا الهمس ؟! .
 
ج: إن كان ذلك يعنى أننى أنفذ أجندة امريكية فهذا هراء ، فلا أعتقد أن امريكا تحتاج الى جهدى ففى طرابلس قائم باعمال إسمه " جريك بيرى " ينفذ الأجندة الأمريكية وفى واشنطن يوجد السفير " علي الأوجلى " الذى يلتقي باسم ليبيا مع الأمريكيين كل يوم .. والوفود ذاهبة عائدة كل اسبوع ..فكيف يمكن ان يعتقد أحد أن اى من الطرفين يحتاجنى كوسيط مع الآخر..إنها اوهام العاجزين عن تحويل أفكارهم الى اجندات سياسية ووضع ما يكفى من الجهد وراءها وكذلك القبول بدرجة معقولة من المخاطرة لوضعها على الطاولة..اليس اللجوء الى نظرية المؤامرة دليل عجز عن التأثير او حتى فهم ما يحدث.
 
الأجندة الوحيدة هنا هى اجندة محمد بويصير المتواضعة جدا و التى كما قلت لك تقوم على قراءة تعي المتغيرات و اتجاهاتها. والتى تستند على فهم التحولات فى ليبيا خاصة التطور فى  رؤية العقيد القذافى للأمور.
 
س : إخترت أو حددت يوم 29 اغسطس موعدا لعودتك .. هل لهذا التاريخ مغزى .. أم هو مجرد يوم كاي يوم ؟! .
 
ج: كلا،جاء ذلك نتيجة ظروف عائلية فاطفالى الذين يقضون الصيف مع اطفال الأسرة لدى جدتهم فى مصر كان من المفترض ان يعودوا قبل ذلك التاريخ . ولكن ازدحام الطائرات أدى الى أن لا يتمكنوا من العودة إلا بعد 22 من الشهر ..وحيث لابد ان أبقى معهم يومين لتأمين احتياجاتهم فترة غيابى ، لذلك اضطررت لتأجيل سفرى الى الـ 29 من اغسطس حيث سأصل على التونسية الى بنغازى ، سأكون هناك قبل " أول سبتمبر " و هذا يهمنى .
 
س : استاذ محمد .. لو طلبت منك أن تضع عنوانا لرجوعك .. فهل سيكون " عودة الى الوطن " .. أم  " زيارة للوطن " ؟! .
 
ج : زيارة من أجل العودة .. قد تكون الأدق.
 
س : جواب دبلوماسي أقبله .. ولكنه يضعني أمام سؤال أخر .. حقيقة أريد أن افهم بوضوح .. هل أنت ذاهب الى ليبيا لطرح مقترحات لحلول للازمة السياسية .. أم لمناقشة ذات الأزمة .. والقبول بما تفرزه طاولة النقاش ؟! .
 
ج: لا .. أعتقد أن الأمور بهذه السهولة...........
 
س: مقاطعا : إذن حدثنا كيف ترى الأمر ؟! .
 
ج: أنا ذاهب أولا لمعانقة الأهل و الأصدقاء والزملاء، لقراءة الفاتحة على قبر "صالح"، وللأستماع "باهتمام" للناس و خاصة مثقفينا ، للفهم و التعلم و الإستزاده وسوف يؤدى هذا الى تحسين خطابى السياسى او حتى تطويره ،فلابد ان للأمور نكهة لا يمكننا أن نستشفها عن بعد .. وإذا دعيت الى النقاش سأقول ما أعتقد بكل امانة ، و سأستمع قبل ذلك بكل اهتمام ..إن احدى مشاكل نقص الخبرة السياسية ان الناس يتوقعون النتائج حتى  قبل أن يعاينوا المدخلات ويتعرفوا على الآليات التى تحكم انتاج تلك النتائج.. واعتقد أننى بعد 36 عاما فى هذا الحقل قد تخطيت ذلك .
 
كما لم أدعى يوما أننى احمل حلولا، كل ما لدى هى رؤوس مواضيع مطروحة للنقاش وعليها أن تثبت جدارتها على طاولة النقاش حتى يمكن ان نسميها سوية، حلولا.
 
إن الحلول الحقيقية هى تلك الناتجة عن حالة حوارية مستمرة، وهى تلك التى تقر فى مضامينها بأنها مؤقتة و أن تبنيها ايضا سينتج أوضاعا جديدة ، لها مشاكل جديدة ، تحتاج الى حوارات جديدة لإنتاج حلولا جديدة .. هكذا تعلمنا البشرية فى صعودها الدائم نحو الأفضل ،من انتصاب الإنسان على قدمين ، الى استئناس الدابة واختراع العجلة ثم القطار ثم السيارة ، الى الطائرة الى فضاء المجموعة الشمسية ومنه الى المجرات ألأخرى ، كل منها كانت حلا افضى الى وضع جديد ومشاكل جديدة ، كل منها ايضا جاء بحزمة اوضاع سياسية واجتماعية جديدة افضت الى ما بعدها بلا توقف ،إنها يا عيسى قصة فهم الإنسان، ذلك المخلوق الرائع، لكل ما حوله وعمله الدؤوب للسيطرة عليه وتطويعه من اجل تحقيق سعادته.
 
س : أخبرت أحد الأصدقاء عن رغبتي فى إجراء مقابلة معك .. فطلب مني أن أسئلك .. لقد عدت سنة 93 .. ثم غادرت معارضا .. وها انت اليوم تعود .. فهل تعتقد بأن هناك ما يستحق مثل هذا القرار ؟! ومن زاوية أخرى ..هل يستشعر بويصير وجود تغيرات جادة على المسرح السياسي ؟!.
 
ج: لا.. هذه المره أنوي البقاء.. والحقيقة أن الزمن الأن يختلف عن 1988 فى كل أبعاده وهناك بوادر مهمه لمرحلة جديدة.. و سؤالى هنا ، ما هو دور السياسى.. هل هو حصد النتائج عند حدوثها ؟..ام الخوض بشجاعة فى عملية الزراعة ابتداء من الحرث ؟! .
البعض يضع شروطا و هذا حقه ، ولكني من النوع الذى يحب المشاركة فى الزراعة ابتداء من الحرث ، و ليبقى للآخرين متعة الإنتظار حتى زمن الحصاد.
 
س : إذا طلبت منك استاذ محمد ـ إنطلاقا من أتفاقنا على أن " السياسة فن الممكن " ـ أن تحدثنا عن ملامح الورقة السياسية التى تراها الأقرب لنموذج التعاطي مع هذه المرحلة.. فماذا تقول ؟!.
 
ج : لنتحدث عن نقطة  البداية .......
 
س: طيب لنتحدث عن نقطة البداية .
 
البداية تكون من إتخاذ العقيد القذافى من خلال موقعه و بقدراته كمصدر للإرادة السياسية فى ليبيا  لقرار الإنتقال الى المرحلة التالية ، و اعتقد مخلصا أنه قد إتخذ هذا القرار، حينها لابد فتح حوار وطنى جاد حول رحلة العبور الى الدولة الديمقراطية الحديثة و تفاصيلها ، ويمكن لهذا الحوار أن يتخذ اشكالا مختلفة . إلا أن نجاحه يتوقف على ثلاث شروط يجب تحقيقها مسبقا.. وهى قرارات سيادية لابد ان يتبناها العقيد القذافى:
 
أولا: تسوية كل ملفات المرحلة السابقة من مقتل الماجرى تحت التعذيب عام 1970 ..الى اغتيال ضيف الغزال عام 2005 ..مرورا بكل ما بين هاذين الملفين، منصور الكيخيا ، بوسليم ، عمر النامى، جاب الله مطر و غيرهم، وهنا لابد من ان تكون تلك التسوية حقيقية ، وفى ظل ما ندعيه دائما من رقي و تسامح فى ثقافتنا ،لأن ذلك سيضفى الثقة والمصداقية على كل ما سيلي.
 
ثانيا: العفو العام و الشامل الذى يضمن اطلاق سراح كل المسجونين لأسباب سياسية ..و عودة المغتربين و كذلك كل من تورط فى اعمال افضت الى موت او تعذيب الليبيين او اعمال مسلحة ضد السلطة و ذلك لتحقيق الإلتفاف الشعبى اللازم حول المرحلة الجديدة.
ثالثا: قرار يسمح بمساحة كافية للحوار وتحصين الناس ضد التنكيل ..مع إتاحة أدوات التعبير أمام الجميع و كذلك السماح بالعمل الجماعى العلني و السلمي ، مما يعنى ان هذا الحوار سيكون ثريا بآراء الجميع مهما اختلفت ارآءهم..اذا تحققت نقطة البداية هذه نكون فعلا قد بدأنا الرحيل من هذا الواقع البائس الى جسور العبور نحو العالم الجديد.
 
س : السؤال الذى يطرحه رجل الشارع البسيط  ـ الذى يسمع عن قصة الإصلاح أو " التطوير " ـ هو لماذا لم تصل أثار الإجندة الإصلاحية اليه .. ففى رأيك لماذا لم تمس بعد احتياجاته الإساسية .. وتخفف من معاناته اليومية .. اليس هو المعني بالإصلاح .. ام المعني طبقة سياسية تمارس لعبة الكراسي ؟!.
 
ج : الأمور فى ليبيا ليست مجمدة بل فى انهيار مستمر، بدليل مشروع ناطحات السحاب التى لا تعدوا كونها ديكورا يريدون أن يخفوا وراءه العجز عن ايقاف الإنهيار، و لذلك تزداد معاناة المواطن و كما قلت فى المستقلة "النظام التوتاليتارى" يبدد اى محاولة للإصلاح .. يقول جورباتشوف فى كتابه "البريسترويكا".. "فى ظل هذا النظام اشعر و أنا على رأسه كمن يقود شاحنة مسرعة على طريق جبلى ، يحرك مقودها الى اليمين فتتجه الى اليسار ثم يحركه الى اليسار فتتجه الى اليمين، و لم يتبق امامى الا انتظار لحظة السقوط من الطريق الى الهاوية".
 
لابد للعقيد القذافى ان يفكك هذا النظام التوتاليتارى من اجل إقامة دولة ليبيا الديمقراطية الحديثة..اى الإنتقال من دولة الإيديولوجية الى دولة الإزدهار.. والإزدهار هو مطلب المواطن الليبى أكثر من اى شىء آخر.
 
س : الواقعية صفة مهمة يُحتاج اليه لوصف سياسي ما بأنه سياسي .. فهل تعتقد بصراحة بأن القيادة الليبية تمتلك من الواقعية ما يكفي لمعالجة الإختناق الذى تعاني منه البلد ؟! .
 
ج : أعتقد ذلك .. ودعنا نجعل الأحداث تؤكد ذلك او تنفيه. فالسياسى الذى تخندق داخل آرائه بفعل السلطة او شعوره المفرط بالقوة ،رأيناه جميعا يهلك ..او على الأقل يخرجوه من حفرة قذرة، وذلك لعدم فهمه لجدية ما يجرى حوله ، وكما يقولون "نقطة ضعف الأقوياء تكمن فى إيمانهم المطلق بقوتهم." .. من متابعتى للعقيد القذافى اعتقد أنه بخبرته يفهم جيدا حركة التاريخ .. و هو الآن يتعامل مع تلك الحركة بموضوعية .. بل انه فى هذه اللحظة التاريخية يفرد اشرعته لرياحها ..الأمر الذى قد يخرجنا جميعا من هذا المأزق ، و يحفظ لنفسه موقعا لم يتبوأه إلا من فهموا حركة التاريخ.
 
س : كثر الكلام داخل الوطن عن ضرورة الإصلاح .. وطال آمد الحديث عنه.. رغم وجود دعوة صريحة إنطلقت من داخل ليبيا ( المغيربي / المسماري ) تدعو الى عقد مؤتمر وطني لمناقشة الأزمة .. مؤتمر ـ كما وصف ـ لا يقصى منه أحد .. فى رأيك لماذا لم تلقى هكذا دعوة أذانا صاغية برغم من كونها منطلقة من داخل الوطن ؟! .
 
ج : أتصور ان الدعوة الصادرة من أصدقائى "المغيربى و المسمارى" لازالت مطروحة للنقاش ، وهى فى النهاية اقتراح جيد لشكل من أشكال الحوار الذى نحتاجه ، المهم هنا هو حماس العقيد القذافى للفكرة وكذلك توفر الشروط المسبقة الثلاث التى ذكرتها: التسويات، العفو العام ،مساحة التعبير ، لأنه بدونها نكون كمن يعتقد ان كل ما تحتاجه شاحنة جورباتشوف هو طلاء جديد.. سيهمنى المشاركة وبكل حماس فى اى مؤتمر او ندوة تعقد فى الداخل تبحث فى الإصلاح .. ولكنى لن أحضر مثل هذا المؤتمر إن عقد فى الخارج .. فموقع الإنعقاد هنا" ذو مدلول سياسي محوري".
 
س : طيب .. على صعيد المهجر .. هناك الان أحزاب .. وجمعيات .. ومؤسسات .. هناك مستقلون وتحالفات .. هناك مؤتمرات .. ومنتديات .. سؤالي : كيف يرسم محمد بويصير الخارطة السياسية المستقبلية فى ظل الظروف الدولية والمحلية ؟! .
 
ج : رغم الجهد الذى يبذله البعض إلا أن تجربة المهجر تحتاج الى الكثير من النقد ،ومع احترامى للتعددية فى الآراء إلا أنني لن أفوت هذه الفرصة لأحدد بعض رؤوس الأقلام التى لابد وان يضعها الجادون فى الخارج موضع نقاش:
هناك أزمة فى العلاقة مع الحقيقة وفهم الواقع سواء الذاتي او الموضوعي ..الأمر الذى ينتج عنه قصور فى الوعى.
هناك أزمة فى مضمون الخطاب: و انا استعير هنا من صديقى فضيل الأمين الذى يقول" لايكفي ان نقول نحن ضد ماذا، بل لابد وأن نبذل الجهد لكى نوضح نحن مع ماذا، ليس على طريقة الترديدات المجوفه ولكن انطلاقا من فهم للواقع ومعطياته".
 
فالخطاب السياسى لبعض معارضي المنفى متخلف وساذج و غير واقعى لذا لم يتمكنوا من تسويقه ..لا فى الداخل و لا فى الخارج.
 
اما عن المستقبل فأتصور ان الأمر يتوقف على نجاح العقيد القذافى فى توسيع دائرة الحوار كما اسلفت ، فعندما يرى الجادون أن أمامهم مساحة لممارسة حقوقهم كمواطنين .. عندها سينخرطون فى هذا الحوار من داخل البيت الذى سيتسع للجميع بإختلاف اجتهاداتهم ، أما اذا لم ينجح فى ذلك فستبقى هذه الإزدواجية حكم متسلط فى الداخل .. و معارضة رافضة فى الخارج.
 
س : فى رايك .. سيد بويصير .. هل تجاوزت الأحزاب الليبية مفهوم الحزب الإيديولوجي ؟! .
 
ج : اى أحزاب ؟!! .. ليس هناك إلا الأخوان و تفرعاتهم او إنشقاقاتهم .. والباقى لم يكتسب جدارة هذه الصفة بعد.. اما فى العالم فقد تم الإنتقال من الأحزاب الإيديولوجية الشبه عسكرية التى تلتف حول ايديولوجية واحدة ..و زعيم واحد اى "الستالينية" سواء كان مضمونها الفكرى يستند على فكر قومى او ماركسى او حتى دينى .. الى أحزاب هى تحالفات مرنة بين مجاميع لها مواقع متشابهة او متقاربة من العملية الإقتصادية والقضايا الإجتماعية فى المجتمع وما يترتب علي هذه المواقع من اعباء سياسية ، وهى لطبيعتها هذه لا تلتف حول ايديولوجية او زعيم أوحد ..ولكنها تتفق على مشتركات تختار لها من يتولى مسئولية الدفع بها، حتى اشعار آخر، فى وسط التنافس السياسى الذى تقوم عليه فكرة الديمقراطية.
 
لابد ان يكون العمل السياسى الجماعى العلني والسلمي احد مطالبنا ، والأمر ليس معقدا كما اتصور بل يمكن البناء على تعديل القانون 71 حتى يصير التجريم للعمل السرى فقط .. و كذلك تطويرالقرار الأخير الذي يسمح للمواطنين الإنخراط فى جماعات سياسية، واعتقد إن امكنا فتح حوارات حول هذا الموضوع قد نصل الى صيغة نبدأ بها.
 
س : على ذكرالتيار الإسلامي .. كيف تفهمه .. أستاذ محمد.. وكيف تقيمه ؟! .
 
ج : انا أحترم التعدد الفكرى : كما أن الحديث عن التيار الإسلامى لا علاقة له بالحديث عن الإسلام .. التيار الإسلامى أحد الوان الطيف فى ليبيا وهو قد استطاع تحقيق مواقع مهمة فى كل المنطقة نتيجة لمجموعة عوامل: سقوط التجربة الناصرية بكل زخمها التقدمى ،وازدياد النفوذ السعودى مع ارتفاع اسعار النفط ،وتجيير آيات الله للثورة الإيرانية لحسابهم رغم أنهم لم يكونوا أكبر الفاعلين فيها، اصداء دعوة الجهاد فى افغانستان  ودعم امريكا لها منذ زيارة "زبيج برزنسكى" الى بيشاور، وأخيرا الأنظمة الإستبدادية التى صادرت على الجميع حق التجمع إلا على المساجد التى لم تستطع المساس بها ، كما منعت كل كتب الفكر الحديث ليتبقى الفكر السياسى  الدينى الذى من خصائصه انه ينقل سمعيا .بالإضافة طبعا للتأثير الطاغى للدين الكريم علينا .. و الذى يسمح للبعض بخلط الأوراق السياسية وسط مفاهيمنا المقدسة مثل طاعة الله وحب الرسول "ص".
 
ومع عدم المساس بجهود تحديثية للكثير من المفكرين الإسلاميين .. إلا أن التيار بمعظمه لم يستطع الإستفادة من فترة الصعود التى ذكرتها ، اى التى استمرت أربعين عاما والتى شارفت على الأفول ، فهو بدلا من أن يغوص فى مشاكل التنمية بواقعية ،الأمر الذى يحتاج الى تجديد نجح فيه حزب "اردوغان"، الذى أقر بأن الدين دين والإقتصاد اقتصاد والسياسة سياسة، بقى اسير مفاهيم ايديولوجية كثير منها ما هو بعيد عن تلك المشاكل التى هى مركز اهتمام الناس..إن وجود حوار مفتوح فى ظل الديمقراطية سيضعهم أمام تحديات ليست موجودة الآن..لذا فان لم ينخرط اخواننا من السياسيين الإسلاميين فى اعادة صياغة مفاهيمهم من خلال غايات تنموية وقراءة عصرية قد يصبحون ذكرى من الماضى ، وهذا ما لا أرجوه..إن عليهم أن يعطوا اهتمامهم للوطن وهو حقيقة قائمة على الأرض على حساب الأمه التى يصعب التعرف عليها خارج كتب التاريخ.
 
إنهم بلا شك مستهدفون فى المرحلة القادمة من قوى عالمية متحالفة صارت تعتبرهم رافد من روافد الإرهاب .. و نحن سنقف معهم .. ولكن عليهم أن يقفوا مع انفسهم أولا. والأحداث الدموية فى لبنان  خلال الأسابيع القادمة جديرة بالمراقبة فهى عينة لما سنراه فى السنين القادمة.
 
س : طيب .. فى المقابل هناك من يرى أن الليبرالية ـ فى تجلياتها الليبية ـ هي لبيرالية السؤال .. بمعنى أنها مفلسة .. ولا مشروع لها غير توجيه الإستجوابات للاخرين .. كيف تعلق ؟! .
 
ج : أولا أنا لست ليبرالياً . انا أصطف مع الليبيين الديمقراطيين مع نزعة تقدمية لا انكرها ، ،وهم إن كانوا تيارا إلا ان من مصلحتهم ألا يشكلوا حزبا ، لأنهم على عكس التيار الدينى  او الأحزاب الستالينية ..مرجعياتهم متنوعة وقوتهم فى ان يكونوا دائما فى حالة جدل نقدى مع بعضهم ومع الغير، يطرح من التساؤلات اكثر مما يطرح من الإجابات ، وهذه تحسب لهم وليست عليهم ،ففى كل العالم تكون التساؤلات يوميا أكثر من الإجابات . كما ان الذين يعتقدون انهم يمتلكون إجابات كل الأسئلة التى قد تطرح فى كل زمان ومكان هم  فى الحقيقة سجناء "زنزانة فكرية" من صنعهم يريدون ادخال كل العالم إليها.
 
وان كنت لا أزعم الحديث بإسم أحد منهم ، فالكثير منهم اقدر مني على ذلك ، إلا انهم لا يحملون ايديولوجيا بقدر ما  يعتقدون ان العقل و العلم والمنطق هى أدواتهم لفهم مشاكل ليبيا  وتحقيق ازدهار ليبيا عن طريق إطلاق الليبيين من عقالهم : إطلاقهم من عقالهم الإقتصادى بفتح سوق يتحقق فيه تكافؤ الفرص و حرية المنافسة..إطلاقهم من عقالهم السياسى من خلال ديمقراطية يتحقق فى ظلها التعدد والتداول والعدالة والمساواة .. وان يبقى الشعب مصدر التشريع الوحيد وألا يفرض عليه احد شيئا، فى مناخ تسوده حرية التعبير وحرية انتقال المعلومة.مع الإنحياز اجتماعيا دائما للضعيف ، عن طريق شبكة أمان اجتماعية تجعل الفقر غريبا عن ديارنا. وكذلك الانحياز للتقدم والحداثة والإبداع ضد دعاوى الجمود والرجعية..قد لا يكون هذا مشروعا ولكنه قاعدة ضرورية لأن نبحث جماعيا فى مشروعنا الوطنى.
 
 
 
بويصير : أنا قدري .. ولنتحاسب بعد الزيارة .
 
س : أتصلت بكريمتك " لمعان " .. وسألتها عن السؤال الذى تبادر الى ذهنها عقب مشاهدتها للمقابلة وتود توجيهه إليك ؟! فقالت : باعتبارى ابنتك فالذى يشغلنى ويشغل العائلة هو سلامتك .. والمخاطرة التى قد تعرض لها نفسك بالذهاب الى ليبيا ، سؤالي : على اى أسس حسبت ذلك ؟! .
 
ج : لا أزعم ان لدى حسابات ، أنا " قدري" فى هذه الأمور خاصة منذ فارقت الدنيا لمدة 57 ثانية عندما اصبت بالسكتة القلبية عام 99..شعورى يقول أنه لا توجد مخاطرة اكثر من المخاطر العادية التى نتعرض لها كل يوم ، فأنا ألبي دعوة علنية من العقيد القذافى والذى اجزم بأنه ـ وعلى أعتاب هذه المرحلة الجديدة ـ يريد أن تكون هذه الزيارة كسرا لحواجز تراكمت عبر سنين طويلة ليس مع محمد بويصير ولكن مع كثير من مثقفى ليبيا الذين يرغبون فى ان يشعروا بالأمان الذى يسمح لهم بالمشاركة فى بناء الدولة الحديثة ، كما يحتاجهم هو فى نفس المهمة. 
 
س : طيب .. دعني أختم الجزء الأول من الحوار بسؤال إستباقي .. لعلمي بأنك تمتلك ما يكفي من الجرأة والصراحة للجواب عليه : سيد محمد .. كيف يمكنني أن أحكم على زيارتك بأنها ناجحة .. أو فاشلة ؟! .
 
ج: النجاح الذى يبدوا أنك تعنيه بين كلماتك لا يمكن أن أحققه بزياره، فأنا غير قادر على ذلك ولكن نحققه جميعا ،يحققه العقيد القذافى صاحب الإرادة والقدرة على هزيمة التوتاليتارية لحساب العبور نحو ليبيا الديمقراطية الحديثة .. وكذلك يحققه بقية الليبين إن استطاعوا الإنخراط فى عملية إصلاح حقيقية . أما نجاح الزيارة فيرتبط بقدرتى على الحفاظ على صدقى مع نفسى ، ولنتحاسب على ذلك  بعد الزيارة.
 
تابعونا فى الجزء الثاني من الحوار .
عيسى عبدالقــــــــيوم
yumuhu65@yahoo.com 
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com