19/05/2007


اعترافات الهاشمي الحامدي حول خفايا المصالحة
 
 
حاوره الطاهر العبيدي / تونس أونلاين نت
  • الرئيس بن علي لن يمانع في اتخاذ إجراءات كريمة مشجّعة في العام الخمسين لإعلان الجمهورية والعام العشرين لصعوده إلى سدّة الحكم.
  • ما الفائدة من بيان الشيخ راشد غير تعميق العداء الشخصي بين الحركة ورئيس الدولة ؟ 
  • تقسيم المجتمع المسلم إلى إسلاميين ومسلمين فكرة خطيرة.
  • عندما يخرج الإنسان ويستقيل من تنظيم عقائدي، فإن العلاقة بينهما تتأزّم إلى حد كبير.
  • السجن والقمع يشوّهان طبيعة الأشياء.
  • فكرة الحزب الإسلامي في مجتمع مسلم لم تعد تقنعني.
لأجل ملفّ أصيب بالتقادم وبات مؤرّقا للجميع، ولأجل قضية أصبحت عنوان الـتأزم السياسي وتعطيلا للنمو والتغيير، ولأجل مساجين خرّبت أحلامهم وطموحاتهم وأكلت من أعمارهم ومن شبابهم المعتقلات والسجون، ولأجل عائلات دفعت فواتير باهظة من الأذى والقهر والدموع، ولأجل منفيين افترستهم الغربة ومزّقهم الاشتياق والحنين، ولأجل وطن عوض أن يكون للجميع أضحى موصدا في وجه المعارضين، ومن أجل خصومة سياسية الرابح فيها مذموم والخاسر حبيسا في مربع الضحية والطعون، لأجل هذا وذاك استدعينا لهذا الحوار، أحد القيادات التاريخية للاتحاد العام التونسي للطلبة، وأحد الوجوه الإعلامية البارزة، الدكتور محمد الهاشمي الحامدي مدير قناة المستقلة والديمقراطية، الذي تثير تصوراته حول المصالحة بين الإسلاميين والسلطة التونسية الكثير من الجدل، بين مشكك ومساند، وبين متعاطف ومعارض، وبين متحفظ ومتفائل، وبين مستبشر ومتشائم، لمحاولة التعرّف على ملامح هذا الطرح، استضفناه في هذا اللقاء الذي لم يتردد مشكورا في الرد على أسئلتنا في نفس اليوم، رغم المشاغل والارتباطات، كما لا يخفى على العيون.
 
العبيدي: "اعترافات لم يسجلها قلم التحقيق" عنوان لسلسلة من المقالات بإمضاء محمد الهاشمي الحامدي، على صفحات جريدة الرأي في بداية الثمانينات، كانت لاقت تفاعلا من طرف القراء، حيث كنت توصّف فيها ظروف الاعتقال السياسي، وواقع الزنازين، والسطو على أحلام الشباب الطالبي، وإكبارك لزعماء الاتجاه الإسلامي، فأين أنت الآن من تلك الرؤى، وما هي أهم محطات التغيير لديك، التي جعلتك تأخذ مسافة فاصلة بين الماضي والحاضر؟
 
الحامدي: بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة صاحب الخلق العظيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم التحية والتقدير لك أخي الطاهر العبيدي ولجهودك الإعلامية الرائدة التي تحظى باحترام قطاع واسع من التونسيين. وفقك الله وكثر من أمثالك.
 
"اعترافات لم يسجلها قلم التحقيق" عنوان مرحلة مهمّة ومؤثرة في حياتي. كتبت تلك المقالات قبل أن أبلغ العشرين بعام واحد. قبلها بسنوات قليلة، كنت تلميذا في المعهد الثانوي المختلط بسيدي بوزيد. عرض عندنا عام 1977 الشريط السينمائي المشهور "الرسالة" للمخرج العالمي الشهيد مصطفى العقاد رحمه الله. عبر فيلم الرسالة انتبهت مجدّدا إلى الكنز العظيم الذي امتن به الله سبحانه وتعالى على العرب وعلى الناس كافة، كنز الإسلام. وغدوت من بعده متديّنا مواظبا على فروضي الدينية. جزى الله مصطفى العقاد عني خير الجزاء.
 
انتميت في نفس العام إلى التيار الإسلامي النشط على الساحة آنذاك، الاتجاه الإسلامي. وواصلت نشاطي الحركي فيه بعد دخولي إلى الجامعة خريف عام 1981. في 8 جانفي 1983 اعتقلت مع المكتب القيادي للاتجاه الإسلامي في الجامعة. كنت مشرفا على المكتب السياسي في هذا المكتب، وكان أميرنا " علي شنيتر " فرّج الله عنه. كان نشاطنا منصبّا على صياغة ميثاق للتعايش السلمي بين التيارات الطلابية وتأسيس اتحاد طلابي. وجدت نفسي في السجن مع زملائي في المكتب القيادي الطلابي، وعدد من قادة حركة الاتجاه الإسلامي في تلك الفترة، ومع عدد من القادة الإسلاميين الذين سجنوا قبلنا، في صيف عام 1981.
 
كنت متحمّسا لأفكاري وقناعاتي. وكنت أعرف أن السجن نتيجة من نتائجها المحتملة. وبعد خروجي من السجن في 17 جويلية 1983، واصلت خدمة تلك القناعات، وانتخبت أميرا للاتجاه الإسلامي في الجامعة عام 1984. مباشرة بعد خروجي من السجن أيضا، دخلت عالم الصحافة عبر تلك المقالات الأسبوعية عن تجربة السجن السياسي، والتي اخترت لها عنوان "اعترافات لم يسجلها قلم التحقيق". كنت أسعى لأكشف عن الإنسان في شخصية كل معتقل إسلامي، ولأزيح الغطاء التنظيمي عن كل واحد منهم، ليرى كل تونسي فيهم أخا أو ابنا أو صديقا. كنت رومنسيا أروّج للمحبة بين التونسيين. وأظن أنني لم أفقد هذه الرومنسية حتى اليوم. وشجّعني على كتابة تلك المقالات الشهيرة واحتفى بها صديقي أبو بكر الصغير الذي كان رئيسا لتحرير جريدة "الرأي" في تلك الفترة. الحق أنه صاحب فضل عليّ في دخول الساحة الإعلامية من بابها الكبير. جزاه الله عني خير الجزاء.
كانت الجامعة التونسية آنذاك تموج بالتيارات الفكرية والسياسية، اليسارية والقومية والإسلامية. وقد اعتقل قبل الإسلاميين نشطاء يساريون وقوميون. وكنت ومازلت أرى أن الدولة يجب أن تبدي قدرا أكبر من التسامح مع طلابها وشبانها.
 
عندما التحقت بجامعة لندن عام 1988 اكتشفت أن اتحاد الطلاب لا يثير الكثير من الاهتمام لدى الطلاب مع أنه قائم ونشط ومفيد. بينما كثيرون من أبناء جيلي سجنوا من أجل قيام مثل هذا الاتحاد أو إحياء الاتحاد السابق. اكتشفت أن الحرية تسمح بنمو طبيعي للأشخاص والأفكار، وتضع كل طرف في حجمه الحقيقي. السجن والقمع يشوّهان طبيعة الأشياء. ويلحقان أضرارا بليغة بالمصلحة العامة، من خلال الجروح التي تصيب أولئك الشبان المتحمّسين في عمر الزهور.
 
بعد ما يقرب من عشر سنوات من اعتقالي، استقلت رسميا من حركة النهضة، واخترت أن أعمل لوطني وديني وللقرية العالمية التي أنتمي إليها متحرّرا من القيود الحزبية. منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، تعلمت المزيد من الدروس من الجامعة ومن مدرسة الحياة، ومازلت أتعلم. فكرة الحزب الإسلامي في مجتمع مسلم لم تعد تقنعني. درستها جيّدا ووجدت أن أضرارها على الدين والوحدة الوطنية أكثر من منافعها. تسييس المساجد أيضا فكرة غير مفيدة. تقسيم المجتمع المسلم إلى إسلاميين ومسلمين فكرة خطيرة أيضا على وحدة هذا المجتمع وعلى مكانة الدين فيه. قد يكون فيها منافع قصيرة المدى، لكن أضرارها أكبر من منافعها. لذلك أدعو لنهج جديد، وطني ومعتدل، يبني على تراث الحركة الوطنية، ويتطلع لمجتمع ديمقراطي مسلم متسامح، فخور بهويته العربية الإسلامية.
 
العبيدي: عفوا د.الهاشمي إن كنا ننبش معكم بعض جزئيات الماضي، ذلك لأنه في تقديرنا لا يمكننا استيعاب الحاضر بمعزل عن فهم بعض ملابسات الماضي، وفي هذا الإطار يؤكد البعض أن سبب خلافكم مع حركة النهضة طيلة هذه السنين، كانت خصومة شخصية، حول رفض طلبكم الإشراف على رئاسة تحرير جريدة الفجر قبل مصادرتها، ممّا جعلكم تقدّمون استقالتكم، وتنقلبون على رفاق ألامس، وتتعمّق القطيعة والجفوة بينكم وبين حركة النهضة فما حقيقة الأمر؟
 
الحامدي: كنت عضوا بالمكتب السياسي لحركة الاتجاه الإسلامي لفترة من الوقت خارج البلاد، وكنت هاجرت من تونس عام 1986، شهورا قليلة بعد حصولي على الإجازة في اللغة والآداب العربية. في سبتمبر 1987 حكم عليّ غيابيا بالسجن عشرين عاما مع الأشغال الشاقة بتهمة الانتماء إلى حركة الاتجاه الإسلامي. وفي جوان 1988، اتصلت هاتفيا بالرئيس زين العابدين بن علي وتحدثت معه لمدّة ربع ساعة تقريبا عن تسوية ملفّات الماضي. انتهت المكالمة بموافقته على عودتي للبلاد، وبتأكيد منه أنه منكبّ على تسوية ومعالجة ملف حركة الاتجاه الإسلامي في وقت قريب. نشرت أخبار المكالمة على الصفحة الأولى في جريدة "الشرق الأوسط" وفي جريدة "الصباح" داخل تونس. وبالفعل عدت إلى تونس، ورتّبت عودة آخرين من قياديي الحركة في الخارج آنذاك أشهرهم الشيخ عبد الفتاح مورو، واعترضنا على الأحكام الغيابية التي خفّفت ثم صدر بشأنها عفوا رئاسيا. بقيت أعمل في الخارج مشرفا على صفحة الدين والتراث في جريدة الشرق الأوسط اللندنية وطالبا لدرجتي الماجستير ثم الدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن.
 
في صيف عام 1990 تم تجميد عضويتي في المكتب السياسي لحركة النهضة، بسبب مواقف أعلنتها ومقالات كتبتها اعتبرت مخالفة لسياسة الحركة. تعلقت هذه الخلافات بالتصعيد مع السلطة، وكنت لا أرى فائدة فيه مهما كانت الضغوط، وبحرب الخليج لأنني كنت لا أرى فائدة من الانحياز للموقف العراقي آنذاك بعد غزو الجيش العراقي للكويت. بقيت عضويتي في المكتب مجمّدة إلى حين استقالتي في ماي 1992. لم تكن تجربة طيبة أن تكون معارضا لنظام الحكم في بلادك، ومجمّدا في الحزب المعارض الذي تنتمي إليه. جريدة الفجر التي أشرت إليها مسألة ثانوية جدّا، ولم تكن لها أهمية إلا من جهة تأكيدها لي آنذاك أن ظروف العمل الطبيعية مع رفاق الأمس أصبحت شبه معدومة.
 
سألت نفسي في نهاية العامين: هل هناك فائدة من أن أكون معارضا للحكم في تونس ومعارضا مجمّدا داخل حزبي المعارض؟ الجواب الذي وصلت إليه: لا. وبطبيعة عملي ككاتب وإعلامي، فإن أسباب أو دواعي الاحتكاك والخلاف مع أصدقائي في الحركة كانت كثيرة، وكانت مرهقة نفسيا لي ولهم على ما أظن. لذلك رأيت أن أضع حدا لهذه العلاقة المتعثرة منذ عامين، وأن أعمل ككاتب وإعلامي مستقل، أعبر عن قناعاتي التي أؤمن بها، من دون أن أضايق الآخرين.
 
العبيدي: هل كانت لك جسور تواصل بينك وبين قيادة النهضة طيلة سنوات المقاطعة أم بقيت لك فقط علاقات خاصة مع البعض بحكم الانتماء الجهوي والتقارب الفكري ؟
 
الحامدي: عندما يخرج الإنسان ويستقيل من تنظيم عقائدي، فإن العلاقة بينهما تتأزّم إلى حد كبير، وتحتاج إلى وقت طويل من أجل أن تصبح هادئة وعادية. اقرأ مثلا بعض تفاصيل الخلاف بين قيادة جماعة الإخوان والشيخ محمد الغزالي في الخمسينيات. وانظر إلى تجليات بعض الخلافات التي جرت في صفوف الإخوان السوريين قبل عقد من الزمان، وفي صفوف الإسلاميين السودانيين. واقرأ إن شئت الردود الصحفية المنشورة للمهندس أبو العلا ماضي على المرحوم مأمون الهضيبي بعد خروج الأول عن جماعة الإخوان المصرية. واسأل اليساريين إن شئت والقوميين في تونس وخارج تونس عن تجاربهم مع من يخرج عن تنظيماتهم. على نفس النمط ولكن بدرجة أقل فيما أعتقد، توتّرت العلاقات بعد استقالتي بيني وبين رفاق الأمس في حركة النهضة لعدّة سنوات. انتهت صداقات الأيام التنظيمية كلها تقريبا. احتاج الأمر لعدّة سنوات من أجل تهدئة حقيقية في التوتر الذي شاب هذه العلاقات لفترة طويلة. قبل عامين، نشرت عدة مقالات عن الصلح والوفاق، وأظن أن هذه المقالات أسهمت في معالجة الموقف. أؤمن بأن مقتضيات الأخوّة الدينية والوطنية تحتّم علينا جميعا نحن التونسيين، أن يتحمل بعضنا بعضا، وأن يتسامح بعضنا مع بعض، وأن يغفر بعضنا لبعض. أؤمن بالحب بين أبناء الوطن الواحد. وأبناء حركة النهضة أهلي، أحبّهم كما أحبّ بقية التونسيين. قلت لهم قبل عامين في مقالات علنية: ما أخطأت به في حقكم منذ استقالتي من حزبكم فأنا معتذر عنه، وما أخطأتم فيه بحقي فأنا مسامح ومتنازل ولا أطلب منكم اعتذارا بشأنه. أظن أن هذا هو مقتضى التوجيه الشرعي والوطني في مثل هذه الحالات.
 
العبيدي: سنة 1998 سعيتم إلى مصالحة أدّت إلى إطلاق سراح أعداد من المساجين الإسلاميين، وكانت تحت عنوان عفو خاص، توسّطم فيها مباشرة مع رئيس الدولة، وقد حام الكثير من الجدل حول تلك المبادرة، وبقيت محل تلاسنات في الكواليس، فلو تعطينا ملخّصا لتلك المبادرة، وما هي العوائق التي حالت دون إتمام المهمة ؟
 
الحامدي: كانت تلك المبادرة في رأيي فرصة ذهبية لإصلاح ذات البين بين السلطة والإسلاميين في تونس. الرئيس بن علي تجاوب معي لأبعد الحدود، وأبدى استعداه لحل جذري للمشكلة. جزاه الله عنيّ خير الجزاء. كنت طلبت أن أتشرّف بمقابلته بمناسبة الذكرى العاشرة لتغيير السابع من نوفمبر، فاستقبلني في 12 سبتمبر 1998.
 
رويت في مناسبات سابقة أن رئيس حزب سياسي قانوني معروف حذرني بأنني لن أخرج سليما من قصر قرطاج إذا فاتحت الرئيس في شأن تسوية ملف الإسلاميين. لكنني فعلت، وحدثت الرئيس بكل صراحة عن أهمية معالجة هذا الملف وتسويته. تحدثت مع الرئيس بن علي أيضا في شأن السياسة الدينية، وفي شأن السيد خميس قسيلة والدكتور محمد مواعدة وكانا سجينين آنذاك، وفي شأن السيد محمد مزالي والدكتور أحمد القديدي. أثمرت المقابلة الأولى قبولا عمليا بإعادة النظر في ملف الإسلاميين. تم تسهيل عودة عدد منهم ورفع أحكام المراقبة الإدارية عن عدد آخر.
 
وفي مساء 28 أكتوبر 1999، حصلت من الرئيس بن علي، في حديث مباشر معه، على وعد بتسوية ملف الإسلاميين قبل أدائه قسم الولاية الرئاسية الجديدة في 15 نوفمبر 1999، بصيغة حزب سياسي أو جمعية دينية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإلغاء قيود الرقابة الإدارية على المعتقلين السابقين. قلت للرئيس بن علي إنني سأسعى لأن تصله رسالة مباشرة من قيادة حركة النهضة قبل 15 نوفمبر. وطلبت منه التكرّم باتخاذ بعض الخطوات التي تيسّر دفع هذه المساعي فوعدني خيرا.
 
اتصلت هاتفيا في ذات المساء بالشيخ راشد الغنوشي فقيل لي إنه غير موجود. تحدثت مع اثنين ممن عملا معي في قيادة الاتجاه الإسلامي في الجامعة. دعوتهما إلى بيتي في ذلك المساء وطلبت منهما عرض الأمر على قيادة حركة النهضة بأسرع وقت. لكن لم يصلني أيّ جواب.
 
تم إطلاق سراح قرابة سبعمائة سجين يوم 5 نوفمبر 1999، وأعلنت عن ذلك شخصيا من الدوحة في برنامج "حصاد اليوم" على شاشة قناة الجزيرة. وكان يحاورني آنذاك الأستاذ جمال ريان. كما أعدت تقديم العرض الذي وعد به الرئيس بن علي وطالبت الإسلاميين بالتجاوب واغتنام الفرصة.
 
في اليوم الموالي ظهر  الشيخ راشد في برنامج "حصاد اليوم" مع الأستاذ محمد كريشان، وهنا أحيّي الرجلين وأدعو لهما بالتوفيق. الشيخ راشد أكد خبر الإفراج عن المعتقلين، لكنه قال إنهم خرجوا من السجن الأصغر إلى السجن الأكبر، وتحدث في الحوار كله على هذا النحو السلبي.
 
كنت أرجو أن يقول الشيخ راشد ما خلاصته إنه يرى في هذا الإفراج خطوة طيبة في الاتجاه الصحيح، وأنه يرحّب بها، وأنه مستعد للتباحث مع الحكومة التونسية مباشرة في كل ما من شأنه تسوية هذا الملف وتعزيز الوفاق الوطني. جملة واحدة تفتح الباب لمشاورات مباشرة، من دون وسيط، بين السلطة وحركة النهضة. لكن اللهجة كانت لهجة معارض غاضب يريد اغتنام الدقائق القليلة المتاحة في حصاد اليوم لتسجيل نقاط ضد السلطة. وتلك أيضا كانت اللهجة التي سادت في برنامج "الاتجاه المعاكس" بيني وبين الشيخ راشد يوم 26 أكتوبر 1999".
 
كنت أدعو الله أن يلهمه قول ما يزيل الحواجز بينه وبين الرئيس بن علي، وما يزيل الحواجز بين حركته والسلطة. كنت آمل أن يقول: ما دام هناك حديث عن العفو والمصالحة، فأنا أرحب بهذا التوجه، وأدعمه، وأعرب عن استعدادي لبحث تفاصيله مع السلطات التونسية مباشرة. ربما كان الإعلامي المتألق الدكتور فيصل القاسم سيخسر حدّة المواجهة التي تميّز برنامجه الأسبوعي المشهور. لكن تونس كانت ستكسب كثيرا من مثل هذا التوجه الوفاقي. للأسف، حصل العكس، وضاعت الفرصة. 
 
العبيدي: ما يعاب على الدكتور الهاشمي حسب المتابعين، أنه متقلب في مواقفه، فمرّة ينفتح على المعارضة، ومرّة ينحاز للسلطة، ومرّة يلتزم الصمت ويكتفي بالفرجة، مما جعل البعض لا يطمئن لمواقفكم ويشكك في المصداقية السياسية ؟
 
الحامدي: مواقفي الأساسية ثابتة. أحلم بربيع تونس الجميل يضمّ إلى صدره الحاني كل التونسيين والتونسيات. أحلم بالحرية والأمن والطمأنينة لكل تونسي وتونسية. وأريد الصلح والوفاق بين التونسيين وأكره الفرقة والخلاف. تاريخي في السعي للصلح والوفاق ليس فيه أية تحولات أو تبدلات خلال العقدين الماضيين. حافظت على علاقاتي دائما مع من عرفتهم من أهل السلطة ومن نشطاء المعارضة. تبنيت شعار الكلمة الطيبة في السياسة التونسية ودافعت عنه باستمرار. لم أستقل من الحركة الإسلامية التونسية لأطلب الانضمام إلى الحزب الشيوعي. مرجعيتي الفكرية كمسلم ديمقراطي لم تتغير في العقدين الماضيين. عطائي في ساحة الفكر الإسلامي والتجديدي تضاعف ولله الحمد. كتبت السيرة النبوية الشريفة للقرية العالمية، وبدأت هذا الشهر تفسير القرآن الكريم برؤية معاصرة، رؤية ولغة مواطن في القرية العالمية، متحمس لحوار الثقافات والحضارات، منفتح على اليهود والمسيحيين والهندوس والبوذيين والغربيين وغيرهم. لست موظفا في السلطة ولم أكن أبدا موظفا فيها. هناك معارضون عملوا وزراء ونوابا في البرلمان ثم انقلبوا على السلطة. وأنا لست منهم.
 
الناس يشيرون إلى برنامج "المغرب الكبير" في قناة المستقلة عامي 2001 و2002.  ذاك البرنامج كان محاولة لتقديم إضافة كبرى نوعية في مسيرة الإعلام التونسي، وقد استمر لمدة عام، ونجح كما لم ينجح أي برنامج تلفزيوني آخر في تاريخ الإعلام التونسي، ثم توقف، وهذا أمر يحصل بشكل روتيني في وسائل الإعلام.
ربما أكون قد حاولت أحيانا الرد على كثير من خصومي الإسلاميين الذين عملوا على تشويه سمعتي في العديد من البلدان العربية والإسلامية بصفتي "عميلا" لدى النظام التونسي. وربما أكون حاولت أن أقول لبعض من عرفتهم في كواليس السلطة، ممن فتر حماسهم تماما لتسوية المطالب الفردية والإنسانية للعديد من الإسلاميين، ورفضوا طلبا مني بالنظر في إمكانية إلغاء المنشور 108، أنهم لا يستطيعون الحفاظ على أصدقائهم المخلصين الذين يدافعون عن قناعاتهم علنا وبشجاعة إذا لم يكونوا مستعدين لمراعاة حقوق هذه الصداقة.
 
ثم إن السياسة التونسية صعبة جدا على كل حال، والأدلة لا يمكن عدّها ولا حصرها من تجارب الساسة المعاصرين. وقد أكون أخطأت أو أسأت التقدير في بعض المواضع. وقد أكون تحمّست في مواضع تستدعي الهدوء، وتسرّعت في مواضع تستدعي التأني. كنت أعمل وأتعلم ممن حولي ومن تجاربي ومن أخطائي أيضا. لم أدّع الكمال يوما، ورحم الله إمرء أهدى إلي عيوبي. عندما أتدخل في موضوع أرجّح أن تدخلي سيكون مفيدا، وعندما أصمت فلأنني أرى أن الصمت هو الخيار الأوفق.
 
أتعلم من تجاربي ومن تجارب الآخرين من أجل أن يكون عملي في الساحة العامة مفيدا. أحاول دائما أن أعلي من مبادئ حقوق الإنسان والوفاق والديمقراطية وأن أعمل بكل ما في وسعي لنصرة هذه المبادئ في تونس. وأصوغ بعض اجتهاداتي الخاصة لمعالجة ملف الإسلاميين لأنه ملف تحيط به ملابسات خاصة لا يجهلها أحد. ملف معقد وأفضل للسياسي البراغماتي ألا يقترب منه أبدا. وأتحمل من أجل هذه الاجتهادات الكثير من السبّ والتجريح، وممّن ؟ هذا السبّ وهذا التجريح يأتيان ممّن أحاول إنقاذهم وإنقاذ عائلاتهم وأقاربهم من العزل والتهميش والحصار.
 
وأهمّ أحيانا أن أعلن انسحابي من الحياة السياسية التونسية تماما، لعل ذلك يطمئن العديد من الاخوة الأعزاء الذين يبغضونني، خاصة وأنني أعيش خارج تونس منذ 1986، ومنشغل بعملي الإعلامي، ويهمني الآن أن أتفرغ بالكامل إن استطعت لمشروع تفسير القرآن الكريم. لكنني لا أحبّ أن أتسرع، وأحبّ أن يشعر كل المخلصين من التونسيين أنني مستعد دائما للمساهمة بما أستطيع،  بتواضع كامل، ومن أي موقع، لخدمة مبادئ حقوق الإنسان والوفاق والديمقراطية في تونس.
 
العبيدي: الدكتور الهاشمي الحامدي المدة الأخيرة يسعى إلى طرح تصوّر مصالحة بين الإسلاميين والسلطة، وقد تباينت الردود بين مؤيد ومعارض، ومشكك ومساند ومستبشر، وصامت، فما هي ملامح هذا المسعى، وهل هناك ضوء أخضر من السلطة، وتفويض أو شبه تفويض من الحركة، أم هو اجتهاد شخصي ؟
 
الحامدي: هذا السؤال له علاقة بسؤالك السابق. الجواب هو أنني ممن يؤمنون بقوة بضرورة تحقيق المصالحة بين السلطة والإسلاميين. لم أيأس من تحقيق هذا الهدف رغم طول المدة. ولم أبدّل موقفي. ولذلك قدمت هذه المبادرة الجديدة لإعادة موضوع المصالحة إلى صدارة أولويات النخب التونسية، وبتفاؤل كبير بأن الرئيس بن علي لن يمانع في اتخاذ إجراءات كريمة مشجّعة في العام الخمسين لإعلان الجمهورية والعام العشرين لصعوده إلى سدّة الحكم.
 
قلت للإسلاميين وأكرّر عرضي لهم: أشهروا سلاح الحب في مواجهة السلطة. أصدروا بيانا واحدا يشيد بإنجازاتها المتفق عليها من قبل المنصفين والمنظمات الدولية المحايدة، وسلطوا الضوء على المبادئ المشتركة بينكم وبينها، وأعلنوا عن رغبتكم في التشاور المباشر معها حول الصلح والوفاق من دون وسيط. قولوا لهم ما قلته لكم من قبل وكررته اليوم: "ما أخطأت به في حقكم منذ استقالتي من حزبكم فأنا معتذر عنه، وما أخطأتم فيه بحقي فأنا مسامح ومتنازل ولا أطلب منكم اعتذارا بشأنه". غيروا ضمير المخاطب وقولوا هذا للسلطة. وقلت لهم: صوموا عاما واحدا أو عامين عن بيانات التنديد بالسلطة. إنكم تصدّرون هذه البيانات أعواما عديدة طويلة. فلم لا تجرّبون بيانات الكلمة الطيبة مدّة عامين فقط؟ أو الصمت إن ثقلت عليكم الكلمة الطيبة ؟ إنكم لن تخسروا شيئا، وأما الكسب المتوقع فأمامكم فرصة كبيرة للدخول في حوار مباشر ينتهي بتسوية الملف عبر إطلاق سراح بقية المعتقلين، ورفع قيود المراقبة الإدارية عن المعتقلين السابقين، وتطبيع أوضاعكم عبر جمعية ثقافية، وإلغاء المنشور 108، وفتح فرص للمشاركة السياسية عبر الأحزاب القانونية المرخص لها.
 
للأسف جاءت الردود سلبية جدا من أسماء صريحة وأخرى مستعارة تقدم نفسها قريبة من حركة النهضة أو منضوية فيها. هذا يعتبر الطرح المقدم عارا، وهذا يشتم ويسب ويلفق أخبارا لم أسمع بها من قبل في حياتي، وهذا يسخر. كأنهم هم ضحايا المصالحة إن تمت. ثم أصدر الشيخ راشد بيانا باسم حركة النهضة قبل أسبوعين حول الأحداث المؤسفة المؤلمة في صفاقس يهاجم فيه عائلة رئيس الدولة. أسأل: ما الفائدة من هذا البيان غير تعميق العداء الشخصي بين الحركة ورئيس الدولة؟ لماذا لم يفعل ذلك الحزب الديمقراطي أو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق  الإنسان أو حزب الدكتور مصطفى بن جعفر؟ الكلمة الطيبة أفضل. إنها وصفة مؤكد نجاحها بنص القرآن الكريم.
 
العبيدي: التوجه الدولي العام يسير نحو الانفتاح على ما يسمى بالإسلام المعتدل، أليس محاولاتكم في لعب دور الوسيط بين الإسلاميين والسلطة، يندرج ضمن هذا السياق، وتحديدا بإيعاز خارجي كما يلمّح البعض ؟
 
الحامدي: مسعاي لتحقيق المصالحة بين السلطة والإسلاميين في تونس لا علاقة له بأي جهة خارجية. ثم إنني لا أريد أن أكون وسيطا بين السلطة والإسلاميين. أكرر يا أستاذ الطاهر حتى لا يبقى لبس أو غموض، أكرّر للمرة الألف: لا أريد أن أكون وسيطا بين السلطة والإسلاميين. أريد من الطرفين أن يتقاربا ثم يتحاورا من دون وسيط. سبق أن قلت لك أنني لا أؤمن بتقسيم التونسيين لإسلاميين ومسلمين. أتحدث إليك كتونسي مسلم ديمقراطي، وكمواطن مستقل غيور على مصالح بلده.
 
العبيدي: في رأيك هل السلطة هي المعطلة بالدرجة الأولى لموضوع المصالحة، وإنهاء هذه المأساة، أم هي أطراف داخل الجهاز، أم هي جهات في الخط الدائري المستفيدة من هذا المناخ، أم هو خطاب البعض في الحركة الذي يزعج السلطة، أم هو تداخل وتشابك كل هذه التجاذبات ؟
 
الحامدي: إذا انتهج الإسلاميون نهج الكلمة الطيبة لمدة عامين فقط، وسلطوا الضوء على المشتركات بينهم وبين السلطة، على النهج الذي اقترحته أو على أي نهج قريب منه، ثم لم تتجاوب السلطة، فعندئذ تكون الحجة على السلطة. أما الآن، فالكرة في مرمى الإسلاميين كما يقال.
 
العبيدي: الملاحظ في طرحك للمصالحة، أنك تريد أن تستل اعترافا رسميا بمسؤولية حركة النهضة على حالة التأزم السياسي وواقع الانسداد، في حين أنك إلى حد ما تتغافل عن دور ومسؤولية السلطة، كما يتراءى لبعض المهتمين ؟
 
الحامدي: قال الأخ الدكتور أحمد المناعي بارك الله في عمره، في مقال علني، أنه رتب مرة لقاء بين خاله عبد الله فرحات، وزير دفاع الرئيس الحبيب بورقيبة، رحم الله الرجلين، وبين قيادة حركة الاتجاه الإسلامي في السبعينيات. وعرض فرحات الدعم والرعاية للحركة لكن الحركة اختارت طريقا آخر. وكانت المواجهة المشهورة عام 1981.
 
وفي 1984، بعد المصالحة المؤقتة مع الرئيس بورقيبة، عادت قيادات الحركة لمواقع الاشتباك بالإصرار على التحرك في المساجد، فوقعت مواجهة جديدة عام 1987.
 
وفي 1989، كان يفترض أن تدخل الحركة في لوائح انتخابية مشتركة مع التجمع الدستوري الديمقراطي وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين. فانتهى الأمر بمواجهة انتخابية شاملة بين التجمع والإسلاميين تلتها المواجهة المعروفة التي ما نزال نرى آثارها وتجلياتها حتى اليوم.
 
السلطة تعتقد أن حركة النهضة حاولت الاستيلاء على السلطة مرتين ولا تطمئن لها. أعوام المواجهة عمّقت حالة العداء والتوجّس وسوء الظن. والأمر يحتاج لما يشبه المعجزة لمعالجة هذا الموضوع بعد ضياع الفرصة السابقة التي أشرت إليها.
 
اقتراحي هو أن يبادر الإسلاميون باختراق جدار العداوة والجفاء والقطيعة عبر اعتماد الوصفة الربانية، وصفة الكلمة الطيبة. يا أخي: قيادة النهضة تتواصل مع بعض القادة العرب الذين حققوا السبق والقدح المعلى في الديكتاتورية والتحرّش بالإسلام وبالإسلاميين، وتستثقل منهج الكلمة الطيبة مع رئيس بلادها. إنه أمر عجيب ومحير. لست أطلب منهم أن يقدموا التنازلات التي قدمها الحسن بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عن الجميع. تلك تنازلات لا يقبلها الإسلاميون التونسيون ولو في المنام فيما يبدو. ولست أطلب منهم أن يقدموا التنازلات التي قدمها النورسيون للحكومة التركية في النصف الأول من القرن العشرين. ولست أطلب منهم التنازلات التي قدمها حكام الخرطوم للحركة الشعبية لتحرير السودان.
 
كل ما أقول لهم: أصدروا بيانا يقرب القلوب، وتوقفوا عن نقيضه عاما أو عامين. ما البدعة في هذا وأين الخطأ؟
الملاحظات على السلطة والمطالب منها تطرح في سياقها الصحيح، عند توفر قنوات الاتصال المباشر. أما نشرها في وسائل الإعلام فيعيد الأمور إلى المربع الأول. مربع المواجهة السياسية. يجب أن نفكر بنتائج أعمالنا ومقالاتنا. تصور مثلا لو أنني كنت أهاجمك في مقالاتي خلال الأعوام الماضية، هل كنت ستجري معي مثل هذا الحوار؟ ولو كنت أنت تهاجمني خلال العامين الماضيين، هل كنت سأستجيب لدعوتك والدخول في هذا الحوار؟ لا يمكن لحركة تصدر البيانات التي تهاجم رئيس الدولة وعائلته أن تقول له في اليوم التالي: نحن جاهزون للمصالحة وما عليك إلا أن تتصل بنا لأنك تعرف عنواننا. قد أكون مخطئا، لكن هذا هو فهمي للأمور. وأظن أن أكثر التونسيين يفهمون الأمر كما أفهمه.
 
العبيدي: هل صحيح ما يتردد انه هناك محاولات توسّط بينكم وبين حركة النهضة من أجل التصالح، للتخلص من حالة المقاطعة التي تشنها عليكم الحركة عبر قواعدها، والتي ترهقك كما ذكرت لأحدهم في إحدى مكالماتك الهاتفية ؟
 
الحامدي: ليس لي مشكلة مع الاخوة في حركة النهضة. بيني وبينهم رابطة الأخوة الدينية والوطنية. وباسم هذه الأخوة أدلي بالآراء التي نشرتها سابقا أو قلتها اليوم في هذا الحوار. إن استمرار عقدة حركة النهضة يؤثر على المسيرة الديمقراطية في تونس، ويؤثر على الحياة الدينية فيها، ومن مصلحة التونسيين جميعا أن تحل هذه المشكلة، وفي أقرب وقت ممكن.
 
استشرت أحد الأعضاء السابقين البارزين في الحركة، فقال لي إنه لم يعد مهتما بأمر النهضة على الإطلاق. وقال لي آخر: إنك تضيع وقتك، الجهة الوحيدة التي تعرف كيف تتعامل مع هذه الحركة هي السلطة، وكلما دعوت لتسوية ملفهم كلما نالك المزيد من الأذى منهم. لكنني لست مقتنعا بهذه الآراء.
 
العبيدي: بحكم موقعكم، كيف تتصور الخروج من هذا النفق، وما هي الآفاق المتاحة لطي هذا الملف، وما هو برأيكم مستقبل الوجود الإسلامي في تونس في ظل المناخ السياسي الحالي ؟ 
 
الحامدي: قدمت رؤيتي وتصوري للخروج من هذا النفق. أنا واثق أن عامين من نهج الكلمة الطيبة سيقودان لتسوية ملف التيار الإسلامي، وأن الثمار الأولى ستظهر بمناسبة عيد الجمهورية المقبل وذكرى السابع من نوفمبر,
 
العبيدي: أيّ نداء أو رسالة تريد توجيها في ختام هذا الحوار ؟
 
الحامدي: لدي رسالة أرغب في توجيهها لفخامة الرئيس زين العابدين بن علي:
 
لقد حققتم الاستقرار الاقتصادي في بلادنا رغم شحّ الموارد الطبيعية، وشهدت لكم المنظمات الدولية المشهورة، كما ضمنتم مكانة مرموقة لبلادنا في المحافل العربية والدولية. وإنني أشيد بما حققتم وأفتخر به.
 
وأضيف: هناك قادة كبار حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وأذوه، مثل خالد بن الوليد في أحد، ومالك بن عوف النصري قائد المشركين في معركة حنين. لكن ذلك لم يحل بينه وبين أن يحسن استقبال خالد يوم إسلامه، ويصفه بأنه سيف الله المسلول.
 
ولم يحل بينه وبين استقبال مالك بن عوف، بل إنه رد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل. وأسلم مالك وحسن إسلامه، فولاه النبي صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه. وما دام هذا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كبار خصومه فلا شك أنه النهج الأمثل، لأن نبينا عليه الصلاة والسلام هو الأسوة الحسنة والقدوة الأولى لكل مسلم.
 
والإسلاميون التونسيون هم أهلك ومواطنوك. تلك حقيقة لا يمكن تبديلها أو تجاهلها. وإنني أدعوكم للتكرم باتخاذ مبادرات من قبلكم تدفع للصلح والوفاق والتسوية، بحيث لا تأتي ذكرى السابع من نوفمبر المقبل إلا وكل العائلات الفكرية السياسية محيطة بكم مؤيدة لكم.
 
لقد أعربتم دائما عن انحيازكم للديمقراطية. والتونسيون كما قلتم في بيان السابع من نوفمبر جديرون بحياة ديمقراطية حقيقية تتسع لكل التيارات.
 
إنني أحترمكم وأقدر إنجازاتكم لتونس ونواياكم المخلصة. وأؤكد لسياداتكم أن اتخاذ خطوات نوعية لاستكمال المسيرة الديمقراطية سيعزز مكانتكم في نفوس مواطنيكم وفي تاريخ بلادكم.
 
وأوصيكم رفع الله مقامكم بالإسلام دين التونسيين. فإن الأمة الفرنسية انتخبت الزعيم الذي تبنى الدفاع عن هويتها. والرئيس الأمريكي نجح بأصوات المحافظين والمتدينين الأمريكيين. وقد قرأت تاريخ تونس والدول العربية فرأيت التاريخ حفظ المقام الأعلى والأكثر تبجيلا لكل قائد خدم الإسلام وعظم شعائره. وقد سبق في حكم الله وسننه: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
 
أناشدكم وأرجوكم ألاّ تسمحوا للمعركة مع حركة النهضة بأن تتخذ ستارا من قبل بعض المتطرفين لمحاربة الكتاب الإسلامي، والتضييق على الحجاب والحريات الدينية.
 
إنني أدعو الله أن يوفق سيادتكم لما فيه خير البلاد والعباد، ويعزّكم بالإسلام، ويُعلي على يديكم قيم العدل والحرية وحقوق الإنسان، ويحفظكم، ويرعاكم، ويسدد خطاكم دائما لما يحبه ويرضاه. آمين. وصلى الله علي سيد الخلق إمام الهدى والرحمة المهداة للعالمين، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وعلى أتباعه بالحق إلى يوم الدين.
 
 www.tunis-online.net
info@tunis-online.net

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com