29/07/2008

 

محمد مخلوف: مهرجان الشاشة العربية أهم معاركي الحياتية
 
حاورته: مروة عبد الله

 
سينمائي ليبي.. غادر موطنه ليعيش في عاصمة الضباب.. عمل كاستشاري للأفلام القصيرة والوثائقية للعديد من الشركات التلفزيونية العربية والأوروبية، كما عمل بالصحافة المقروءة.. وأسس "جماعة قوينا للسينمائيين الليبيين" بلندن في عام 1993، و"الجمعية الوطنية للفنانين الليبيين" في لندن في عام 1985.
 
من أهم إنجازاته في مجال المهرجانات السينمائية، تأسيسه لـ "مهرجان الشاشة العربية المستقلة" في عام 1998، والذي أقيمت دورته الأولى بلندن في ابريل 1999 برعاية قناة الجزيرة، ودورته الثانية في الدوحة في مارس 2001.
 
من أعماله السينمائية: اسمي بشر، وفي ظل الشجرة، والقفص، ورجل من ليبيا. يقول: "ما العالم إلا قفص كبير أعيش فيه!".. وأقول: "إن القفص لم يستطع سجن عقله الذي يعيش حرا مستقلا".
 
دخلت عالمه الكبير وسأحاول أن أقدم لكم صورة سينمائي عربي يتنفس هواء الحرية ويحمل قلبه عشقا خاصا للفن السابع وحلما كبيرا باعادة تقديم مهرجان سينمائي قوامه العقول المستقلة المؤمنة بامكانية تحقيق الأحلام الصغيرة وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
 
قدمت "القفص" كفيلم قصير يلخص حياتك في المنفى.. إلى أي مدى استطاع الفيلم التعبير عن حالة الاغتراب التي تعيشها؟
 
اخترت عنوان "القفص" لأنني أعتبر نفسي محبوسا في قفص.. فلا أستطيع أن أعود لموطني وبهذا فإن العالم كله بالنسبة لي قفص كبير. والفيلم حالة خاصة وعامة.. أجسد فيها قصتي بشكل سردي مختلف لأعبر عن قضية تمس آلاف البشر حول العالم ممن حرموا من سعادة الوجود في بلادهم مع ذويهم وأصدقائهم. وقد تم تصوير الفيلم بكاميرا Super 8، واستغرق التصوير 7 ساعات، ولكن مدة الفيلم لا تزيد عن 12 دقيقة، واعتمدت فيه على طريقة جديدة في السرد.
 
اختلفت مع نظام الحكم في بلدك، واخترت لندن كمنفى منذ عام 1975 .. حدثنا عن تلك الفترة؟
 
بدأت حياة المنفى في عام 1975 ، فقد كنت مشتركا بما يسمى الحركة الطلابية ثم هربت إلى إنجلترا وهناك درست في شمال البلاد ثم انتقلت إلى لندن في عام 1982 لأعمل في الصحافة العربية المقروءة. ونشرت مقالاتي في كل من "الشرق الأوسط"، و"القدس العربي"، و"الحياة"، كما كتبت كتيبين عن ليبيا. وبعد ذلك بدأت في مشروع السينما، ووجدت أن الصورة أكثر تأثيرا من الكتابة خاصة في وطن تتفشي الأمية فيه كوطننا العربي.
 
ولكن ألا ترى أنك اخترت نوعا من السينما محدود الانتشار في الوطن العربي.. وهو الأفلام القصيرة؟
 
بالطبع لا.. فقد بدأت الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة تجد طريقها للعرض من خلال القنوات التليفزيونية الفضائية مثل قناة الجزيرة وغيرها ، وبدأ الناس يقبلون عليها.
 
نود أن تفسر لنا معنى الاستقلالية في عنوان مهرجان "الشاشة العربية المستقلة للأفلام التسجيلية والقصيرة" والذي أشرفت على تنفيذه في لندن ثم في الدوحة.. هل تقصد استقلاله عن النظم السياسية العربية، أم استقلال الأفلام المشاركة عن الشركات الإنتاجية الضخمة؟
 
لقد سئلت هذا السؤال كثيرا.. وأقصد بالاستقلالية هنا استقلال المهرجان عن حكومات الدول العربية، فالمهرجان لا يتبع حكومة معينة ولا يتبناه حاكم بعينه. ولهذا السبب اخترت لندن كمقر للمهرجان لأنني أجد حرية أكبر فيما يتعلق بالمهرجان.
 
هل كان المهرجان يفرق في تعامله مع ثالوث الحريات "الدين" و"السياسة" و"الجنس"؟
 
لقد رفضت اشتراك بعض الأفلام لما فيها من مهاجمة لجنس أو عقيدة أو عرق ما.. فالمهرجان ليس منبرا للشتائم أو للدعاية السياسية... ولكنه لعرض الأفلام التي تتناول الواقع العربي بموضوعية، لا للأفلام التي تروج لحاكم أو تهاجم أيديولوجية معينة لحساب أيديولوجية أخرى.
 
ولكن السينما بالأصل وسيلة للتعبير عن وجهة نظر شخصية.. فكيف تمنع شخص من عرض وجهة نظره فقط لاختلافك معها؟
 
طبعا السينما وسيلة للتعبير عن وجهة نظر شخصية.. ولكن المشكلة التي لمستها بنفسي في أوروبا وأحاول أن أتفاداها، هي تمويل الأفلام المهاجمة للوطن العربي والإسلام بميزانيات ضخمة، وهي خطة صهيونية يجب أن نكون على وعي بها ونحذر منها. وللأسف يقبل بعض المخرجين العرب على هذه النوعية من الأفلام.. وبالطبع أرفض عرضها، لأنني عربي مسلم يجب أن أحافظ على هويتي التي هي ورقة التوت الأخيرة التي لا يجب أن نتخلى عنها.
 
بدأ المهرجان كمحاولة لتعريف الجمهور الأوروبي بالقضية الفلسطينية، وبالفعل كان برنامج "فلسطين: الواقع والأحلام" هو العمود الفقري للمهرجان.. ولكن الأمر اختلف، فبعد انتقاله إلى قطر، وعلى الرغم من وجود برنامج "فلسطين في الذاكرة" إلا أن المهرجان فقد هدفه الأصلي بتوصيل صوت قضية فلسطين للعالم.. ما تعليقك؟
 
دائما ما أقول "أينما كانت الحرية أينما يكون مهرجان الشاشة العربية".. وأنا أسعى أن يشاهد العرب هذه الأفلام.. ففي أوروبا يسهل عرض الأفلام الروائية القصيرة والأفلام التسجيلية، أما في الوطن العربي فالأمر أكثر صعوبة. وفي الواقع فقد أعطتني قناة الجزيرة حرية كامل فيما يخص المهرجان وتنظيمه. ولقد دعوت عدد كبير من النقاد والصحفيين والفنانين الأجانب للمشاركة في المهرجان في قطر، ومنهم على سبيل المثال "شيلا ويتيكر" المديرة السابقة لمهرجان لندن الدولي، التي كانت عضو بلجنة تحكيم المهرجان في دورته الأولى بلندن، وكان معها "أهداف سويف" الكاتبة المصرية المشهورة وآخرين من عدة دول أوروبية لم يكونوا على دراية كاملة بالفن السينمائي العربي، ولكنهم سعدوا جدا بالأفلام وأبدوا إعجابهم بها، ثم دعوت "شيلا ويتيكر" كضيفة شرف للدورة الثانية.. وهناك شاهدت فيلما عن تاريخ الشعب الفلسطيني بعنوان "فلسطين: سجل شعب" أخرجه "قيس الزبيدي" وهو مخرج عراقي مقيم بألمانيا، وكان للفيلم دور كبير في تغيير وجهة نظرها عن القضية، وعندما عادت لبلادها بدأت الترتيب لمهرجان للسينما الفلسطينية تحت رعاية مؤسسة الفنون المعاصرة بلندن، كما كونت لجنة من فنانين أجانب لمقاطعة البضائع الإسرائيلية.. هذا التأثير خطوة مهمة لتحقيق أحلامي الكبيرة فيما يتعلق بأهداف مهرجان الشاشة العربية المستقلة للأفلام التسجيلية والقصيرة.
 
وما سبب انتقال المهرجان إلى قطر؟
 
تم تمويل الدورة الأولى للمهرجان من قبل قناة الجزيرة، وبعد نجاح هذه الدورة تحمس القائمون على القناة للموضوع، وطلبوا استمرارها، وتم نقل الفعاليات إلى قطر التي استضافت فعاليات الدورة الثانية، ثم انتقل المهرجان إلى دبي ولكن جاءت ظروف حرب العراق لتعيق مسيرة المهرجان وتمنع كل شيء.. ولكن الفكرة مطروحة الآن لنقل المهرجان إلى بلد عربي آخر.
 
ألا تجد صعوبة في تفاعل الجمهور والسينمائيين العرب مع المهرجان؟
 
بالنسبة للشعوب العربية لا توجد مشكلة.. المشكلة هي توصيل المهرجان للحكومات العربية، فالجماهير متعطشة لهذا النوع من السينما الذي لا يجد مكانا للعرض، وبالتالي ينتظرها الجمهور ويبحث عنها بشغف. وأبسط مثال على ذلك أن حفلات الأفلام التسجيلية والقصيرة في مهرجان دبي السينمائي كانت كاملة العدد طوال أيام المهرجان.. وكان الإقبال عليها واسع النطاق سواء من العرب أو الأجانب. وأعتقد أن سبب هذا الإقبال – بالإضافة لتعطش الجماهير لهذه الأفلام – هو ثراء الأفلام وتنوعها وجودتها العالية، فكان جدول العروض يحمل بالفعل أفلاما جيدة ومتنوعة.
 
المهرجان يحمل عنوان مهرجان الشاشة (العربية)، ومع ذلك فقد شاركت في دورته الأولى أفلام من أمريكا وأوروبا .. فكيف ترى ذلك؟
 
الأفلام الأجنبية لم تكن تشترك في المسابقة الرسمية التي تقتصر على الأفلام العربية فقط، ولكنها كانت تعرض على هامش المهرجان من خلال الأقسام الخاصة. ذلك أن أحد شروط المهرجان هو قصر الاشتراك في المسابقة الرسمية على المشاركات العربية.
 
هل مازال الحلم يراودك بإعادة التجربة بعد توقفها؟
 
المهرجان بشكل عام يشكل واحدة من معاركي الرئيسية في الحياة التي لن أتنازل عن الفوز بها.. فهو فكرتي التي أخذت سنوات طويلة من عمري، وكان لي الشرف أن أنجح بالمهرجان في جمع عدد كبير من مخرجي الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة في ملتقى واحد خرج منه أسماء كبيرة ونجوم تسطع في سماء الإخراج الآن أمثال "فوزي بن سعيدي" و"حكيم بلعباس" من المغرب، و"توفيق أبو وائل" و"إيليا سليمان" من فلسطين و"بدر بن حرثي" الذي قدم أول فيلم روائي يمني، وغيرهم. كما أحلم بأن تتاح لي فرصة التنقل بالمهرجان عبر الدول المختلفة على مدار السنة، في جولة تحمل أهم الأفلام المشاركة بآخر دورات المهرجان، لعرضها لمدة يومين في كل دولة.
 
كيف تم اختيارك كمستشار البرمجة للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة بمهرجان دبي السينمائي ؟
 
أجري معي حديث صحفي في مجلة Time out وقرأ الحوار مدير مهرجان دبي في ذلك الوقت "نيل ستيفنسن" فاتصل بي ودعاني إلى دبي، وطلب مني تولي مسئولية برنامج الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة للمهرجان.
 
كيف ترى الفرق بين مهرجان دبي والمهرجانات العربية الأخرى؟
 
باختصار.. أرى أن المهرجانات العربية الحكومية بها خلل أو مشكلة رئيسة، وهي من يعطي القرار في النهاية.. فالكل ينتظر مديره.. كما تتسم هذه المهرجانات - للأسف - بما يعرف بـ"الشللية"، فنرى نفس الوجوه تقريبا في كل المهرجانات. أما بالنسبة لمهرجان دبي، الوضع يختلف نظرا لاختلاف المدينة ذاتها، فهي مدينة دولية تجارية، تحاول الدعاية والترويج السياحي للدولة ككل، ومهرجان دبي يحظى بدعم قوي يتم بشكل صحيح، وينظم بطريقة صحيحة حيث ترعاه شركات ضخمة مثل شركة طيران الإمارات، وأيضا تحكمه عقول مفتوحة على العالم بأسره وليس على العالم العربي فقط.
 
ما رأيك في السينما الرقمية التي باتت تنتشر في مصر والعالم العربي؟
 
وسيلة سهلة للتعبير. حيث يمكن لأي شخص أن يصور فيلمه بتكاليف بسيطة إذا ما قورنت بالسينما بشكلها التقليدي، وهي تتيح الفرصة لاكتشاف مواهب كثيرة، وتسهم في زيادة عدد الأفلام.. وبهذه الطريقة أصبح بإمكان أبناء هذا الجيل توثيق مجتمعاتهم ومشاكلهم وهمومهم وأحلامهم وآمالهم. ولا أعتقد أن التصوير الرقمي قد يؤثر سلبا على السينما التقليدية، لأن مكانها هو دور العرض، أما الأفلام المصورة رقميا فتعرض في أي مكان.. وأعتقد أن كل فيلم يتم إنتاجه سوف يشجع آخرين على خوض التجربة وهو أمر جيد.
 
كيف تقيم الوضع السينمائي العربي الحالي؟
 
هو كارثة بالطبع.. فالسينما محاصرة برقابة سياسية بالأساس لأن الحكام العرب يخافون الصورة.. وهذا الأمر يبرر لنا كره الحكومات العربية لقناة الجزيرة على سبيل المثال، لأنها تعرض أفلاما لا تعرض في بلاها.
 
معنى ذلك أنك ترفض الرقابة على الأفلام؟
 
نعم، ولكن بالطبع توجد خطوط حمراء لمجتمعنا العربي لا يجب أن نتخطاها..، فأنا أرفض مفهوم الحرية المطلقة الذي يحول الدنيا لفوضى. حتى في أكثر دول العالم تقدما وديموقراطية لا يوجد ما يسمى بالحرية المطلقة، فهناك حدود تحكم كل شيء.. فقنوات الأفلام الإباحية ممنوعة في بريطانيا على سبيل المثال. وأعتقد أن ضوابطنا منطقية جدا، فهي تخضع للإسلام الذي وضع ضوابط لكل شيء تحكم وتنظم الحياة، وهي ضوابط أخلاقية، تراعي التقاليد والأخلاق وتحفظ الناس وتؤمن صفاء حياتهم.. وتكوَن طريقة مثلى للحياة.
 
ما أفضل فيلم شاهدته .. أو دعنا نقول أقرب فيلم لقلبك؟
 
سؤال صعب جدا.. فأنا أعجب بعدد كبير من الفنانين من دول عربية مختلفة. ولكن بشكل عام يمكن القول أنني أحب الأفلام المصرية القديمة، كنت ألمس فيها روح مصر، ومنها تعلم الوطن العربي بأسره اللهجة المصرية، وعشق المواطن المصري ببساطته وخفة ظله. أما أغلب الأفلام الحالية فهي فقيرة فنيا، ولا تحمل الروح المصرية.. مجرد فيديو كليب طويل لا يمثل أي شيء ولا يعبر عن أي قيمة.. ومن ناحية أخرى فإن هذه الأفلام تقدم لغة غريبة لا يفهمها الشباب العربي .. أما عن أفضل الأفلام التي شاهدتها خلال العشرين سنة الماضية، فكانا من المغرب: الأول للمخرج "محمد عسلي" وهو "الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء" والثاني للمخرج "إسماعيل فروخي" وهو "الرحلة الكبرى".
 
من وجهة نظرك هل استطاعت السينما الفلسطينية تأريخ المشكلة الفلسطينية؟
 
في السنوات الأخيرة خرجت عدة حركات سينمائية مستقلة.. أرى أن أهمها هي السينما الفلسطينية. والدليل على ذلك هو أن الفيلم العربي الوحيد الذي حصد جائزة من مهرجان كان بعد فيلم "أحمد راشدي" كان الفيلم الفلسطيني "يد آلهية" للمخرج "إيليا سليمان" الذي خرج من بوتقة مهرجان الشاشة العربية المستقلة التي اكتشفت موهبته. وبشكل عام فإن السينما الفلسطينية نشيطة جدا، ويوما بعد يوم يزداد عدد المخرجين الفلسطينيين، سواء داخل فلسطين أو خارجها.. وهم يصنعون أفلاما جيدة ومؤثرة تصل للناس بعيدا عن المباشرة والخطابية. ولهذا السبب فإن إسرائيل تكره أفلامهم وتحاول منعها بل واعتقال مخرجيها.
 
وماذا عن آخر أعمالك السينمائية؟
 
استعد لتصوير ثلاثة أفلام وثائقية الأول عن أحد أهم شعراء العامية المصرية "أحمد فؤاد نجم"، والثاني عن أول فتاة مصرية تعمل بمجال الرسم الكاريكاتيري في صحيفة الدستور المصرية وهي الرسامة "دعاء العدل"، والأخير يتناول ظاهرة الأفلام المستقلة المصرية.
 
نقلا عن "مقهى الأوروميد" 25 يونيو 2008
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com