25/12/2007


خالد المهير في حوار مع على رمضان أبوزعكوك *
  • أنا لم أر وطني ولا عائلتي منذ آخر زيارة لي سبتمبر 1979، وقد تحققت الزيارة بعد أن جاءتني الدعوات التي ترحب بعودتي من العقيد القذافي.
  • هناك من لا يزال فاقدا للأمل في قدرة مؤسسات الدولة على حل إشكاليات التنمية والخروج بليبيا من حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه.
  • عندما اتخذت موقفي من النظام فقد اتخذت ذلك الموقف بقراري الذاتي.
  • بعد تغول حركة اللجان الثورية في انتهاكات حقوق وكرامة الإنسان الليبي. ساهمت مع آخرين في تكوين الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.

 
أسئلة كثيرة ومتنوعة عن السياسة والطفولة والمنفى والناس تحاورنا فيها مع الدكتور علي بوزعكوك، وكأن الحكاية ذاتها حكاية كل الليبيين، الرؤى هي الرؤى، والأمل هو الأمل، ولو في آخر النفق. نعتذر عن التأخير في نشر هذا الحوار الذي أخذ منا الوقت والجهد للسؤال في جميع التي نود أن نعرف رائه فيها لأسباب حاولنا قدر الإمكان التغلب عليها، ولكن يبدو أن الرياح لا تأتي بما تشتهي الصحافة وليس السفن.
 
نص الجزء الأول من المقابلة:
 
نود في بداية الحديث أن تأخذنا بالعودة إلى زمن طفولتك الجميل ؟ حدثنا عن الطفولة أين كانت ؟ وفي أي مدرسة تعلمت، وكيف أثرت كل هذه المحطات في حياتك العملية ؟
 
الحديث عن الطفولة لا يعني القبول بتوصيفك لها بأنها طفولة جميلة. فطفولتي التي كانت تدور في أنحاء ليبيا بين مصراتة وبنغازي وسرت، كانت تعكس ظروف الحياة الصعبة التي عشناها فقد هاجر والدي (الفقي رمضان أبوزعكوك، الحافظ لكتاب الله وخريج زاوية سيدي أحمد الزروق) من قرية السواطي بضواحي مصراتة سنة 1944، إلى بنغازي طلبا للرزق بعد أن مرت على الناس في مصراتة الأيام الصعبة والتي كانت تعرف شعبيا بأيام (اللاقبي وسبول العبيد). واستقرت أسرتنا بزنقة العوج، بنهاية شارع شمسة حيث سكنت الأسرة مشاركة في أحد بيوت أقربائنا هناك. وقد توفت الوالدة (رحمها الله) وأنا لي من العمر 3 سنوات، وقد لحقها بفترة قصيرة أخي الأصغر خليل رحمه الله. وكان الوالد يعمل مع عمال النظافة ببلدية بنغازي. وكان بعد رجوعه من العمل يعاون الفقي "لامين" إمام جامع نبوس في دروس تحفيظ القرآن. وأتذكر أنني تعودت على مرافقته للجامع، وقد بدأت في حفظ القرآن بالجامع وتعلمت الكتابة على اللوح قبل أن ألتحق بمدرسة الأمير الابتدائية سنة 1949. وقد كان لدخولي المدرسة قصة طريفة إذ لا زلت أذكر أنه حينما بدأت حكومة ولاية برقة فتح مدرسة الأمير قرر والدي تسجيل شقيقي محمد الذي يكبرني بالمدرسة، فما كان مني إلا أن لحقت بأخي وسجلت نفسي أيضا. ولا أذكر سوى بعض التفاصيل القليلة عن المدرسة وعمن كان معي فيها. ولكنني لا زلت أتذكر أن من المعلمين وقتها كان الأستاذ فرج الشويهدى. كما أذكر أننا كنا نشق طرق بنغازي وسط المباني التي دمرتها قنابل الحلفاء والمحور فقد كانت بنغازي مدينة تلملم جراحها بعد أن تعرضت لأكثر من ألف غارة! ولا زلت أتذكر المظاهرات التي عمت المدينة منددة باستيلاء اليهود على فلسطين سنة 1948 وبتخاذل الحكومات العربية وقتها، والحديث عن المجاهدين الليبيين الذين ذهبوا لنجدة إخوانهم في فلسطين.
 
وكانت ظروف الحياة الصعبة سببا في رجوعي إلى مصراتة لأعيش مع عمي عمر. وبسبب رجوعي إلى مصراتة ضاعت مني سنة دراسية كاملة. وقمت بحملة في بيت عمي لإرسالي إلى مدرسة سيدي أحمد الزروق وقد كانت المدرسة عبارة عن حجرة واحدة ومدرس واحد يدرس لكل التلاميذ وفصولهم الدراسية من الصف الأول حتى الخامس. وسخر لي الله أن أنتقل إلى سرت للعمل كمساعد في دكان ابن عمي الذي كان من تجار سرت. وفي سرت واصلت الدراسة من الصف الثالث إلى الصف الخامس. وكانت التجارة مع القبائل البدوية الذين يسكنون حوالي سرت أيام الأحد والثلاثاء والخميس. وكنت لا أذهب للمدرسة خلال أيام الأسواق، وبالرغم من تلك الظروف الصعبة كنت أعشق الدراسة، واستطعت أن أواصل دراستي بتفوق على الطلبة الآخرين. ولم يكن لي في سرت مجالا للعب فكانت تسليتي عندما أجد وقتا قراءة الكتب مثل السيرة الهلالية وقصة الأميرة ذات الهمة ونادرا ما نجد فرصة للعب كرة القدم أو الذهاب للبحر. وفي سنة 1955 عدت إلى بنغازي والتحقت بمدرسة الأمير مرة أخرى واضطررت لإعادة السنة الخامسة لأن الدراسة في سرت كانت خلوا من اللغة الإنجليزية بينما كانت الإنجليزية تدرس في بنغازي في السنة الخامسة. وفي نفس السنة فجعت بوفاة والدي. فكدت أن أترك الدراسة للبحث عن لقمة العيش. وقد تمكنت من مواصلة الدراسة بالعمل كبائع للحلويات للطلبة قبل بدء الدراسة وفي وقت الفسحة، وبعد انتهاء الدوام عملت في العديد من الأماكن. وكانت سعادتي تكمن في قراءة مجلة السندباد التي كانت تأتينا من مصر. وبالرغم من هذه الظروف تحصلت على الشهادة الابتدائية بتفوق إذ حصلت على الترتيب السادس ضمن العشرة الأوائل في برقة، وأذكر أنني سمعت اسمي يذاع في الإذاعة وأنا أقدم القهوة في مقهى سينما الحرية للزبائن.
 
من هي الشخصيات التي لا تزال عالقة في ذهنك رغم كل هذه الغربة ؟
 
يمثل الوالد (الفقي رمضان) الشخصية الأولى التي تركت في نفسي آثارا حميدة، ومن أهمها أنه حبب إلي القراءة والقرآن الكريم. فقد استطاع الوالد رحمه الله أن يتميز على بقية إخوته حين أصبح الوحيد من بينهم الذي تعلم القراءة والكتابة وحفظ كتاب الله في زاوية سيدي أحمد الزروق، حتى أصبح يطلق عليه اسم الفقي رمضان وأصبحت عائلتنا تعرف بعيت الفقي. وقد كان الوالد يعرض عليّ القرآن وكنت أتابعه في المصحف. ومن نصائحه لي بيتا من الشعر كان يردده علي مسامعي لازلت أحفظه منذ طفولتي:
 
أخاك أخاك إن من لا أخا له
كساع إلى الهيجا بدون سلاح
 
وقد فارقنا رحمه الله وكان عمري 12 سنة.
 
أما الشخصية الأخرى فقد كان أستاذ اللغة العربية بالصف السادس الابتدائي الذي أنستني الأيام اسمه فقد كان يشجعني على الكتابة والخطابة حين كان يطلب مني قراءة مواضيع الإنشاء على طلاب الفصل. وكذلك أستاذ اللغة الإنجليزية الذي وصل به تشجيعه لي أن أصدرت صحيفة حائطية باللغة الإنجليزية في مدرسة الأمير الابتدائية وكان اسمهاThe Mirror، كما تمكنا من تقديم مسرحية باللغة الانجليزية على مسرح المدرسة ونحن في الصف السادس الابتدائي سنة 1956. ولا أنسى أيضا جميل الأساتذة الليبيين الذين درست معهم سواء في مدرسة سرت الابتدائية الذين جعلوني أقدم مسرحية المروءة المقنعة أنا وزميلي محمد الكور (رحمه الله) ونحن تلاميذ في الصف الثالث الابتدائي سنة 1953. أو أساتذتي في مدرسة الأمير الابتدائية ومنهم على سبيل المثال الأستاذ خالد الغناي الذي كان شعلة من النشاط والمواهب الفنية والرياضية وقد ساعدنا على تأسيس الجمعيات الشبابية التي كانت تعني بتعليمنا الخطابة والنشاطات الثقافية الأخرى مثل المبارزات الشعرية. وكذلك الأستاذ أبوبكر الفقهي رحمه الله الذي كان يمثل الأب الحنون للطلاب في المدرسة. وفي معهد المعلمين حيث درست السنة الأولى سنة 1957 هناك، لا زلت أذكر أسماء كوكبة من أفضل المدرسين الذين درست معهم، ومنهم الأساتذة حسن سلطانه وعبد اللطيف البرغوتي وخليل الأزهري وهم من الأخوة الفلسطينيين.
 
لقد كنت أنا ومجموعة من الأصدقاء (كنا أربعة) نعشق القراءة ونلتهم الكتب، ومن شدة إعجابنا بالعقاد قررنا أن نقتدي به، وقد تركنا الدراسة الرسمية وبدأنا ندور من المركز الثقافي المصري إلى المركز الثقافي الأمريكي إلى المركز الثقافي البريطاني، نستعير منها الكتب ونحضر المحاضرات والندوات وأذكر أنه كان من هذه الشلة الزميل حسن البكوش الذي اهتم باللغة الانجليزية وله الآن مكتب لخدمات الترجمة بطرابلس. ومنهم أيضا الشاعر الأديب محمد المهدي أبوزريدة الذي اهتم بالشعر وأصبح من المبرزين فيه.
 
وفي القاهرة كان لأستاذي الدكتور إبراهيم إمام (رحمه الله) الفضل في الاهتمام بي وتشجيعي في أيام الدراسة في القاهرة التي كانت مفتقدة لروح البحث الأكاديمي والعلمي وكان يغلب على الدراسة الجامعية في قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة أيام الستينيات غياب حرية الرأي وحرية النشاط العام، وكنا نفتقد بين الحين والآخر بعض زملاء الدراسة الذين كانوا يؤخذون ضيوفا في المعتقلات، وحين كنا نسأل عنهم كان الناس يتهامسون عن هذه الأمور خوفا من بطش رجال الأمن أو من الجواسيس المنبثين في أوساط الطلبة من أعضاء منظمة الشباب.
 
وتعرفت في القاهرة على الأستاذ محمد جلال كشك (الماركسي السابق الذي ترك الماركسية بعد تأثره بثورة الجزائر) وأصدر سنة 1965 كتابيه "الغزو الفكري" و"الماركسية والغزو الفكري" وتابعهما بكتابه الآخر "دراسة في فكر منحل" تصدى فيه للكاتب لويس عوض وكتاباته. وقد ربطت بيننا صداقة عمر إلى أن انتقل إلى رحمة الله في فيرجينيا بالولايات المتحدة عندما أصيب بسكتة قلبية في الأستوديو وكان وقتها يقارع الدكتور نصر حامد أبوزيد في الخامس من ديسمبر 1993م، وكان من آخر ما كتب مقالة له في نقد نصر حامد أبوزيد نشرت بمجلة أكتوبر عنوانها "أتهمه بالجهل فيعيرني بالمرض".
 
وقد تأثرت في فترة الستينيات في مصر بكتاب مجلتي الثقافة والرسالة وكان من أهمهم الأستاذ محمود شاكر الذي كان قد دخل معركة فكرية مع لويس عوض عميد كتاب الأهرام الثقافي، ونشر مجموعة من المقالات التي كانت تعتبر عملا فكريا نادرا في مناقشة فكر ومنهج التيارات الفكرية الغريبة عن فكر وثقافة الأمة، وقد تأثرت كثيرا عندما عرفت أن النظام المصري قد أوقف مجلتي الرسالة والثقافة كما أوقف الأستاذ محمود شاكر عن الكتابة في الوقت الذي قرر فيه منح لويس عوض جائزة الدولة التقديرية!!. وقد جمع الأستاذ شاكر مقالاته تلك في كتاب متميز هو "أباطيل وأسمار" لا يزال يمثل المرجع لمن أراد أن يقف على أصول الكتابة المنهجية العربية، وفيه كشف لبعض ما يخططه الغير لثقافتنا ولأمتنا. فالأمة في حاجة إلى الوعي بالكيفية التي يمكن بها التصدي للأفكار الغريبة بمقارعتها فكريا وليس بالإقصاء وبالمنع، أو بالحبس والسجن. كما تأثرت بكتابات الدكتور محمد محمد حسين وبالذات كتابه حصوننا مهددة من الداخل.
 
ومن الشخصيات التي تأثرت بمواقفها كان موقف الأستاذ عبد المولى دغمان رئيس الجامعة الليبية وقت تخرجي سنة 1968، فقد اقترح على مجلس الجامعة ضمي كمعيد لقسم الصحافة الذي تفكر الجامعة في تأسيسه مستقبلا. وقد فعل نفس الشيء مع الزميل على شمبش الذي كان قد تخرج وقتها من قسم العلوم السياسية بالقاهرة.
 
وفي الجامعة تأثرت بشخصية الأستاذ سعيد الأفغاني الذي كان وقتها رئيسا لقسم اللغة العربية وهو القسم الذي آواني إلى حين تأسيس قسم الدراسات الإعلامية سنة 1975. فقد كان يمثل نموذجا للرعيل الأول الذي قامت على أكتافه حركة النهضة العربية بعد انفصال البلاد العربية عن تركيا.
 
وفي أمريكا تكونت لي علاقة متميزة مع أساتذة أجلاء منهم الدكتور إسماعيل الفاروقي صاحب أطلس الحضارة الإسلامية ومن أوائل الدعاة إلى تقديم منظور معرفي إسلامي الذي يرتكز على الوحي وعلى المعارف الإنسانية، وكذلك الدكتور على المزروعي أستاذ الدراسات الإفريقية المتميز في العالم. كما لا يمكنني أن أنسى شخصية الزميل الدكتور عمرو النامي الأديب والشاعر والمفكر الإسلامي الذي فقدته ليبيا وفقدته الأمة العربية والإسلامية "بدون أي جرم ارتكبه".
 
الأستاذ علي زرت البلاد قبل عام كيف تقف عند هذه الزيارة ؟ وما هي نتائجها بالتحديد ؟
 
الزيارة أولا وقبل كل شيء كانت زيارة خاصة وعائلية، فأنا لم أر وطني ولا عائلتي منذ آخر زيارة لي سبتمبر 1979، وقد تحققت الزيارة بعد أن جاءتني الدعوات التي ترحب بعودتي من العقيد القذافي، كما أن ظروف عملي في أمريكا وقصر فترة إجازتي لم تمكناني من البقاء طويلا، فقد اضطررت إلى العودة إلى أمريكا بعد 13 يوما قضيتها متجولا بين أفراد عائلتي في بنغازي ومصراتة. وقد غمرني شعور فياض ندر أن شعرت بمثله عندما وطأت قدماي أرض الوطن الحبيب. وأنا من المقتنعين أن الوطن يمثل مجموعة الذكريات والعلاقات والارتباط بالناس وبالأماكن التي عرفت الإنسان طفلا وشابا ورجلا يافعا. ويعجبني قول أحد الشعراء في وصفه للوطن بقوله:
 
والوطن هو ناسي وهو جيراني
وهو نبض قلبي وهو زها لنظار
حبـه وحب الله في وجدانـي
ما نيش م الجحاد والنكـــار
إن كنهي جريمـة حب وطني راني
مجرم عنيد انقولها باجهـــار
 
وخلاصة الأمر أن زيارتي رسخت عمليا حقي في العودة إلى وطني، و أتاحت لي الفرصة لرؤية من بقي حيا من الأهل والأصحاب. والتعرف عن كثب على ظروف معيشة الناس، ورؤية الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، مما زاد في ترسيخ قناعتي بأن ليبيا في حاجة إلى إعادة بناء البنى التحتية وإلى إعادة النظر في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. كما أن الزيارة القصيرة جعلتني أفكر مليا في ما هو الدور الذي بإمكان ليبيي المهجر القيام به لمساعدة وطنهم.
 
وماهي الملامح العامة التي استنتجتها عقب الزيارة ؟
 
أولا أن هناك بدايات في الانفتاح الاقتصادي، وأن هناك من لا يزال فاقدا للأمل في قدرة مؤسسات الدولة على حل إشكاليات التنمية والخروج بليبيا من حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه، مع وجود شعور بالإحباط عند الشباب، وبعدم القدرة على التخلص من الفساد والرشوة المنتشرة في البلاد. ولكني وجدت أيضا قلة مؤمنة بأن دوام الحال على ما هو عليه يعتبر من المحال، وأن الإصلاح قادم لا محالة، كما رأيت أن الحالة الأمنية المتشنجة التي تركت عليه البلاد سنة 1979، قد تغيرت، وأصبح الناس يعيشون حالة أفضل من الاطمئنان حتى أنهم يتكلمون عن قضايا كانت تعتبر من المحرمات، بصراحة ودون خوف.
 
وكيف كونت فكرة عامة عن البلاد بعد انقطاع لعشرات الأعوام ؟
 
أولا أود أن أؤكد أن متابعتنا لأحوال الوطن وما يجري فيه لا تزال تمثل أكبر نسبة من اهتماماتنا ونحن نعيش في الخارج، فنحن مثلا نتابع برامج الفضائية الليبية أكثر من مشاهدة المواطنين في الداخل لها. ولكن الصور التي يراها الإنسان بأم عينيه وهو يتجول في ربوع بلاده أو يسمعها من أفراد الشعب تختلف شيئا ما عن الصور التي لديه وهو خارج الوطن. وقد حزنت كثيرا لما حدث لمدينة بنغازي القديمة من إهمال وتخريب وتهديم وقلة عناية. فنحن نرى دول العالم الأخرى وهي تسعى جهدها للحفاظ على تراثها وعلى مدنها القديمة بالصيانة والرعاية لأن المدينة القديمة معبأة بعبق التاريخ، وهي تعتبر المتحف الحي الذي يأتيه الناس من داخل الوطن لرؤيته والتعرف عليه، قبل غيرهم من الزوار الذين يحبون رؤية الأماكن التاريخية، وقد حزنت عندما رأيت التهديم الذي طال سوق الظلام وقلة الرعاية التي يلقاها مبنى البلدية كأنما ترك قصدا لينهار بنفسه.
 
لقد وجدت أن هناك حالة من التسيب في الاهتمام بنظافة المدن وبتنسيق الشوارع وكتابة أسمائها كما لو أن المدينة في واد والمسؤولين عنها يعيشون في عالم آخر. وأنا متأكد أن أغلب المسؤولين يشاهدون بأنفسهم التنمية التي حققتها دول الخليج النفطية والتي تنعكس صورها على الفضائيات المتنوعة التي يغطي إرسالها أغلب قارات العالم. ولا زلت بقناعتي أن إزالة العوائق الموجودة ستتيح لأبناء المدينة رعايتها وإصلاح حالها.
 
أثارت عودتكم جدلا واسعا على مواقع شبكة الإنترنت بين مؤيد ومعارض للزيارة، من وجهة نظرك شخصياً أين تقف عند هذه الآراء ؟
 
أذكر يوما أنني كنت أناقش أحد الأصدقاء في الدعوة التي وصلتني من ليبيا بالعودة، فكان رده علي أنني عندما اتخذت موقفي من النظام فقد اتخذت ذلك الموقف بقراري الذاتي ولم يوجهني إليه أحد، وأنني عندما شاركت في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا أو عندما تركتها وخرجت منها اتخذت هذه القرارات بحسب قناعاتي الشخصية. وحصل نفس الشيء أثناء مشاركتي في تأسيس ألفا (تحالف الليبيين الأمريكيين من أجل الحرية)، ثم في خروجي منها وتركها. فالأمر أولا وقبل كل شئ أمر يخصني بالدرجة الأولى. ولكن وجود المرء في مجال الحراك والنشاط العام يجعل منه عرضة لمن قد يوافقه أو يعارضه فيما يتخذ من مواقف. ولهذا فإيمانا مني بحرية الناس في التعبير عن آرائهم، فليس لي إلا أن أقرأ أو أسمع رأي المخالفين لي في المنهج أو العمل، ما دام هذا النقد يتعامل مع القضية المطروحة بنوع من الموضوعية. والأمر المؤسف هو في الأسلوب غير الحضاري بل وغير الأخلاقي الذي انزلق إليه البعض. وأعتقد أن بعض هذه المواقف يعكس الأزمة التي يعيشها أصحابها، وأنا لم أرض لنفسي الدخول في هذه السجالات لقناعتي بالآية الكريمة في سورة الرعد: "... فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض...". ولذا فإنني على قناعة من أن انتشار حرية الرأي والتعبير يمثل الدواء الناجع لأمراض التخلف الثقافي التي أرى أن ما حصل من ردود أفعال بسبب زيارتي هو بعض من طفحها.
 
(يتبع في الحلقة القادمة)
 
kalmhirey@yahoo.com
 
* نقلا عن موقع ليبيا اليوم ـ 23 ديسمبر 2007
راجع تعليقات القراء بموقع ليبيا اليوم
 

الاستاذ على أبوزعكوك في سطور:
 
الخبرة العملية:
  • يعمل حاليا مدير برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومدير مركز دراسة الإسلام والديمقراطية, بواشنطن دي سي الولايات المتحدة الأمريكية.
  • نائب رئيس مؤسسة "منارة الحرية" بيتيسدا، ميريلاند منذ 1996.
  • عضو مؤسس والرئيس الحالي لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية، لندن، 2003.
  • ورئيس تحرير مجلة المنتدى الليبي 2006.
  • المدير التنفيذي السابق للمجلس الإسلامي الأمريكي، واشنطن دي سي، من سنة 1998 إلى سنة 2002.
  • مدير مؤسسة أمانة لنشر الكتاب الإسلامي، بلتس فيل، ميريلاند، من سنة 1994 إلى 1998.
  • مدير إدارة النشر بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن، فيرجينيا، من سنة 1987 إلى 1994.
  • ساهم في تأسيس تحالف الليبيين الأمريكيين من أجل الحرية "ألفا" سنة 2003 وانتخب رئيسا لها ثم استقال منها في نفس السنة.
  • ساهم في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا سنة 1981، وعمل مفوضا لشؤون الإعلام بها حتى سنة، 1987، واستقال من الجبهة سنة 1993.
  • انتخب لرئاسة المؤتمر الأول لاتحاد الطلبة الليبيين في الولايات المتحدة سنة 1980.
  • مندوب جمعية الدعوة الإسلامية بشمال أمريكا من سنة 1977إلى سنة 1980.
  • مدير المركز الإسلامي بمدينة آن آربر، بولاية ميشيغان، من سنة 1977 إلى 1986.
  • محاضر في الدراسات الإعلامية، كلية الآداب جامعة بنغازي 1969-1976.
المؤهلات العلمية:
  • ليسانس الصحافة من كلية الآداب، جامعة القاهرة سنة 1968.
  • ماجستير في الإعلام من جامعة ستانفورد، بولاية كاليفورنيا سنة 1971.
  • ماجستير في الدراسات الإسلامية، جامعة ميشغان، سنة 1980.
  • دراسة برنامج الدكتوراه في الإعلام، جامعة آيوا 1972 - 1973.
  • دراسة برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بدائرة دراسات الشرق الأوسط، جامعة ميشيغان 1977-1981.
الأعمال المنشورة:
  • ترجمة جزء عم إلى اللغة الإنجليزية، دار السعداوي للنشر، اليكسندريا، فيرجينيا، 1998.
  • ترجمة جزء تبارك إلى اللغة الإنجليزية، دار السعداوي للنشر، اليكسندريا، فيرجينيا، 1999.
  • ترجمة جزء قد سمع إلى اللغة الإنجليزية، دار السعداوي للنشر، اليكسندريا فيرجينيا 2000.
من الأبحاث والمحاضرات:
  • نحو إعلام إسلامي، مقالات نشرت بمجلة ليبيا الحديثة 1967.
  • التشريعات الإعلامية في ليبيا: دراسة مقارنة بين التشريعات أيام الاستعمار الإيطالي وقوانين المطبوعات في العهد الملكي وبعد حركة سبتمبر 1969 بحث مقدم لجامعة ستانفورد 1971.
  • الرسول والرسالة محاضرة ألقيت في جامعة بنغازي سنة 1972.
  • الدعوة ووسائل الإعلام المعاصرة، بحث ألقي في مؤتمر الإسراء والمعراج بعمان سنة 1979.
  • الإعلام من المنظور المعرفي الإسلامي، بحث ألقي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1993.
  • الخطاب الإعلامي للمسلمين في القرن الحادي والعشرين، بحث القي في مؤتمر العالم العربي على أعتاب القرن الحادي والعشرين، دبي 1994.
  • النمطية الإعلامية الأمريكية عن المسلمين، محاضرة القيت بجامعة جورج واشنطون 1995.
  • حركات الصحوة الإسلامية في القرن التاسع عشر، محاضرة ألقيت في معهد تدريب الدبلوماسيين بوزارة الخارجية الأمريكية،1997.
  • نحو ثقافة إسلامية أمريكية، محاضرة ألقيت بكوالا لمبور، ماليزيا 2001.
  • الإسلام والعنف، محاضرة القيت بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن سنة 2001.
  • التنوع الثقافي والديني بالولايات المتحدة الأمريكية: من خلال تجربة المسلمين الأمريكيين محاضرة القيت بجامعة بايرو بكانو نيجيريا سنة 2002.
  • الحركات الإسلامية والصراع من أجل الديمقراطية في الشمال الأفريقي محاضرة القيت بمعهد تدريب الدبلوماسيين بوزارة الخارجية الأمريكية،2003.
  • المسلمون في أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر، محاضرة ألقيت بالخرطوم السودان 2004.
  • المسلمون في أمريكا والمشاركة السياسية محاضرة ألقيت بمعهد تدريب الدبلوماسيين بواشنطن 2006.
  • الإسلام والديمقراطية : تكامل أم تضاد، محاضرة ألقيت في مركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة بلغراد، يوليه 2007.
  • تناغم القيم الإسلامية والمبادئ الديمقراطية، محاضرة ألقيت بالندوة التي نظمها المعهد الجمهوري الدولي باستانبول أكتوبر 2007.
  • عضو مشارك في العديد من المؤسسات والجمعيات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة ومشارك في العديد من البرامج التليفزيونية والإذاعية العربية والأمريكية والعالمية.
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com