09/01/2007

 

 
الشاعر الحبيب الأمين لـ "الاقتصادية": ليس لدينا مشروع ثقافي حقيقي والسبب هو تعريفنا الذاتي الخاطئ للثقافة....

 
حوار هيثم السيد - 30/12/1428هـ
 
يمثل الأديب الليبي الحبيب الأمين مشروع المثقف العربي المشغول أبدا باستلهام إرادة التغيير والتحديث انطلاقا من القيم التاريخية العربية, فالمتابع له سيجد أكثر من ملمح أدبي وإنساني يختزلها هذا الشاعر تماما كما تختزل الأساطير الحضارة وربما يجعلك هذا تعجز عن استيعاب انهمار غزارته فيما لو أشرعت اللغة أبوابها وحاولت أسئلة الثقافة استفزاز رؤيته نحو قراءة جديدة لمشهد يكون اقل تأزما إن لم يكن أكثر تفاؤلا بالضرورة !!
 
هنا حوار يلتقط أنفاس الرأي كي يستجمع ترتيب الواقع والمأمول .. فأهلا بضيفنا.
 
يعتمد نصك كثيراً على آلية الرمز وتوظيف الأسطورة ضمن القصيد فهل يمكن اعتبار ذلك اتجاهاً أصيلاً في قصيدتك ؟؟
 
كل قصيدة هي مخطوط سلام وإعلان هيام بين الشعر والتاريخ لصالح الشعر يشهد عليه العصر ويقرأها المعاصر.يا صديقي هيثم نحن نمتطي صهوة الفرجة الخيالية لكننا جالسون في الواقع على ركح التاريخ نتصفح الأساطير بين ملهاة تضحك ومأساة تبكي ,ونتنفس التاريخ في فقاعة الزمن المعتق بغبار الأحداث.
 
منذ فجر التاريخ وهو فجر الشعر المكتوب أيضا حين عرف التدوين وانبلج عصر الكتابة,ومع انبعاث ترانيم العبادة وتراتيل الكهان وفي مقولات السحرة لاحقا مع بروز النصوص الكبرى الملحمية في بلاد الرافدين (جلجاميش) ثم في اليونان (الأوديسا والإلياذة – هومر) وعند الرومان (فرجيل وهوراس) ثم إبداعات العرب في الجاهلية ونتاجاتهم الشعرية في العصور الإسلامية وصولا إلى صياغات الشعر في عصر النهضة ونضوج التجربة الشعرية الإنسانية واكتنازها بتيارات الفكر والفلسفة والجمال الحديثة. إنّ الهم الشعري كان ينشد باطراد ويصبو حثيثا نحو مزج وسكب الشعر والتاريخ في قالب القصيد واستلهام الواقعي والسعي به نحو فضاء الأسطوري الغامض والجميل في ذات الوقت. يقول أمير الشعراء احمد شوقي "ما الشعر إلا نتاج التاريخ والأسطورة".
 
رغم كل هذه الشموع التي توقدها قصائدك بهدوء أكاد ألمس لديك احتجاجات تلعن الظلام بانفعال ؟؟
 
ظل الشاعر ذاك المنشق البارز والمراهق الهوائي الذي يتبارز بعبارات التجديف المتألقة, وظل أيضا الناطق بلسان المجاهرة الكلامية المغناة في حضرة القوانين الأرضية الناشزة عن ذائقته للحقيقة, كما أنه مارس دوره الساحر كجالب للفرح ومروج للبهجة بين جمهور التعساء والمعذبين, الشاعر الإنسان يراوح بين كل هذا, حتى ظنه البعض مقصد وحي الجن وأن في أذنه يهمس حوريات الغاب أو عفاريت الصحراء, ورأى فيه آخرون صورة إنسان كامل واع بقيمة الحياة يستعذب القول المثير والمؤثر ويجيد التكثيف وترجمة دفقات الإنسانية في داخله فيحيلها إلى نصوص من الألق والسحر والابتكار البديع كراسم عظيم للوحة الحياة, لا تنتج نصوصه الصدف ولا تجود بها الصنعة والاختيارات، فالشاعر رهين الكلمة والكلمة غواية الشاعر.
 
ما رؤيتك الآنية لأثر المشروع الثقافي لك ولجيلك ؟؟ وكيف يبدو لك المشهد الشعري عبر تجربتك الشخصية وبالنظر إلى الساحة الثقافية عموماً ؟؟
 
وفقا لمنظومة العمل الثقافي الراهن سواء في بلادي أو غيرها من وطننا العربي الكبير, لا أظن ولا أعتقد ببروز مشروع ثقافي حقيقي والسبب يدور في الأساس حول تعريفنا الذاتي للثقافة والمثقف والعلاقة بين المثقف والحاكمية ناهيك عن تعارض قيام مشروع ثقافي قطري أو عربي مع معادلة الحضارة وقوانين التاريخ التي تقول إن الازدهار الحضاري ظاهرة شمولية وكذلك الانحطاط, فلا يعقل أن نرى مجتمعا ينعم بالسلام الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي إلا ويستتبع ذلك بالضرورة بروز مشروع نهضوي صاحب كل تلك التطورات, بل لا نبالغ إذا قلنا إنها في الأساس كانت من نتاجه وصوغه والعكس صحيح إذ لا حضارة دون ثقافة.
 
ما لم ينهض المجتمع الثقافي بشكله الأهلي لينطلق في فضاءات الأدب والفكر والفنون, ستظل الثقافة الأزمة وأزمة الثقافة شاغل مهم وقضية عالقة بالحبر والورق. بالنسبة للوسط الشعري في بلادي لا شك أنه يشهد جهودا فردية مشعة ونشاطات جماعية ذات طبيعة أهلية واعدة, كما أن الصحافة الإلكترونية وفرت مجالا خصبا للتعارف والمجايلة وحتى القراءة النقدية والإطلاع البيني لجمهور الشعراء.
 
إذا اعتبرنا الإبداع نبتة شيطانية وغير منتمية, أسأل الشاعر المحض بداخلك .. هل يمكن أن نعيد النظر في المتلازمة السائدة بين (الثقافة) و(الإبداع) ؟؟
 
المثقف الحقيقي يدرك أن العملية الإبداعية إجمالا بات من المستحيل قولبتها أو تأطيرها لاستيفاء أجندات غير إبداعية لأنها سوف تفقد حتما شرعيتها كعملية ذاتية داخلية تتوجه بوحي إرادتها ولا تدار من خارج قدسها الشخصي الفردي [ شرنقة النمو والتخلق ], وسوف يؤدي أي حصار أو استحواذ عليها إلى فقدانها أيضا لمشروعها الإنساني المجتمعاتي, أي توجهها نحو مجتمعها المحلى والمجتمع الإنساني أجمع وستعلن إن فعلت عن العقم القابع في عقول مريديها ومديريها.
 
الثقافة والمشتغلين بالهم الثقافي هم في واقع الحال أناس مبدعون يمارسون التفكير والقراءة والكتابة والرسم والتصوير ليس لأجل أنفسهم فقط ولكن لإحداث مناخات وبيئات مفترضة ومثلى لحياة إنسانية أفضل, أنهم يصنعون حياة من عصارات الفكر ومستلهمات الكتابة وإيحاءات الواقع مستشرفين آفاق جديدة.
 
إذا سلمنا بأن بعض الفضائيات أسهمت في تسطيح ثقافة المتلقي وزيادة تأزم الموقف الشعري,ألا ترى أن صنع الإثارة غير المجدية والانقسام الداخلي ضمن دولة الشعر مثلا أزمة أخرى ؟؟
 
"دولة الشعر" العلية يحلم بأرضها كثر ولكن أزمة قيامها هي أزمة الشعر بل الثقافة ذاتها. وهي ليست من مطالب الشعراء المغالية في زمن المطالبة بكل شيء, فالنشاط الشعري ليس محاصرا فقط بحراب الموضوعة ولا بقصف الأحداث ولا بسقف الحريات الفكرية فقط, بل هو مستهدف كمنتج ثقافي ينبغي الاتجار به أسوة بباقي البضائع وهذا ما قامت به بعض الفضائيات اللاهثة وراء الربحية البصرية بعد أن أكلتنا سباع الربحية التقليدية الجوالة في أسواق السلع تنهش الدراهم من جيوب المعدمين. بالطبع الرغبة في تعويم قيم بديلة ونزع القدسية عن كل التقاليد الثقافية بأساليب غريبة عن البيئة يبدو ملمحا عاما في وجه الماكينة الإعلامية الفضائية, التي تعزف على أوتار الإثارة والاستعراضية دون أن تكلف نفسها عناء دراسة وفهم ميكانزيمات الذهن العربي الحالي وماهية حاجاته للارتقاء به.
 
من مفاهيم الثقافة كونها خريطة ذهنية تتسع وفق وحدة فكرية إنسانية تجمع ما فرقته الحدود والتعريفات المختلفة, كيف ترى استيعاب المثقف العربي لذلك ؟؟
 
إن المجتمع الثقافي أو الوسط الثقافي ذا المشهد المنظور بما يختزله في صورته عن ذاته ويرسمه عن عناصره وإنتاجه من كثافة إبداعية وإنتاجية معنوية متوهجة ومشعة بثقافته الذاتية وبثقافات الإنسان وإبداعاته المتعددة, مردها إلى التواصل والاقتراب والإطلاع والمعايشة لإبداعات ثقافية وحضارية في إقليمه وفى أقاليم وشعوب أخرى, وهو ما سيفيد في تعريف الذات وفرز المحلي وتنقيح الهوية وتطويرها ذاتياً بالاستفادة من تأثيرات خارجية مقبولة متماشية مع قوانين الخصوصية وعقائد ومقدسات الأنا, ناهيك عن تفعيل حاسة الوعي بمخاطر الاستلاب وفخاخ التلاشي وهنا يعول كثيرا على التقديرات الذاتية والذائقة الفكرية للمثقف العربي الواعي والحريص الذي يدرك أن أبسط تعريفات الثقافة ينطلق من كونها منتج إبداعي محلى لهذه الجماعة البشرية أو تلك وأن فكرة عولمة الثقافة بجبرية الصراع ورفض الحوار , تبرز غباء أصحابها ورغبتهم في الاستحواذ على الجهد الثقافي الإنساني وامتلاكه مستفيدين من خصوصية المرحلة التاريخية كونهم يتربعون على عرشها.
 
وقد تنجح الثقافة والمثقف العربي في لملمة الشتات وبناء معمار الوحدة الوجدانية لأمة عريقة. وبهذا تصبح الممارسة الثقافية في هذا الحقل الثقافي أو ذاك متناغمة مع إيقاعات الحياة, تمتلك القدرة على التعايش دون الخشية من التلاشي, مع جاهزيتها باقتدار على استقبال الأسئلة المعاصرة دون ارتباك والرد عليها بثقة، كما أنها ستكون مستعدة لمجابهة التحديات الفكرية التي تطرحها الذات أو الآخر في الآن والمستقبل.
 
هل يمكن أن تتخيل خطاباً ثقافياً يمكنه أن يصل إلى جمهور المتلقي الذي عاني طويلا مما يعده فوقية من قبل المثقف, ألا ترى أن النخبوية هي التي أدت بشكل ما إلى تهميش المثقف العربي ؟
 
أتفق مع هذا الطرح وأخالفه في آن. فالنخبة في منظور الحال للمشهد الثقافي العربي إجمالا تمثلها طائفتين وربما ثلاث. الأولى نخبة فرضتها الزمنية والتقادم الثقافي بمعنى هناك مثقفون كبار بحكم سنهم وقدم إبداعاتهم وهؤلاء يمثل بعضهم إن لم نقل جلهم فكرة النخبوية الكلاسيكية والتي أسست للحركة الثقافية في جيلهم خاصة فترة الخمسينيات والستينيات. والطائفة الثانية وهي اللاحقة وربما الأكثر فاعلية وحضورا بسبب ما تمتلكه من إمكانات الآن ولكنها ربما الأسوأ تأثيرا كونها تحولت إلى كهنوت ثقافي وتكنوقراط معرفي متصل بمصالح الحكومي وتقلبات التاريخ والسياسة ومتداخلة معها. النخبة الثالثة وهي في طور التشكيل ولكنها الواعدة والمتحررة والمستوعبة لطروحات المرحلتين السابقتين عنها تمارس انتهاكات أقوى ولها مبادرات جريئة وتطرح رؤى أرقى ونجحت في التخلص من عقد وأيدولوجيات كما أنها تقف على وفرة من الأدوات الإبداعية الذاتية المتجددة والفضاءات المفتوحة وإن كان يعوزها المشروع وهو حالة فقد منقولة عن المراحل السابقة ربما ينجح في تجاوزها بعد حين.
 
عوداً على الشعر, هل يمكن اعتبارك من المراهنين على قصيدة النثر كوسيلة أكثر إيجابية في عملية التعبير عن الفكرة الشعرية, وكيف ترى المحاولات التي تهمشها من منطلق الدفاع عن الاصالة ؟؟
 
المقارنة تبدو عملية جراحية إقصائية لا تليق بالأرواح والمشاعر والنتاجات الأدبية عموما. ولو تمادينا في هذا السياق أي الإقصاء والنفور سنجد أننا نرتد عن حداثية العقل البشري بالفطرة وقبوله لعمليات التكيف والتحديث الذاتي. , فالحضارات الكبرى ومنها حضارة الإسلام الكبرى أمنت منذ بزوغها بفضيلة الأخذ والعطاء وبقيمة التأثير والتأثر, فلا ينبغي أن نرتد إلى مجاهل التقوقع وظلمات التشرنق ,نرفض علما أو فكرا فنا أو جنسا أدبيا أو فرعا منه بدعوة شهادة المنِشأ الأجنبية وجذوره الغربية, في اعتقادي الثقافة تظل مستوعب وأداة فاعلة للتعبير حسب موضوعتها وبيئتها ولغتها وموروثها ,فالرفض حالة فشل في التعاطي مع ما يمكن أن يكون مجديا وهذا ولاشك يتنافى مع إنسانية الثقافة وأخلاقية الحضارة.
 
أنا من أنصار الذائقة وأحباء الشعر أيا كانت شكلانيته أو بنايته, معياري الوحيد أن يطلني منه حلاوة وتنالني منه فكرة, أن يلامسني ويلتصق بوجداني ولو كان شعرا صينيا أو من كولومبيا.كلما تجسدت إنسانيته وهمست في أذني موسيقاه الداخلية زدت انتشاء وصاحبت النص في دربه إلى مالا نهاية. الحالة الشعرية النثرية التي أميل إليها تعكس رؤانا الفكرية والسياسية والحياتية إجمالا.
 
أرفض ما يطرح من نصوص ارتزاق واصطياد وشبق نحو جسد ولذوية الأنثى. فتناول الجمال ومواطن الفتنة بالتلميح والترميز المحتشم في هالة من سمو وأوشحة من عفاف هو الأنسب والأعذب , كي لا ينزلق النص كما يحدث مع البعض في هاوية الحيوانية والبوهيمية بسفور فج وبشفافية متطرفة لا تقبل معها حرية التداول المشروع والتعاطي الشعوري النقي فينحرف الكلم من الهمس إلى اللمس ويقع في حضيض الغرائزية السلبية ويؤسلب المرأة وينحدر بقدرها القيمي على نحو لا يليق بالأنثى ككائن ومكون إنساني فريد.
 
أترك لك المجال لتقول كلمة أخيرة .. رؤية ثقافية أو وجهة نظر أو فكرة في بالك لم تتناولها أسئلتي.
 
في ختام هذه السانحة الطيبة أشكر لصحيفة "الاقتصادية" هذه الاستضافة الكريمة وأعبر عن امتناني وسعادتي بهذا الحوار الجميل مع الشاعر الصديق هيثم السيد الذي أكن له كل مشاعر الود والإعجاب بكتاباته الصحافية وبشعره الرائق والراقي في ذائقة الاستماع فله مني قصيد فخر ومني أعماقي دلو عسل.
 

نقلا عن صحيفة "الإقتصادية"

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com