10/08/2006

 


 
حوار موسّع مع الأستاذ محمد بويصير
 
حاوره : عيسى عبدالقيوم
 
" الجزء الثاني "
 

 

بويصير : تبدل المواقع والمواقف نتيجة طبيعية لتطور الأحداث .
مدخل :
 
تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الليبي المقابلة التى أجراها الدكتور الهاشمي الحامدي عبر قناة المستقلة وإستضاف فيها الأستاذ محمد بويصير و د.ابراهيم بوخزام .. وعقب إنتهاء المقابلة جالت فى ذهني عدة أفكار وتساؤلات .. ولأني علمت بوجود الاستاذ محمد بويصير فى لندن .. فقد حملت أوراقي وتساؤلاتي وسافرت إليه .. وهي بالمناسبة المرة الأولى التى ألتقيه فيها وجها لوجه .. فالبرغم من وجود إتصال وعلاقة صداقة .. إلا أن الظروف لم تسمح بلقاءنا إلا غداة يوم المقابلة الموافق 22  يونيو 2006م .. لن أطيل فقد بدأ حواري معه فى صالة فندق " كنقستون كلوز" بوسط العاصمة البريطانية .. وإنتهى عبر الهاتف من بيته بماساتشوسش .. والهدف كالعادة البحث عن المعلومات من مصدرها وتقديمها للرأي العام الليبي .. من أجل مشهد أكثر شفافية .. وبعد أن تابعنا أجوبة تساؤلات الجزء الأول من الحوار (*) .. إليكم الجزء الثاني منه .
 
س : أستاذ محمد .. كليبي يقيم فى الولايات المتحدة .. ونشط فى حقلها السياسي .. كيف تقرأ العلاقات الأمريكية العربية فى ظل هذا التناقض الفاحش بين ما تمارسه القوى العظمى .. وبين ما تبشر به حول الديمقراطية ؟! .
 
ج : قد يكون من المفيد أن نحاول الغوص قليلا فى الموضوع ، وأطلب منك ومن القارئ أن تحتملوني إن أطلت ، لنرى إن كان هناك تناقضاً بالفعل  .. أم لا .
 
ولنبدأ من محاولة تحديد المحرك الرئيسي الذى ينتج السياسة وأهدافها و شعاراتها فى الولايات المتحدة ، إنه متطلبات الإنتقال من مرحلة الإقتصاد الرأسمالي الى الإقتصاد فوق الرأسمالي ، وهى مرحلة تتحدد بدايتها بزيادة الإنتاج عن قدرة المجتمع على الإستهلاك ، وقد دخل المجتمع الأمريكي هذه المرحلة بعد انتهاء الحرب الثانية عندما وجهت الطاقات التكنولوجية والصناعية الهائلة ، التى تطورت بشكل ثوري نتيجة لإحتياجات الحرب ، الى الإنتاج المدني .
هنا يصبح فتح أسواق جديدة لتصريف الإنتاج هو المحرك الرئيسى بل والمصيرى للسياسة وأهدافها. ويجب أن نلاحظ هنا الإختلاف بين هذا التوسع ما بعد الرأسمالى وبين حركة الإستعمار التقليدى الذى كان يبحث عن الأرض و العمالة الرخيصة و المواد الخام .
 
كما نلاحظ أيضا أن فتح الأسواق الجديدة لا يعنى فقط بناء الدكاكين ، فهى عملية أعمق من ذلك فهو يقوم على صناعة المستهلك ، وتحسين مناخ السوق ، وتجديد الثقافة مما يجعل تغيير البنية السياسية للمجتمع لتناسب هذه الأهداف الثلاثة ضرورية .. ذلك أن هذه البنية السياسية لابد أن تحقق بدورها خمسة شروط هى :
 
حرية وسرعة إنتقال السلعة.
حرية وسرعة إنتقال المال.
حرية وسرعة إنتقال المعلومة.
حرية وسرعة إنتقال الرأي .
التجاوب التشريعى السريع مع احتياجات السوق المتجددة دوما.
 
وهذه الشروط الخمسة ماهى إلا أسس الديمقراطية الحديثة . لذا فإن رفع شعار نشر الديمقراطية ليس مكرمة أو صدقه.. ولكنها البعد السياسى لبناء الأسواق التى تحتاجها الولايات المتحدة ومعها العالم ما فوق الرأسمالي ، والتى هى ضرورية للحفاظ على الإزدهار فيه. من هنا كان سقوط المنظومة الشيوعية إيذاناً بفتح سوق فيه نصف مليار مستهلك. كما تم بالتراضي مع الصين ضم أكثر من 350 مليون مستهلك. وكذلك مع الهند التى تخلصت من قواعد " نهرو " الإشتراكية لتصير رابع أكبر سوق فى العالم فى عهد " مومهان سينج " .
 
وهنا لابد أن أذكر أن صناعة المستهلك تتطلب أن يتحصل على قوة شرائية ، لذا فقد بدأت المجتمعات فوق الرأسمالية فى نقل عمليات الإنتاج الصناعى التقليدى الى تلك الأسواق الناشئة لخلق وظائف يشغلها المستهلكون فى السوق الجديد لمنحهم القوة الشرائية التى يحتاجها السوق، مع إحتفاظ المجتمعات فوق الرأسمالية دائما بالعمليات غير الصناعية كحق المعرفة والتصميم والتمويل و التسويق و التطوير و التأمين التى أصبحت المركز الرئيسى للربح والتى تحقق لها فى نفس الوقت استمرار السيطرة على عملية الإنتاج.
 
لذا فإن السياسة الأمريكية تجاه العالم العربى ليست إستثناءً من ذلك ، فهى ومعها شركائها تريد فتحه كسوق جديد يتم ادماجه فى السوق العالمى ، خاصة وأنه نتيجة لأوضاعه البشرية لا يساهم فى الإقتصاد العالمى بأكثر من 3 فى المائة، ومساهماته الأخرى أقل حتى من ذلك، رغم موارده الغير بشرية العظيمة. وكان من الطبيعى أن يتصدى لهذه السياسة كل القوى التقليدية التى تخشى إنحسار دورها نتيجة لعملية التحديث التى لابد وأن ترافق الإنتقال من الوضع الحالى الشبه اقطاعى الذى ينكمش فيه دور العلم أمام الموروث ، الى المجتمع الحديث الذى لابد وأن تتغير فيه هذه المعادلة ، من هنا جاءت عملية 11 سبتمبر، و مع تحول الصراع نتيجة لها الى المرحلة العسكرية بدأت عمليتي استقطاب على الجانبين :
 
استقطاب فى العالم العربى حول الأصولية الدينية .. و نداءاتها بالجهاد فى وجه الغزو القادم من وراء البحر .. واستثمارها للظلم الواقع على الشعب الفلسطينى فى إثبات دعاويها .
 
واستقطاب فى العالم الآخر حول فكرة الحرب على الإرهاب مع الإصرار على فتح المنطقة و دمجها فى العالم ،إقرأ بيان الـ " جى 8 " تعرف أين وصلت الأمور، كما راقب المشهد السياسى الأمريكى لتعرف ان المجتمع الأمريكى يتحرك بوعيه الجماعي الى اليمين .. و يتخذ موقف من الأصولية الإسلامية لا يختلف عن موقفه من النازية او الشيوعية التى ناهضها حتى أزاحها من على وجه البسيطة.
 
أعتقد أنه إنتفى التناقض هنا ، ولكن المهم هو أن نعرف أن العنف لازال فى مراحله الأولى ، فمن شاهد قصف كابول لم يكن يتصور قصف بغداد .. و لم يخطر له على بال ان يشاهد قصف بيروت ،إننى أقول دائما " اننا لو كنا نعيش فى زمن الحرب العالمية الثانية لكنا مازلنا فى خريف 1939 ، مازال امامنا الكثير من المعاناة و الألم ، والعنف سيمتد الى عواصم لا نتصورها الآن".  إنه تسونامى التاريخ الذى لا نستطيع ايقافه.  
 
س : طيب .. على الصعيد الليبي .. تباينت ردود الأفعال حيال عودة العلاقات الليبية الأمريكية بين مرحب ومستنكر ومتخوف .. حتى أني قرأت للأستاذ محمود البوسيفي قوله ـ فى هذا السياق ـ " المتغطي بالأمريكان عريان ".. كيف قرأ محمد بويصير القريب من الدوائر الأمريكية السياسية عودة العلاقات ؟!.
 
ج : من الطبيعى أن ينتج عن عملية الإستقطاب هذه كثير من مشاعر العداء لأمريكا ، ولكن ان وضعنا الإختيارين التاليين أمامنا :
 
التصدى للولايات المتحدة و معها العالم كله ، والإنخراط فى التعبئة و تأجيج المشاعر استعدادا ليوم تكون فيه بنغازى وطرابلس داخل دائرة القصف .. ولنبدأ بعدها فى استجداء العالم لوقف اطلاق النار و مساعدتنا على لملمة جراحنا.
او تجنب المواجهة معها والحفاظ على إستقلالنا كشريك متحمس للإندماج فى العالم الجديد مع كل ما يتطلبه ذلك من عمليات التحديث .
 
فإننى أنحاز ـ بلا تردد ـ الى الإختيار الثانى ، فأنا من أنصار ثقافة الحياة ومعارضى الدعوة للإنتحار.. كما أعلم تماما أن المواجهات تحسمها القدرات على الأرض و ليس تقارير الجزيرة او اهازيج عنتره ، لذا فقد جاء اختيار العقيد القذافى فى 19 ديسمبر2003 تعبيرا جريئا عن اختيار الحياة ، كما أكسبت عودة العلاقات فى مايو الماضى هذا الإختيار أبعادا عملية يمكن من خلالها التعاون فى إعمار بلادنا بدلا من توريطها فى مستنقعات البارود.
 
أن نساعد أطفال لبنان أهون لدي من أن نستجدي المساعدة لأطفال ليبيا.
 
إننى أطلب من كل من يعارض علاقات ليبية أمريكية طبيعية او يطالب أن ننخرط فى المواجهة معها أن يحدد لنا الفوائد التى ستعود علينا من ذلك ، أما أنا فمن أولئك الذين يرون أن علاقات طيبة مع واشنطن تعني بالإضافة للبعد الإستراتيجي الذى تحدثت عنه سابقا ، معونة أكبر دولة فى العالم لنا فى عملية التنمية والتحديث الإقتصادي والسياسي التى نحن بحاجة حقيقية لها.
 
ذلك مع المحافظة على إستقلالنا كشريك فى هذا العالم .. وليس كطريد منه.

 

 
أ. محمد زيان (حقوقي )... د. مصطفى  عبدالعال (إعلامي )... أ. محمد بويصير.
 
س : قيل ـ أيام الحرب البارده ـ أن سبب عدم وقوع إنقلاب فى واشنطن هو عدم وجود سفارة أمريكية بها.. فى نظرك ما الذي سيجعل المواطن الليبي ينظر لوجود سفارة أمريكية فى طرابلس نظرة إيجابية  ؟! .
 
ج : لقد ولى زمن الإنقلابات ، والجميع يتحدث الأن عن التطور و الإصلاح ، و الذى أعرفه أنهم فى واشنطن متحمسون لتطوير العلاقات مع ليبيا بسرعه، وهنا أيضا لا مكان للحديث عن مكرمة ، بل ان ذلك إنطلاقاً من رغبتهم فى أن تصبح ليبيا نموذجاً باهراً لنتائج تعاون عربي أمريكي ، لموازنة النموذج العراقي الذى عندما كسروا الجرة التى كان محبوس فيها سمحوا لكل تناقضاته أن تنفجر فى وجه الجميع  أولا ، ولأنهم ثانياً يعرفون أن لدى ليبيا كل ما يجعل نتائج عملية التحديث ناجحة ، وهم يقولون إن أهم دروس العراق هو أن تطوير المؤسسات الموجودة وتحديثها بالتدريج أفضل كثيرا من إلغائها حيث يصبح التطرف والأصولية هو المؤهل لسد الفراغ الناتج عن ذلك ، وأنا أضيف على ذلك عوامل أخرى فغياب طبقة إجتماعية أو مؤسسة عسكرية حاكمة او بيروقراطية متحكمة او حزب عقائدي متمرس فى الماضي يجعل عملية التحديث رهناً بحماس العقيد القذافى لها ، الذى أعتقد أنه قد اتخذ قراره منذ مبادرة 19 ديسمبر، وكذلك بإنخراط شعبنا فيها .. وأعتقد أن الأغلبية من شعبنا متشوق لمستقبل تفتح فيه أمامه الفرص لبناء بلاده و الإستمتاع بخيراتها ، أى للدولة الديمقراطية الحديثة.   
 
س : لا أحب الإنطلاق من هواجس نظرية المؤامرة .. ولكن هذا لا يمنعني من سؤالك : هل تعتقد ـ سيد بويصير ـ بأن هناك أسرار لم تقال فى سياق عودة العلاقات الليبية الأمريكية ؟! .
 
ج : السر الوحيد هو الرغبة الأمريكية فى تطوير العلاقات بسرعة ، ويبدو أن الرئيس بوش يريد أن يرى مردود هذه العلاقات ، النموذج الليبى ، قبل نهاية ولايته .
 
لولا الحرب اللبنانية لكانت رايس قد زارت ليبيا  بالفعل ، فقد كان وفد يضم ولش واليوت يحضر لزيارة تمهيدية، كما سيتلقى العقيد القذافي أول رسالة تهنئة من الرئيس بوش فى عيد الفطر القادم .. وقد يتلقى التهنئة منه فى أول سبتمبر للمرة الأولى منذ 28 عاماً، ومع تطور الوضع سياسياً و اقتصادياً لا أستغرب زيارات ولقاءات على مستويات أعلى.
 
إن الأمور متسارعة بقدر تسارع الأحداث شرق الإسكندرية ، اي فى الشرق الأوسط .
إن اهتمام الإدارة بليبيا ينعكس بوضوح على المؤسسات البحثية فى واشنطن ، لدرجة أنني دعيت من ثلاثة منها لتقديم ملاحظاتي عن الإصلاح وامكانياته بعد عودتي من هناك ، بمجرد أن عرفوا بنيتي للسفر .
 
س : دخول أمريكا على خط الأحداث الليبية لاشك أنه سيعطي المشهد زخماً أكبر .. وربما تبدلاً فى المواقف والمواقع .. وسط هذا الزخم هل يزعجك ـ أستاذ محمد ـ لو شبهت مواقفك بمواقف " وليد جنبلاط " ؟! .
 
ج : لا أعرف إن كان التشبيه صحيحاً ، على العموم أنا أرى فيه اطراء ، فالأستاذ وليد رجل شجاع ، وهو مسلح بمعرفة تجعله يختلف عن الآخرين ، وقادر على التعبير عن أفكاره بقدرات لا يمتلكها الآخرون ايضا .
 
أما عن تبدل المواقع و المواقف فهو نتيجة طبيعية لتطور الأحداث ، وللتوضيح دعني أعطيك مثالاً ، هل يمكن أن نتعامل مع نظام يتحدث عن الإصلاح وأخطاء الماضي التى يجب ألا تكررفى سنة 2006 ، بنفس الطريقة التى كنا نتعامل معه فيها عندما كان يرسل فرق التصفيات و يهدم البيوت ، لا أعتقد ذلك .
 
إن الحالة السياسية هى حالة متحركة يتغير فيها الخطاب و التفاعل مع الحفاظ دائما على وضوح الرؤية وثبات الغايات التى تتمثل فى بناء دولة ليبيا الديمقراطية الحديثة.
 
الجمود السياسي لن يقود لأكثر مما حققته حكومة بولندا فى المنفى التى أسسها "سكورسكي " فى لندن عام 39 .. والتى حلت نفسها عام90 .. اي لا شيء.
 
س : كمثقف .. كيف تنظر أستاذ محمد للمشهد الثقافي الليبي ؟! .. أم أن بويصير السياسي .. غلب على بويصير المثقف .. فى خضم تسارع وتيرة المسار السياسي ؟! .
 
ج : سيكون المشهد الليبي من أهم المشاهد فى المنطقة .. وأكثرها غزارة عندما يطلق من عقاله ، و تقوم الدولة بدورها فى دعمه ، وتتوقف عن محاولة السيطرة عليه او تغميمه أيديولوجياً .
 
عندما يصير فى ليبيا مائة جريدة ومجلة .. وخمسون إذاعة و تلفاز، عندما يصبح الكتاب أنيس المواطن ، و عندما تصير المعرفة أساس النجاح ، عندما نأخذ أطفالنا لمشاهدة فيلم ليبي ، أو مسرحية ، أو الذهاب لقاعة للموسيقى ، أو لمشاهدة استعراضات راقصة ، عندما يضع مجتمعنا الفنان و الفنانة فى نفس مرتبة الطبيب و القاضى ، عندها لن تكون الثقافة فقط تأوهات المثقفين .. ولكن أحد ركائز الحياة فى ليبيا التى تعطيها مذاقها الحقيقى .
من جهة أخرى .. لا أرى عازلاً بين الثقافة والسياسة ، فالسياسى غير المثقف طبل أجوف ، والمثقف غير المسيس انتهازي بطبيعته ، يضع السرج لكل من يريد أن يركب الحصان .
 
س : طيب .. سؤال بعيد قليلاً عن النسق ولكنه يرد بإلحاح .. هل تخلى محمد بويصير عن يساريته لصالح فكر الليبراليبن الجدد .. أم ماذا ؟! .
 
ج : أنا لم أكن يوماً عضوا فى منظمة شيوعية ، كما أننى لم أنخرط فى أي عمل ذي علاقة بالصراع الطبقي ، وذلك ببساطة لأنه ليست هناك طبقات فى ليبيا ، كل ما هناك فئات إجتماعية عمرها قصير:
 
فعندما جاء الأتراك فى المرة الثانية عام 1835 بدأوا فى بناء مجتمع جديد حول المدن ولكن هذا لم يستمر .. ففى 1911 جاء الطليان ليمسحوا ما فعله الأتراك و يستبدلوه بمستوطنيهم كمركز للمجتمع الجديد ، الأمر الذى لم يستمر بدوره ففى 1943 جاء الحلفاء و معهم الملك ادريس و المهاجرون فى الخارج ليكونوا مركز مجتمع المرحلة الملكية ، إلا أن ذلك لم يستمر أيضا ففى عام 1969 جاء العقيد القذافى وأحل خلال سنوات مجموعات جديدة فى مركز المجتمع.
 
إن تلك التغييرات الحادة لم تسمح بقيام طبقات كما أن أدوات الإنتاج لم تؤدي الى ذلك فهي فى مجملها متخلفة .
 
من هنا ، فإن اليسارية فى ليبيا لا يمكن أن تكون موقفاً طبقياً ، إلا إذا كانت إنحيازا لطبقات خارج ليبيا ، ولكنها دعوة الى التحديث و التقدم ، وانحياز الى العقل و تفعيل دور العلم ، الجرأة فى نقد الموروث ، إنها دعوة للعدل و المساواة عن طريق تكافؤ الفرص.
 
كما أن التمسك بالنماذج "التوتاليتارية" التى أسقطتها شعوب وسط وشرق أوروبا هو نوع من السلفية اليسارية التى تجيد بكاء الأطلال أكثر من إهتمامها بصناعة الغد.
 
إننى لا أنفي إيماني المطلق بقدرات الإنسان ،هذا المخلوق الرائع ، على صناعة الحياة وهزيمة كل ما يقف فى طريقه من أجل ذلك ، لذلك فلابد أنني على يسار كل من لا يؤمنون بذلك .
 
س : بصراحة .. عندما تكتشف أنك أخطأت .. ما هو أول شيء تقوم به ؟! .
 
ج : من عادتى أن أقرّ بأخطائي ، وهي على العموم ليست قليلة ،أقر بها بل وأعتذر إن كان هناك من تضرر نتيجة لها، وأكثر ما أكره هو الإنسان المكابر الذى لايقر بأخطائه ولا يعتذر عنها . كما أنني لا أحب العداوات .. وأبادر دائما للتصالح، بل و إيجاد المخارج للآخر.
 
س : البعص يتساءل : أين محمد بويصير الكاتب ؟! .
 
ج : لدي مشروع كتاب عن " فلسفة التحول من المجتمع شبه الإقطاعي الى الدولة الحديثة فى ليبيا " ، أرجو  أن يرى النور العام القادم فى ليبيا التى ستتسع لكل وجهات النظر.
 
س : ما الذى يشغل بالك مما يمكن أن نسميه مشاريع المستقبل ؟! .
 
ج : زيارتي لليبيا نهاية هذا الشهر .
 
س : دعاك د. بوخزام لمشاهدة الفضائية الليبية للتعرف على المشهد الليبي .. سؤالي هل أنت ممن يشاهدون الفضائية الليبية ؟!.. أم أنك ستشاهدها ؟!.. أم لك رأي أخر ؟! .
 
ج : أنا لست من مشاهدي التلفزيون المطيلين ، والفضائية الليبية هي فى الحقيقة فضائية اللجان الثورية .. و ليست فضائية كل الليبيين ، لذلك لا أشاهدها إلا صدفة أو لمتابعة حدث ما .. الحقيقة إنها تعطي الإنطباع بأنها تبث من كوكب آخر.. كوكب خال من السكان .
 
أعرف صديق  فى " ميريلاند " يستعملها لمعاقبة أطفاله وذلك بأن يجبرهم على مشاهدتها لمدة ساعه كلما ارتكبوا خطأ ، وقد رأيت أصغرهم  يبكي حتى لا يجبر على ذلك بعد أن تأخر مع أصدقائه فى الشارع .
 
لوكنت محل القائمين عليها، وبالتأكيد إننى لا ألومهم بالذات، لعملت استطلاعاً للرأي لأعرف كم من الناس يشاهدونها. بل وماذا يريد الناس أن يشاهدوا.. فلابد أن فى مقدورهم أن يطوروها.
 
س : أستاذ محمد : هل تفضل أن تصف نفسك بأنك أمريكي ليبي .. أم ليبي أمريكي ؟! .
 
ج : أنا ليبي الهوية ، وهذا شيء يختلف عن الجنسية ، فهى حاصل التجربة الوجدانية المشتركة لنا كليبيين ، فمنذ صغرنا نسمع عن أجدادنا الذين قاوموا إيطاليا ، وحضرنا آبائنا الذين ناضلوا من أجل الإستقلال ، لعقنا نحن طينها صغارا .. ودفنا أعز الناس لدينا تحت هذا الطين .. لذا فإن العلاقة هنا تحمل كل أبعاد العلاقة بالأم ..الشوق والدفء .. والحب اللامحدود ، وحتى عندما ينتقل الإنسان لظروف قاهرة الى مكان آخر ، أكثر تقدماً و اتساعاً ، يموج بالحيوية و الإزدهار ، فإن ذلك لا يعدو كونه إنتقال لبيت زوجة الأب ، ومهما كانت هذه السيدة متحضرة و متعلمة وكريمة .. فهى مازالت زوجة الأب التى لا تحل محل الأم .
 
لا أحد منا يمكن أن تكون له أكثر من أم واحدة ، ولكني لا أنكر إعجابي بالمجتمع الأمريكي الذى تعلمت منه الكثير، الصدق و الصراحة و الإلتزام وحب الحياة و قيمة العمل والعلم ، كما شاهدت كيف يمكن أن تقوم أمة عظيمة حول مشتركات ليس بالضرورة ثقافية او قومية او دينية ولكنها أفكار فلسفية تقوم على إحترام الإنسان .. ودور الفرد فى بناء المجتمع والنظرة النقدية للحياة وإحترام التنوع وأهمية الإزدهار والديمقراطية ، إنها أمور تعلمتها عند زوجة أبى التى تجوب الفضاء بمكوكها .. و أود أن أنقلها لأمى التى  لازالت تعانى من أمراض التخلف.. إننى أعتبر ذلك أفضل تعبير عن حبي لها .

 

 
 
بويصير : أنا ليبي الهوية .. والفضائية الليبية ليست لكل الليبيين .
 
 
س : دعنا ننتقل الى مربع أخر .. بعد أن قررت العودة الى ليبيا ..  ما هو أول شيء ستقوم به عقب وصولك الى أرض الوطن ؟!.
 
ج : سأقرأ الفاتحة على قبر "صالح" .. سأقف أمامه متذكراً أياماً جميلة لم يعد بالإمكان عودتها.. وكذلك معانقة عمي الوحيد "عوض" الذى لم أره منذ زمن طويل.
 
س : سيد بويصير بما أنني قد إستنفذت ما فى جعبتي من أسئلة .. فاسمح لي أن أردد على مسامعك سؤال الخواتيم : هل أنت متفائل حيال المستقبل .. أم متشائم .. أم متشائل .. على رأي من جمع بين الوصفين ؟!.
 
ج : متفائل الى أبعد الحدود ..  ودعني أستعير من شاعر الإنسانية ناظم حكمت وبتصرف قوله :
 
 إذا كان أجمل الأطفال لم يولد بعد ..
 وأحلى الأزهار لم تتفتح بعد...
 إذا كان أقوى الأنهار لم ينبع بعد..
 فلابد أن أفضل أيام ليبيا لم نعشها بعد..
 
س : سؤال توقعت أنني سأسأله لك  ولم أفعل ؟! .
 
ج : سأؤجل ذلك لما بعد عودتي من ليبيا.
 
س : أترك لك الكلمة الأخيرة .
 
ج : أشكرك يا عيسى على إهتمامك .. ودعني أقول لك بصراحة إن شباباً مثلك ومثل القزيري .. والعقيلي .. واللواج .. والمهير .. وخلود الفلاح .. يجعلني أؤمن أن ناظم حكمت على حق ، وأن المستقبل أفضل .
 
وبدوري أشكرك أستاذ محمد على سعة صدرك .. وعلى تحملك لي طيلة هذا الحوار .. وربما تكون لنا معك عودة بعد عودتك من ليبيا .
 
ج : أعتقد أنه من المناسب أن نستمر فى الحوار ، وأرجو أن يوجه إليك كل من يريد ، تعقيباته و أسئلته ، فليفتح الحوار حول موضوع العودة ، ولنعزز الحالة الحوارية ولنوسعها ، إن الحوار هو أداتنا لشق الطريق نحو المستقبل ، و تأكد أنني سأكون سعيدا بالمشاركة من بيت " أمي " معكم طالما كان ذلك ممكناً عملياً.
 
أشكرك مرة ثانية سيد محمد بويصير وأتمنى لك التوفيق .
 
والسلام .
 
عيسى عبدالقيــــــــــــــــوم
yumuhu65@yahoo.com
 

 
رابط الجزء الاول من المقابلة:
http://archive.libyaalmostakbal.net/Interviews/August2006/essa_busier_interview010806.htm 
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com