29/12/2007


خالد المهير في حوار مع على رمضان أبوزعكوك (الجزء الثاني) *
 
نشرت المقابلة في موقع ليبيا اليوم بتارخ 26 ديسمبر 2007
 
راجع الجزء الأول

 
في تصريحاتك عقب الزيارة كشفت عن دور للمهندس سيف الإسلام والعقيد معمر القذافي شخصياً ؟ والسؤال الذي أود طرحه بكل صراحة لماذا لم تتكرر الزيارة بعد الأولى؟
 
لقد بدأت الدعوات لعودتي إلى ليبيا تأتيني منذ مدة حين بلغني مسؤول جمعية الصداقة الليبية الأمريكية بأنه يحمل إلي دعوة من العقيد القذافي للعودة إلى الوطن. وكان ردي له أنني في الوقت الذي أشكره فيه على الدعوة فإنني أنظر إلى عودتي من المنظور العام لوجود الليبيين في الخارج أكثر من كونها قضية شخصية. وقد تكررت الدعوة بعد مقابلة أجراها معي الدكتور الهاشمي الحامدي في قناة المستقلة، عن طريق السيد عبد الله منصور الذي أرسل إلي مندوبا قابلته في لندن وكانت رسالتي له تحمل نفس المعاني. ثم بلغني الصديق القديم السيد مفتاح كعيبة تأكيد الدعوة للزيارة وزادني تأكيدا على أن هناك تطورات ستحدث في ليبيا وأن البلد تسعى للتعامل مع الليبيين في الخارج بروح وبسياسة جديدة. وقد أكدت خطبة العقيد القذافي في أحد مؤتمرات الشعب العام هذه الروح الجديدة التي تكلم فيها لأول مرة بنغمة تختلف عن سابقاتها عند الحديث عن الليبيين في الخارج. ثم بعد الحديث المثير الذي أدلى به سيف الإسلام القذافي ونقلته التلفزة الليبية حيًّا، كتبت الدعوة التي أطلقتها بصفتي رئيسا لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية بأن الأوان قد آن لعقد مؤتمر لقوى الإصلاح الوطني في الداخل والخارج، وذكرت فيها أن منتدى ليبيا مستعد للمشاركة في تنظيم هذا الملتقى. وجاءتنا ردود أفعال إيجابية من داخل ليبيا على الدعوة، وقد التقيت بسيف الإسلام القذافي وتناقشنا في عدد من أمور الوطن واتفقنا على اتخاذ بعض الخطوات العملية للبحث في الإجراءات المقترحة. وقد جدد لي السيد سيف الإسلام دعوة والده لي بالعودة إلى ليبيا. وكان ردي هو قبولي المبدئي بفكرة العودة ووعدته بأنني سأقوم بها، وذكرت له أن الدولة الليبية في حاجة إلى اتخاذ خطوات عملية تتعلق بإيجاد حل سياسي لليبيين في الخارج، وأن هذا الحل يحتاج إلى أن تدعمه الدولة باتخاذ مجموعة من الإجراءات التي ستفتح الطريق أمام أصحاب الآراء المختلفة مع النظام في الداخل والخارج بدون أن يقعوا تحت طائلة القوانين سيئة السمعة. ودعوت لانطلاق مشروع شبيه بمشروع "هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب"، وبالبدء في اتخاذ الخطوات العملية نحو حل أمور المعتقلين وسجناء الرأي، وبالبدء في تعويض الناس على ما أخذ منهم من ممتلكات، وبرد المظالم، وبالعمل على طرح مشروع للمصالحة الوطنية. وقد تمت الزيارة الأولى والتي بينت أن بإمكاني زيارة بلدي متى ما شئت وبمجرد ما تسمح لي ظروفي الخاصة بذلك سأقوم بزيارتي وطني إن شاء الله.
 
وهل تغيرت الفكرة السياسية لديكم بعد هذا العمر؟
 
نعم وأقولها بكل صراحة. لقد كان منهجي يقوم على مخاطبة النظام وقيادته عندما كنت في ليبيا، فقد كنت كلما أتيحت لي الفرصة أتحدث صراحة مع العقيد القذافي عن ما أعتبره رأي في قضايا الوطن، من المطالبة بالدستور إلى رفع الرقابة عن الصحف إلى تعريب التعليم في الجامعة وغيرها كثير. وعندما أخرجت من الجامعة (بدون أي مخالفة قانونية، وأنا أعتقد بأنني لازلت أنتمي للجامعة)، مع اعتقالي وتعرضي للتعذيب، شعرت بأن ذلك لا بد وأنه بسبب جهري بما أعتبره حقي في التعبير عن رأي، وبأن من حقي نقد الوضع القائم وسياساته. وعندما تم إعارتي لجمعية الدعوة الإسلامية وأرسلت إلى أمريكا لم أتوقف عن الحديث وطرح آرائي فيما أراه صوابا وتصحيحا لما يحدث في الوطن.
 
وبعد تغول حركة اللجان الثورية في انتهاكات حقوق وكرامة الإنسان الليبي. ساهمت مع آخرين في تكوين الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. وكان للجبهة برنامجا طموحا استخدمت فيه كافة الوسائل لتغيير نظام الحكم وإحلال البديل الديمقراطي، وقد أشرفت في الجبهة على الجانب الإعلامي. وبعد سبع سنوات من إشرافي على الجانب الإعلامي تركت اللجنة التنفيذية سنة 1987، ثم تركت الجبهة نهائيا سنة 1993 م.
 
وقد قمت مع مجموعة من النشطاء الليبيين في سبتمبر 2003 بإنشاء "تحالف الليبيين الأمريكيين من أجل الحرية المعروف باسم ألفا" لغرض الاستفادة من وجودنا في أمريكا للدفاع عن الحريات الأساسية والديمقراطية في ليبيا. وبعد فترة قصيرة استقلت أيضا من ألفا ومن رئاستها لاختلافي المنهجي مع عدد من أعضاء مجلس الإدارة وقتذاك. وقد كان هذا في الوقت الذي بدأنا فيه أنا ومجموعة محدودة من الأصدقاء منذ أواخر التسعينيات مراجعة نقدية لخطاب المعارضة التقليدية، والتي أوصلتنا فيه هذه المراجعة إلى اختيار النهج الإصلاحي، وعملنا لعدد من السنوات كفريق عمل إلى أن قمنا بالإعلان الرسمي عن تأسيس منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية والذي أصبح بمواقعه على الانترنت يمثل وسيلتنا في الاتصال بالداخل سواء من حيث المتابعة لما يجري أو من حيث مشاركة كتاب ومراسلون وجدوا في مواقع المنتدى مجالا للتعبير عن آرائهم بحرية.
 
هناك مشروع إصلاحي ورؤية يطرحها المجلس الوطني للتخطيط وحكايات عن منابر سياسية وصحافة حرة ومستقلة كيف تنظر إلى كل هذا ؟
 
أود أولا أن أبارك للدكتور محمود جبريل ولمجلس التخطيط الوطني مشروعهم ورؤيتهم الإصلاحية. وأعتقد أن ليبيا في أمس الحاجة لدخول العناصر الوطنية المؤهلة بالعلم والخبرة لمجالات التخطيط، وهو تحول نوعي تشهده ليبيا ويبشر بالخير إذا ما واكبته سياسة رشيدة تعمل على إزالة العوائق والحواجز التي أقيمت في فترة الانغلاق السياسي والاقتصادي. وأود هنا أن أنبه على رفض فكرة التفريق بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، لأن علة البلاد سياسية أساساً، وأنه لن يكون هناك أمل في حلها إلا بعلاجها أولاً، فكل الجوانب الأخرى سوف تترتب بالضرورة على إعادة تصور الأسس السياسية للحكم في البلاد. ونحن الذين نعتبر أنفسنا من دعاة الإصلاح في الخارج على استعداد للتعاون في جعل الإصلاح السياسي في البلاد ممكناً، وعلى استعداد للمساهمة في تنفيذه إذا أتيحت لنا الظروف المناسبة لذلك، وتم الاعتراف بنا كطرف في العملية السياسية. وهو ما أشار إليه سيف الإسلام أثناء حديثه عن المنابر السياسية والصحافة الحرة والمستقلة، والذي أعتبره المدخل الحقيقي للعملية الإصلاحية.
 
فالأزمة السياسية في ليبيا، ترجع في أساسها إلى كونها أزمة حرية رأي وتعبير، وأي تفكير في مقاربة هذه الأزمة دون المرور بحل مشكلة حرية الرأي وحق الاختلاف لن يكون مجدياً، وسوف يكون من قبيل الدوران حول أصل العلة، والخشية من الولوج إلى صلبها ومواجهتها بما يلزم من العلاج.
 
وهذه النقطة تجر بالضرورة إلى التعرض للشروط اللازمة لتجسيد أي توجه حقيقي لحرية الرأي والتعبير، إذ لا يمكن الحديث عن حرية رأي في ظل تشريعات تجعل الرأي المختلف "جريمة يعاقب عليها"، ولذا فيجب الحديث مباشرة حول ضرورة البدء بإلغاء القوانين "المجرمة للرأي"، مثل قانون حماية الثورة. لأننا ننتقل الآن من الثورة إلى الدولة. وفي نفس الوقت يصبح وجود جهاز مثل "اللجان الثورية" لا معنى له في ظل الاعتراف بالرأي الآخر، والتوقف عن اعتباره جريمة، ومن ثم تنتفي أهم وظيفة تتذرع بها اللجان الثورية وهي مهمة حماية الثورة والدفاع عنها.
 
وأعتبر صدور صحف مستقلة مثل "قورينا" و"أويا"، وفضائية "الليبية" المستقلة إضافة إلى المواقع الإصلاحية على الإنترنت خطوات حقيقية نحو تحقيق الانتقال بليبيا الغد من الثورة إلى الدولة.
 
ويبقى من المهم أن تقنن وتيسر عملية إنشاء وسائل إعلامية مستقلة، فكما كتب الأستاذ إدريس بن الطيب أنه يرغب في إنشاء صحيفة مستقلة ويريد معرفة الطريقة التي تتيح له ذلك. ولن يتأتي تفعيل فكرة المنابر بدون تفعيل إنشاء الوسائل الإعلامية الحرة.
 
كيف ترسم صورة لما يحدث في الداخل ؟
 
من حسن حظنا أننا نعيش اليوم في عصر "القرية العالمية"، هذا المفهوم الذي كان حلما وخيالا علميا عندما قرأنا عنه في ستينيات القرن الماضي وكان يتحدث عنه المفكر الإعلامي الكندي المعروف مارشال ماكلوهان. ولذا فإنني برغم أنني أعيش في واشنطن على اتصال دائم بما يجري في الوطن سواء عن طريق مواقع الإنترنت الليبية في الداخل أو في الخارج. وعلى سبيل المثال فقد تابعنا باهتمام كبير وقائع المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا أولا بأول وكنا في موقع "منتدى ليبيا" أول من وضع كافة أوراق المؤتمر للقراء في العالم أجمع، وقد وجدت وقائع المؤتمر صدى كبيرا لدى القراء والمهتمين. كذلك نتواصل مع الداخل عن طريق الإيميل أو الهاتف أو بمتابعة ما تذيعه الفضائية الليبية، أو ما تتفضل به علينا الفضائيات العربية من ذكر لليبيا بين الحين والأخر. يضاف إلى ذلك أن وسيلة الاتصال الشخصي أصبحت متاحة الآن نتيجة للانفتاح، فقد بدأ الليبيون يزورون بلادهم وأخذ العديد من أهل الداخل يتوافدون على أوروبا وكندا بل وأمريكا أيضا.
 
ما هو تعليقك على الصراع الدائر رحاه بين الإصلاحيين والثوريين، وهل توافق الدكتور فتحي البعجة بأنه سيناريو ؟
 
عند الحديث عن اختلاف وجهات النظر بين دعاة الإصلاح والآخرين، ومع احترامي لآراء الدكتور فتحي البعجة، فإننا نجد أن هناك أكثر من جهة من الذين ينتقدون منهج الإصلاحيين:
 
ففي الداخل نجد الثوريين الذين وفر لهم النظام السياسي الهيمنة على مقدرات البلاد طوال الحقبة الماضية، ومهما يرفع هؤلاء من شعاراتهم الثورية، أو يقسمون بالولاء لها فإن المواطن الليبي (وهو بالمناسبة مواطن دولة نفطية) عندما يقارن ظروف حياته بمواطني دول عربية نفطية أخرى يجد البون شاسعا بين رحابة العيش لدى مواطني دول منطقة الخليج العربي مثلا وبين شظف العيش الذي يكابده في بلاده. وفي آخر المطاف لم ير حياته تتطور إلى الأحسن بل إلى الأصعب والأسوأ، فصوته مغيب في المجال السياسي، والمشاركة الشكلية والمحدودة لبعض الأفراد لا تعكس إلا دليلا واضحا عن عدم قناعة المواطنين بجدوى الأشكال التنظيمية القائمة، وبعدم فعاليتها. ونظرة سريعة إلى حالة الوطن تنبئنا أن البنى التحتية متدنية، والخدمات الصحية والتعليمية تسير من سيء إلى أسوأ، ووضع المواطن الاقتصادي أنهكته القوانين الجائرة التي تتعامل معه كما لو كان مواطنا من الدرجة الثانية. ففي ليبيا نجد أن المستخدم الأجنبي يعامل بمستويات أرفع من المستخدم الوطني- وهذه بذاتها حالة غريبة- ومن العجيب أن بلدا مثل ليبيا، رغم قلة سكانه ودخله المتميز، لا يجد الخريجون فيه عملا للعديد من السنين. وأعتقد أن استمرار مرحلة هيمنة الثوريين على مقادير البلاد هي الآن في خطها التراجعي وستزول إن عاجلا أو آجلا.
 
والجهة الثانية من أصحاب الموقف ضد دعاة الإصلاح تتمثل في بعض المعارضين الليبيين في الخارج الذين لا يعتقدون بإمكانية وجود حركة إصلاحية مع استمرار النظام الحالي لأن تركيبته لا تسمح بوجود حركة إصلاحية جادة.
 
وفي هذا الموضوع فإنني أؤكد على استعداد الإصلاحيين في الخارج للتعاون في جعل الإصلاح السياسي في البلاد ممكناً، وأن دعاة الإصلاح على استعداد للمساهمة في تنفيذه إذا أتيحت لهم الظروف المناسبة لذلك، وتم الاعتراف بهم كطرف في العملية السياسية مثلهم مثل بقية أبناء الوطن.
 
ويبقى الأمر في نظري عائدا إلى اختلاف في الرؤى، والتي نأمل أن توفر لها وسائل الإعلام الحرة والمستقلة المجال للتعبير عن آرائها وأطروحاتها، - مع العمل على تفعيل فكرة المنابر التي دعا إليها سيف الإسلام- وأعتقد أن كل الأطراف الفاعلة والراغبة في تنمية الوطن في حاجة إلى المشاركة الإيجابية. وعلينا أن نقولها بصراحة أن زمن الرأي الواحد قد ولى، وأن ليبيا في حاجة إلى جهد وفكر كل أبنائها مهما تعددت رؤاهم، ففي خدمة الوطن ولمصلحته فليتنافس المتنافسون.
 
وأود أن أؤكد على رفض فكرة التمييز بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، لأن العلة أساسا سياسية، وأنه لن يكون هناك أمل في حل إلا بعلاجها أولاً، فكل الجوانب الأخرى سوف تترتب بالضرورة على إعادة تصور الأسس السياسية للحكم في البلاد.
 
ما هي الأسئلة التي تود طرحها في هذه الأثناء؟ هل لك أسئلة عن الوطن والناس وبنغازي ؟
 
إن الوطن يعيش معنا وينتقل معنا أينما كنا، وقد أعجبتني مقولة الدكتور محمد المفتي عندما كتب عن مفهوم "الوطن الذي يسكننا". وتضل بنغازي مدينتي القريبة إلى نفسي- رغم كل ما تعانيه من نقص، وما يعانيه سكانها من ظروف صعبة- فلي فيها ذكريات العمر التي تمثل كما قال شوقي وغنت فيروز وكذلك عبد الوهاب "والذكريات صدى السنين الحاكي". هل ستعود بنغازي إلى القيام بدورها في تفعيل قدرات أبنائها لتزيل أكوام الأتربة والأوساخ من الشوارع، ولترمم ما تهدم من بنايات المدينة القديمة ( لماذا لا يؤسس بعض الغيورين على بنغازي مثلا جمعية للمحافظة على إرثها التاريخي وصيانته). كيف يمكن أن تعود البسمة إلى شفاه أطفالها بعد مأساة فيروس الإيدز؟ إنني لا زلت مؤمنا بقدرة أبناء هذه المدينة (وكذلك أبناء ليبيا) على النهوض بها وتحويلها إلى مدينة تعيش في القرن الحادي والعشرين. ببحيراتها الجميلة التي لا عذر لنا في بقائها مليئة بالأوساخ وبالروائح الكريهة. وما أقوله عن بنغازي ينعكس بالضرورة على بقية مدن بلادي وقراها.
 
دعا محمد طرنيش المدير التنفيذي لجمعية حقوق الإنسان الليبية كافة الجاليات الليبية في الخارج إلى العودة للبلاد ؟ وقابلت الجاليات الليبية هذه الدعوة بالحذر؟ لماذا ؟
 
إن قضية عودة الليبيين من المهجر هي قضية سياسية في الدرجة الأولى، وأنه من قبيل الالتفاف على جوهر القضية اعتبارها قضية فردية شخصية، يمكن أن تحل عن طريق التسهيلات الإجرائية أو الإغراءات المادية لكل فرد على حدة. ولذا فعلى النظام أن يحسم موقفه من القضية بالاعتراف بأنها قضية سياسية، نشأت من مصادرة حرية الرأي والفكر والتعبير، ومن حرمان هؤلاء المهاجرين، بسبب آرائهم السياسية المختلفة مع رأي قائد النظام وتوجهاته في الحكم، ومن حقهم في الاختلاف وفي امتلاك الرأي ومن حريتهم في التعبير عنه. ولذا فإن الأساس في هذه القضية هو في القيام بخطوة جريئة تعيد الأمور إلى نصابها. فنحن جميعا في حاجة إلى فتح صفحة جديدة تنبني على احترام حق الإنسان في التعبير عن رأيه وعن حقه في الاختلاف، ويحضرني هنا قول أود التأكيد عليه:
 
"لقد أراد الله ألا يكون واحدا سواه، أما ما عداه فهو متنوع بطبعه"
 
أي أن التعدد والتنوع لدى الناس هو الأصل في الأشياء، وقد فشلت كل الفلسفات التي حاولت أن تقولب الناس على قالب واحد. لذا فإنني في الوقت الذي أحيي فيه الأستاذ محمد طرنيش على دعوته أود أن أوجه له دعوة بأن يرفع من سقف هذه الدعوة إلى الليبيين كأفراد وأن يخرج ويلتقي بالليبيين في مؤتمر عام تناقش فيه كافة القضايا من أجل الوصول إلى الرأي الذي يتيح لأبناء ليبيا وكثير منهم يمثلون خبرات هامة من المشاركة بآرائهم الحرة في حركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
 
وماهي رؤيتك الشخصية في هذا الملف ؟
 
إضافة إلى ما ذكرته أحب أن أؤكد أن القرار في مثل هذه القضايا يتطلب بأن تعالج معالجة سليمة وذلك بجعلها قضية وطنية، فالجاليات الليبية في الخارج تمثل لليبيا رصيدا رائعا من الخبرات العلمية والفنية إضافة إلى كون هذه الجاليات أصبحت لها مكانتها في بلاد المهجر – ولعل نموذج حصول الدكتور عاشور جبريل على وسام ملكة بريطانيا لخدماته الإنسانية- يمثل عينة من هؤلاء الليبيين المتميزين.
 
وأعتقد أن فرصة الاستفادة من هذا الرصيد الكبير قائمة إذا ما توصلت البلاد إلى حل الأزمة السياسية القائمة، والتي أعتقد أن بوادرها باتت تلوح في الأفق، فما فكرة المنابر إلا تعبيرا عن القبول بتعدد الآراء والأفكار.
 
وأقترح على المؤسسات الفاعلة في البلد الاهتمام بالجيل الجديد من أبناء المهاجرين الذين هم في حاجة إلى الشعور بأن ليبيا فعلا تريد أن تراهم ناجحين في مجالاتهم العلمية والمهنية، وأن نجاحهم نجاح لليبيا. وأن ليبيا مستعدة لدعمهم في دراستهم ونشاطهم، وهذا أيضا بالإمكان وضعه ضمن إطار تحرك سليم مبني على الاعتراف بأن المواطنة لا تعني القبول بالنمطية المحددة الملامح، بل إن الوطن يفتح ذراعيه للجميع، وأن خيرات الوطن هي أيضا للجميع وليست مقتصرة على فئة معينة.
 
ولعل عقد لقاءات مع شباب هذه الجاليات للاستماع إلى آرائهم لإشعارهم بأن هذا الوطن لا يفرط في أغلى ثروة لديه ألا وهو الإنسان.
 
أستاذ علي ماذا يعني لك هذا الوطن ؟ وهل ضاقت مساحته حتى خرجت منه ؟
 
إضافة إلى ما ذكرت سابقا، وطني هو بيتي الذي أرغب أن أعيش فيه بكرامتي مطمئنا على نفسي وعلى أسرتي. الوطن الذي يزيل القيود من أمام أبنائه ويشجعهم على اتخاذ المبادرات، فالنجاح في الحياة يرتكز على فتح الأبواب لا إغلاقها. أما سؤالك لي هل ضاقت مساحة الوطن لي حتى خرجت منه؟ فالحقيقة التي أود التأكيد عليها أنني ما خرجت من وطني راغبا، ولكنها الظروف التي أجبرتني على ترك جامعتي، وترك وطني بحثا عن كرامتي. فهاجرت مع أسرتي الصغيرة اعتمادا على الله القائل في كتابه الكريم " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة..." فالإنسان مطالب بألا يرضي بالضيم، ومطالب بأن يسعى للعيش بكرامة، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. وقد تكونت لنا في غربة المهجر أو في مهجر الغربة أسر وصداقات ومعارف وعلاقات اجتماعية مع ليبيين وعرب ومسلمين وغير مسلمين مما هون علينا بعض الشيء آلام الغربة عن الوطن. ولعل الانفراج الذي بدأ الناس يحسون به يمثل توسيع مساحة الوطن فيعود الوطن كما كان موطنا لجميع أبنائه مهما تنوعت مشاربهم وتعددت أفكارهم.
 
* نود منك بكل صراحة أن تكشف لنا عن أي اتصالات معك للتعجيل بالعودة والاستقرار في الوطن ؟ وهل تفكر في الرجوع بعد كل هذه الأعوام بعيداً عن ليبيا ؟
 
ليس هناك أية اتصالات بغرض التعجيل بالعودة والاستقرار بالوطن. وكما ذكرت سابقا نحن نعيش مع الوطن وأحداثه كل يوم، ونعمل من خلال مواقعنا في المنتدى على معالجة قضايا الوطن وعلى تثقيف الناس بالديمقراطية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، ونحن نتواصل مع عدد من نشطاء الإصلاح في الداخل الذين نرفع لهم التحية على جهودهم المقدامة وعلى مبادراتهم لإيجاد مناخ يسمح بتفاعل الآراء وإثرائها. ونأمل أن نتمكن قريبا من تأسيس مقر داخل الوطن "لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية" الذي أردناه أن يكون "Think Tank " أي بيت خبرة، هدفه دراسة الأوضاع في ليبيا وتثقيف الليبيين وإذا ما انفتح المجال سنسعى لإقامة الدورات التأهيلية في فنون الاتصال والإدارة والقيادة. ولذا فإن التعجيل بتغيير القانون الخاص بإنشاء الجمعيات الأهلية سيفتح الباب أمام العديد من أبناء الوطن الذين يرغبون في تفعيل المجتمع ومؤسساته. (وأذكر أننا كنا في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي نقوم بالعديد من الأنشطة في المدينة عن طريق اللجان الثقافية والاجتماعية في النوادي الرياضية، وكان هناك أسبوعا كاملا من النشاط كان يطلق عليه أسبوع النشاط المتكامل، وأذكر أن من بين أنشطته حملات لتنظيف الأحياء، وتنظيم المعارض الفنية، ومعارض للكتب، وتقديم المسرحيات، وغيرها من الأنشطة، وكان التنافس على أشده بين أعضاء هذه النوادي). وتبقى روح الإنسان متعلقة بوطنه وبأناسه ولن تجد السعادة إلا إذا استقرت فيه.
 
نود منك أن تحدثنا عن مشاكل المهجر؟ وهل تعتقد أن الدولة جادة في إغلاق هذا الملف الشائك ؟
 
مشاكل الليبيين في المهجر كثيرة، أولا لأن الليبيين لم يتعودا على الهجرة، وليبيا لم يعرف عنها أنها من المجتمعات الطاردة لسكانها، والهجرات السابقة كان الليبيون مضطرين لها بسبب الاستعمار. أما الهجرة الليبية الحديثة فسببها الأساس يكمن في الحظر على حرية التعبير وانعدام القبول بالرأي الآخر. وقد عانى المهاجرون الليبيون كثيرا بسبب قلة الخبرة في الهجرة، وصعوبة التكيف مع متطلبات الحياة في المجتمعات الجديدة.
 
ومن أمثلة هذه المشاكل التي عاناها المهاجرون: التدرب على أخذ الاحتياطات الأمنية، خصوصا بعد مقتل عدد من الليبيين في الخارج على أيدي عناصر اللجان الثورية. وهناك مشكلة نقص الموارد المالية لاستكمال الدراسة، أولا للوالدين ثم للأبناء، والسعي من أجل ترتيب أوضاع الإقامة القانونية، ثم قضية البحث عن العمل، إضافة إلى صعوبة تربية الأولاد وصعوبة تعليمهم وتثقيفهم واستثمار الفرص وإيجاد المناسبات لربطهم بالوطن وبالدين وباللغة، وقد ازدادت صعوبة الأمر عندما كبر الأولاد ووصلوا لسن الدراسة الجامعية. مع العلم أن الجاليات الأخرى لديها العديد من البرامج التي تقوم بها بلدانها الأصلية، كما أنها تمد مؤسسات الجالية وتوفر لها الإمكانيات، بينما الجاليات الليبية كانت ولا زالت تعمل في ظروف غير عادية (أمنية ومادية). أما هل الدولة جادة في إغلاق هذا الملف فهو سؤال حري بالدولة أن تجيب عليه. ولو أنني أحسب أن الدولة الليبية تريد إغلاق هذا الملف بمحاولة الدوران حوله بدلا من الدخول فيه مباشرة، وهي فرصة جيدة لإعادة التأكيد على أن جوهر قضية عودة الليبيين من المهجر أنها قضية سياسية، وأنه يجب عدم التعامل معها باعتبارها قضية فردية شخصية، يمكن أن تحل عن طريق التسهيلات الإجرائية أو الإغراءات المادية. ولذا فعلى النظام أن يحسم موقفه من القضية بالاعتراف بأنها قضية سياسية، نشأت من مصادرة حرية الرأي والفكر والتعبير، ومن حرمان هؤلاء المهاجرين، بسبب آرائهم السياسية المختلفة مع رأي قائد النظام وتوجهاته في الحكم، ومن حقهم في الاختلاف وفي امتلاك الرأي ومن حريتهم في التعبير عنه بالوسائل السلمية.
 
وماهي الخطوات التي على أجهزة الدولة القيام بها في سبيل إيجاد حلول لهذه القضية ؟
 
أعتقد أن الخطوة الأولى التي قامت بها الدولة في إيجاد أمانة خاصة بشؤون المغتربين الليبيين كانت خطوة إيجابية. الآن على الدولة أن تقوم بخطوات أخرى منها الاعتراف بأن حق الليبيين، كل الليبيين في إبداء الرأي أمر مشروع بل ومحمود ومطلوب. فالمجتمعات البشرية خلقها الله ووضع فيها خاصية التنوع والتعدد، والقرآن يذكرنا بأن: "اختلاف الألسنة والألوان هو من آيات الله في الخلق" وجعل الله قضية الإيمان به لا تقبل إلا بحرية الاختيار، مما يعني أن المجتمع البشري السوي لا يمكنه أن يكون أحادي النظرة. ولا يقبل عقلا أن يجبر الناس على قبول أي رأي بالإكراه.
 
والخطوة الأخرى هي رد المظالم، ولا يكون ذلك إلا بإيجاد صيغة مشابهة " لهيئة الإنصاف والمصالحة" التي أنشأها المغرب على نمط لجنة "الحقيقة والمصالحة" التي أنشأتها جنوب أفريقيا بعد التخلص من النظام العنصري، وذلك لكشف ما حصل من مظالم ضد المواطنين والعمل على حلها سلميا وبالتراضي بين الناس. فمثل هذه الهيئة ستتيح لليبيين التعامل مع سنوات الظروف الصعبة بروح كشف الحقائق وعرضها أمام الشمس أو كما نقول بلهجتنا الليبية "بط الدمالة" ليس بغرض الانتقام والتشفي ممن قاموا بانتهاكات لحقوق المواطنين وإنما بغرض تعريضها للشمس ليتمكن المجتمع من التخلص من جراثيمها. على أن تقوم الدولة بتعويض المتضررين عما أصابهم من أضرار مادية ونفسية.
 
ولماذا هذا الاهتمام بهذا الملف هل في اعتقادك لتداعيات دولية وسياسات إقليمية ؟
 
برغم كوننا أصبحنا نعيش في عصر "العولمة" الذي أصبحت فيه قضايا حقوق الإنسان أينما وجد تأخذ حيزها من الاهتمام من المؤسسات العالمية المهتمة بها مثل "هيئة العفو الدولية" و"هيئة مراقبة حقوق الإنسان" و"هيئة حقوق الإنسان أولا"، إلا أنني أعتبر أن الدول المتحضرة اليوم بدأت تعي أهمية رعاية حقوق مواطنيها وتهيئ لهم السبل لحماية حقوقهم حتى وهم خارج حدود أوطانهم، فأعتقد أن العاملين الداخلي والخارجي (الدولي) يكملان بعضهما البعض في قضية الاهتمام بهذا الملف.
 
هل حان الوقت للتسامح من أجل الوطن للجميع ؟
 
أعتقد أننا قد تأخرنا كثيرا في اتخاذ الخطوات المطلوبة لنشر ثقافة "عفا الله عما سلف"، ثقافة التسامح التي تمثل درجة عالية من السمو الحضاري، فالقرآن الكريم يقول "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، والرسول الكريم عندما فتح مكة ظن سكانها وخصوصا من قريش الذين ناصبوه العداء وآذوه عندما كان في مكة ثم قاتلوه في عدد من المرات أنهم قد وقعوا في قبضته وأنه سينتقم للمظالم التي قاموا بها ضده وضد المسلمين. ولكنه سن لنا السنة الحميدة في نشر ثقافة التسامح عندما قال لقريش "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وليبيا الغد بل وأقول ليبيا اليوم في حاجة لكل أبنائها وبناتها. ولكن هذا الموقف لا يمكن أن يكون موقفا عاطفيا فقط، بل على ليبيا أن تشرّع فكرة المصالحة وأن تقوم بحملة وطنية شاملة لنشر ثقافة التسامح وروح المواطنة. ولن يكون هذا ممكنا بدون إطلاق الحريات العامة لجميع المواطنين؛ فمن حرية التعبير إلى حرية تكوين مؤسسات المجتمع المدني إلى حرية الحركة والتنقل لأن الإنسان الحر بإمكانه أن يبدع أينما كان. ولا ننسى أن الوطن في حاجة إلى أن يشعر أن هناك عدل في المعاملة بين المواطنين، وعدل في توزيع خيرات الوطن على الجميع . وعندما يجد المواطن أن القانون يحمي "دينه وعرضه وماله وعقله ونسله" وأن حقه في التنعم بخيرات بلاده محفوظ له مثله مثل أي فرد آخر، وأن القانون يأخذ على يد المفسد والمسيء بغض النظر عمن هو، وأن الإنسان برئ حتى تثبت الأدلة إدانته في قضاء مستقل لا تتحكم فيه السلطة التنفيذية. عندما يشعر المواطنون بأنهم شركاء في هذا الوطن وأنهم مسؤولون على إقامة الحكم الرشيد فيه، عندئذ نكون قد أعلنا التسامح في ليبيا فعلا لا قولا.
 
العنوان الالكتروني للصحفي خالد المهير
kalmhirey@yahoo.com

 


* نقلا عن موقع ليبيا اليوم ـ 26 ديسمبر 2007
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com