حوار مع سيف بن سالم ابن عالم الرياضيات التونسي

 

أجرى الحوار الطاهر العبيدي

taharlabidi@free.fr

 

 

الطاهر العبيدي         سيف بن سالم

 

* المجموعة الأمنية كانت لردع النظام...

* والدتي تطبخ الأكل في الشارع، واخوتي نيام على الرصيف....

* محاولة قتل أخي عباس ابن العشر سنوات، الذي نجا ولكنه فقد رجله...

* تحصلت على البكالوريا بمعدل جيد وأنا لم أدرس في الثانوي سوى 3 سنوات...

 

من أبشع الصور قتامة، هي أن تكون عائلات سجناء الرأي رهينة وفريسة للمعاناة والمحاصرة والتجويع والانتقام، فأي شيء أفظع من أن يكون الأطفال والعائلات، هدفا معزولا للثأر والانتقام، يدفعون ضريبة مجانية، لمحاولة تحطيم التماسك الأسرى وتكسير أوتاد البيت،  يدفعون طفولتهم البريئة ثمنا، ذنبهم الوحيد أنهم أبناء مساجين...

 

قد يكبر هؤلاء الأطفال يوما، ولكن ذاكرتهم ستظل مفتوحة على مشاهد الغبن والقهر، ليكون الحصاد جيلا لم يعرف من استقلال الوطن سوى قبّعات التدخل السريع، وسيارات المراقبة واختلاس طفولتهم، ورؤية آبائهم من خلف القضبان، ومشاهدة الدموع المتجمّدة في عيون أمهاتهم، واغتيال الوطن الرمز، الذي اختزلته سنوات العزلة، وسنوات النقمة، وسنوات المحنة، وسنوات الاضطهاد والسنوات العجاف... وعوض أن يكون طفل السجين السياسي كغيره من الأطفال، مهيأ للمستقبل للنهوض والانطلاق، يظل راسبا في جغرافية الزمن القهري، زمن الحلم المنهوب، والأمل المفقود والوطن المسلوب والطموح المسدود، ويبقى ممزّقا بين الانتماء لوطن بالتبنّي لم يعطه سوى المحاصرة والسطو على لعبه الطفولية، وبين الانتساب لوطن التجنّي، تلك هي باختصار وبعجالة، معاناة أطفال المساجين في تونس، وما يعانونه من ظلم بعمر سنوات الاعتقال، وهذا الحوار، هو عيّنة لأحد هؤلاء الأطفال، من بين آلاف ومئات الأطفال، الذين كبروا بين هواجس الأمن ووابل السؤال...

 

قبل أن تكون ابن منصف بن سالم، عالم الرياضيات المعروف على مستوى دولي، نود التعرّف عليك، فما هي وضعيتك في المهجر، وكيف تمكنت من القدوم إلى فرنسا بطريقة عادية، في ظل الحصار المضروب على عائلتك؟

 

سيف بن سالم: أبلغ من العمر 29  سنة، مجاز من جامعة صفاقس التونسية، اختصاص إعلامية في التصرف، طالب لجوء بفرنسا منذ سنة ونصف ولا زلت أنتظر موافقة المصالح المختصة، عن أسباب قدومي إلى فرنسا، استدعيت من طرف شركة فرنسية لإجراء تربص يدوم ثلاثة أشهر، على أساس أن أكون ممثلا لهذه الشركة في تونس، وحال انتهاء مدّة التربص تجهزّت للعودة إلى تونس، غير أن تلك الفترة تزامنت مع مظاهرات الطلبة والأساتذة ضد زيارة شارون المرتقبة، فنصحني والدي بعدم العودة والبقاء في فرنسا، حتى لا أكون فريسة للاضطهاد، مع العلم أني أكبر اخوتي، يليني أسامة 27 سنة مجاز في الرياضيات، ثم مريم 24 سنة مجازة في الإعلامية، وأخيرا عباس 22 سنة  يدرس في ألمانيا اختصاص هندسة ميكانيكية.

 

والدك المنصف بن سالم فكّ إضراب الجوع، الذي تواصل 15 يوما، فما هي النتائج الذي حققها الإضراب؟

 

سيف بن سالم: بداية أحيي كل الذين وقفوا معي ومع عائلتي، واشكرهم جميعا على الجهود الكبيرة التي بذلوها في سبيل إبراز هذه المظلمة، فقد تجنّدت للدفاع عن قضية عائلتي، كل التيارات السياسية والمنظمات والجمعيات الحقوقية والإعلاميين وأحرار العالم في الداخل والخارج، في العلن وفي الخفاء، ممّا جعلني أشعر بالاعتزاز بانتسابي لهذا البلد المعطاء، فلم يتأخر عن مؤازرتنا المواطن، ولا اليساري ولا الإسلامي ولا العلماني ولا الديمقراطي ولا الحقوقي...وهذا في رأيي يعتبر أكبر كسب، وهو التفاف كل الفرقاء من أجل القضايا العادلة، ما يبشّر بالأمل في العمل المشترك، ضمن أرضية القواسم المشتركة.

 

أما الشيء الذي تحقق على إثر إضراب الجوع، فهو التراجع عن قرار طرد أخي أسامة والطلبة الآخرين، بالإضافة إلى تحرّك القضية على مستوى إعلامي داخليا وخارجيا، إلى جانب انهيار جدار الخوف، ما يفسّر أسراب الطلبة، من مختلف الشرائح في الداخل الذين يهاتفون يوميا والدي، للتعبير عن مؤازرتهم له، كما أن العديد من المنظمات الحقوقية وعدتنا بمواصلة العمل وتبنّي القضية، مع الإشارة أن إضراب الجوع لم يتوقف، ولكنه علق في انتظار رد السلطة للإجابة على المطالب المشروعة، وإذا لم تحل القضية، تكون عودة من جديد للإضراب.

 

كم كان عمرك لما دخل والدك للسجن، وما هي الصور التي لا زالت عالقة بذاكرتك إلى الآن؟

 

سيف بن سالم: كان عمري 11 سنة، وأبشع صورة من مئات الصور المرعبة التي افترست طفولتي، هي سنة 1987  بعد الانقلاب بشهرين، وقعت مداهمة بيتنا في منتصف الليل، حين وقع إيقاظي من النوم بطريقة وحشية من طرف أحد الأعوان الذي نزع عني غطاء النوم، ففتحت عيني مرعوبا، لأستفيق على رشاش البوليس مصوّبا إلى صدري، ولك أن تتصوّر طفلا في مثل سنّي ينهض من النوم على مثل هذا المشهد، وللحقيقة التاريخية أننا أيضا تعرّضنا في عهد بورقيبة سنة 1986 إلى مداهمات، ولكن كان فيها احترام وكثير من التأدّب، كما أن أكثر الصور إيلاما بالنسبة لي، هي معاناة والدتي التي اعتبرها عنوان التضحية والصمود، إذ أنها طيلة 5 سنوات، حين كان والدي في السجن، لم تتخلف عن زيارته مرة واحدة، كان يوم الأربعاء مخصصا لزيارة المساجين، ويوم الأحد لإدخال قفة المأكولات، وكنا أطفالا صغارا نسافر معها، من مدينة صفاقس مقر سكننا إلى تونس العاصمة التي تبعد مسافة 300 كلم، وتحمل معها قارورة غاز وأواني الطبخ وبعض الأغطية، ونتخذ مكانا قصيّا، قريبا من السجن في العراء، وتطبخ الأكل لوالدي السجين، قبل موعد الزيارة بساعة، حتى لا يصله الطعام باردا، لأنه يعاني من مرض المعدة، ويمكن أن تتخيل الوضعية، أبنائها نيام على الرصيف، وهي تطبخ الأكل في الشارع، كل ذلك حتى تساهم في تخفيف معاناة والدي...

 

هل يمكن أن تصف لنا الوضع العائلي، الذي كنت تعيشه في ظل الحصار البوليسي والمراقبة المستمرة، التي تخضع لها الأسرة ؟

 

سيف بن سالم: الوضع سيئا، مما ولد لديّ نوعا من التأزّم والغضب البركاني، حيث كنت أتعرّض في المعهد إلى الكثير من الاستفزازات، من طرف بعض الأساتذة بأني ابن إسلامي وأبي إرهابيا، وكنت أثور وأغضب، وهذه المعاناة اليومية في المعهد، خلقت لديّ شعورا بالنقمة على الدراسة والتعليم، وخصوصا مادة الرياضيات، لأني كنت اعتبرها سبب مأساة عائلتي، لأن أبي عالم في الرياضيات، وجنينا من علم والدي سوى الهموم، وحتى بعض زملاء المعهد، لما يأتون معي للبيت لنراجع الدروس، يقع استدعاء أهاليهم للمخفر، ويمضون التزام بعدم مراجعة الدروس معي، وأذكر أن أحد الأيام افترى عليّ أحد الأساتذة التجمعيين(منتمي للحزب الحاكم)، بأني كتبت على سيارته شعارا معاديا، فوقع إحالتي على مجلس التأديب، وتبيّن أن هذه التهمة باطلة، حيث أني في الوقت الذي وقع فيه اتهامي باطلا، من طرف هذا الأستاذ( المربي )، كنت وقتها في فصل امتحان، وأثبت ذلك دفتر مناداة الحضور. واستمرت المضايقات والمحاصرة والتهكمات وخلق المشاكل لي، إلى أن ضقت ضرعا، وانقطعت عن الدراسة وأنا في السنة الثالثة ثانوي رغم معدلاتي الجيّدة، وقد استاء والدي لقراري هذا، وهجرت البيت وعمري حوالي 14سنة، واشتغلت حارس ليلي بأحد الجبال في الأرياف النائية، وبعدها فتحت مطعما على ملك خالتي، وحقق نجاحا كبيرا، غير أن أعوان الأمن كانوا يرتادون المحل، ويتناولون الأكل مجانا، مما جعلني أنهي المشروع، بعدها توجهت إلى إحدى الثكنات العسكرية، قصد قضاء واجب الجندية، وحين قدمت بطاقة هويتي، وبمجرد أنهم عرفوا من خلال إرشادات الحاسوب، أني ابن عالم الرياضيات منصف بن سالم السجين السياسي، ضحكوا مني كثيرا، ورفضوا تجنيدي ورموا لي بطاقة هويتي، اتصلت بالعديد من المعاهد الحرة للدراسة، فرفضوا جميعا تسجيلي، إلى أن وجدت معهدا حرّا ضعيفا من حيث المستوى التعليمي، فاتفقت مع مديره أن أسجّل وأدفع له المعلوم الشهري دون أن أحضر الدروس، فوافق وبقيت اشتغل بعض المهن الهامشية، وقد ساعدني في دفع مصاريف التسجيل الشهرية، جمعية الوفاء بالنرويج التي اغتنم هذه الفرصة لأقدم لها جزيل الشكر والعرفان، وبقيت في هذا المعهد السنة الرابعة والخامسة والسادسة ثانوي، كل سنة أتلقى بطاقة النجاح دون أن أحضر يوما واحدا للدرس ولا للامتحان، إلى أن وصلت إلى الباكالوريا، عندها سجلت في معهدا آخر أكثر جدية، وهنا قرّرت التحدّي، وأردت أن أبيّن لوالدي أني لست أنا الذي هجر التعليم، ولكن هم الذين هجّروني من مقاعد الدراسة، وأثناء الباكالوريا التجريبية، كنت الأول من بين ثلاث معاهد حرة، رغم أني تحصلت في مادة الفرنسية صفر والإنجليزية صفر بحكم أني لم أدرس ثلاث سنوات في الثانوي، ومع ذلك تقدمت لامتحان الباكالوريا ونلتها في أول دورة بمعدل جيد، وفي الكلية تحصلت على إجازتي بمعدلات جيدة، وأنهيت الأربع سنوات بسلام في اختصاص إعلامية تصرّف رغم وعورة هذا الاختصاص، وسأروي لك حادثة من بعض الحوادث الكثيرة، في ليلة امتحان الباكالوريا، جاءت مجموعة من البوليس الذين يراقبون ليلا نهارا عائلتنا، ووقفوا تحت نافذة الغرفة التي أنام بها، وظلوا للصباح يشغّلون منبهات سيارتهم دون انقطاع، حتى لا أتمكن من النوم، كي أفشل في امتحان البكالوريا، وفعلا في الصباح ذهبت للامتحان البكالوريا مرهقا جدا، ومع ذلك تغلبت على تعبي، ووفقت في النجاح، هذه بعض المآسي المختصرة جدا من سنوات القهر وسنوات الجمر، إلى جانب مأساة أخي عباس، الذي كان يبلغ في ذاك الوقت 10 سنوات، حين ذهب إلى سوق ليبيا بصفاقس، رفقة والدي ووالدتي وأختي مريم، ولما ذهب والدي لسيارته لجلب بعض المتاع، هجمت سيارة من نوع 404 باشي على العائلة قفزت، أختي مريم، وأمي كسر ذراعها، وظل أخي عباس هاربا والسيارة تطارده، إلى أن كسرت رجلة من حد الركبة، مع العلم أن هذا السوق ممنوعا منعا باتا على دخول السيارات، واتضح بعد ذلك أن السائق لا يملك رخصة سياقة، وأنه ابن عم الضابط المكلف بمراقبة بيتنا، ولم يقع توقيفه ولو ساعة زمن، ولما نقل أخي عباس للمستشفى، اضطررنا إلى دفع كل المصاريف، مما جعل والدي يبيع أملاكه ويتداين لمعالجة آخي، وحين قدّمنا قضية لجبر الضرر، وقع إتلاف الملف ثلاث مرات، وحين غادر أخي عباس المستشفى، وكان من الضروري تغيير الضمائد، التي تلف ساقه من الأسفل حتى الركبة، فكل طبيب نتصل به يأتينا يوما وبعدها لا يعود أبدا، فكل طبيب يأتينا تخضعه مصالح الأمن للإمضاء على التزام بعدم إسعاف أخي، مما جعل ساقه تتعفن، ولا أريد أن أحكي لك كثيرا عن هذه الحادثة الأليمة، أو الجريمة في حق طفل العشر سنوات...

 

من جهة العائلة محاصرة أمنيا، ومن جهة أخرى أنت خرجت إلى فرنسا بطريقة عادية، وكذلك أخوك الذي يدرس في ألمانيا، فهل يعني هذا نوعا من غضّ بصر السلطة، أم نتيجة ضغط دولي وحقوقي؟

 

سيف بن سالم: ليس نتيجة ضغط دولي، وإنما بالنسبة لأخي عباس هو نوع من التخلص، لأن السلطة بكل القرائن المادية والدلائل، متورطة في حادث المرور، وبالتالي كان شكلا ما من الخروج من هذه الورطة، أما بالنسبة لي فقد كنت متمردا إلى حد الجنون، نتيجة المعاناة اليومية، واستوت عندي الحياة والموت، حتى أصبحت مزعجا للسلطة، وعبئا على النظام فلم يعد يهمني لا السجن ولا القتل، ولا الموت، وأذكر يوم تقدّمي لنيل الإجازة، منع والدي من الدخول، فوقفت في شرفة القاعة التي بها اللجنة، وهدّدتهم بالانتحار وجعلها فضيحة للكلية، إذا لم يدخل والدي ويحضر تقديم رسالة إجازتي، لقد صرت أتصرف كالمجدوب، لان بلدي لم يعطني سوى الاضطهاد والمراقبة والتنغيص، وفعلا على إثر هذا التهديد الجاد، سمح لوالدي بالدخول ومتابعة تقديم رسالتي الأستاذية، لهذا فقد أصبحت هاجسا بالنسبة للسلطة، تود التخلص منّي، تصوّر أني أدخل للمقاهي وأعتلي كرسي، وأبدأ أخطب على الناس وأبيّن لهم ظلم النظام، والسلطة تعرف أني لا انتمي لأي تيّار سياسي، ولكنه مخزون بركاني من الغضب مردّه الحيف المسلط علينا جميعا...

 

ماذا تعلمت من والدك وبماذا أفاد البلاد؟

 

سيف بن سالم: تعلمت منه " أن الساكت على الحق شيطان أخرس"، وأصدقك القول أني على إثر ما تحملته عائلتي من معاناة، كنت بيني وبين نفسي، ألوم والدي لماذا دخل عالم السياسة، حتى ندفع مثل هذه الضريبة، ولما دخلت الجامعة رأيت مظاهر الانحدار، تصور بوليس يأمر أستاذ جامعي يقول له هذه البنت تجمعية( تنتمي للحزب الحاكم)، يجب أن تنجح، وفعلا ينفذ طلب البوليس، بدل الكفاءة العلمية، بعد هذه المهازل وغيرها، فلو يسمح لوالدي بالرجوع للتعليم، والتخلي عن السياسة لا أوافقه الرأي، لأنه سوف يكون شاهدا على الباطل، كما تعلمت منه التضحية وحب الناس والتسامح، تعلمت منه حب الوطن والاعتزاز ببلدي، والإرادة الفولاذية والصبر والمقاومة وعدم طأطأة الرأس، أما ما قدّم للبلد، فهو إفادة طلبته، وكان يشتغل بإخلاص وضمير دون احتكار المعلومة المفيدة، وكان حريصا على النهوض بالمستوى العلمي لطلبته، الذين هم جيل المستقبل.

 

أنت من جيل آخر غير جيل والدك، فكيف تنظر لجيل والدك، حيث كان من أبرز العلماء متفوقا علميا، في حين لم يحالفه النجاح في عالم الساسة؟

 

سيف بن سالم: بالنسبة لوالدي لا أراه أخطأ في الانتماء إلى تيار قدّم من أجله تضحيات، وهي ضريبة المبادئ والمثل والقناعات، وحسب رأيي أن المجموعة الأمنية كانت لردع النظام، بعدما تبيّن حالة الانهيار السياسي العام بالبلاد آن ذاك، وبعد الانقلاب وقع القبض على هذه المجموعة، وبعد حوار وتدقيق، تبيّن أن غرض المجموعة هي انقاظ البلد، وليس لإشاعة الفوضى أو إعلان الحرب، وفي تقديري الشخصي، أن النقطة الغائبة عن الأذهان، ولا زالت محل أسئلة وتجاذبات وتكهنات وافتراضات، أن عناصر المجموعة الأمنية لم يتكلموا، ربما لأن الوقت غير مناسب، ومتى تكلموا بكل الحقائق، فربما سيعرف ممن تنقصهم المعطيات، أنهم ظلموا هؤلاء في تأويلاتهم وتحميلهم المسؤولية، وتجنّيهم على هؤلاء الوطنيين الأحرار..

 

والدك أحد أقطاب حركة النهضة التونسية، فبحكم سنك أنت وجيل الشباب من مثل عمرك، ماذا تعني لك حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا)؟

 

سيف بن سالم: رغم تباين الآراء واختلافها، بين من يقول أن حركة النهضة كمرحلة طويت، وبين قائل أن حركة النهضة اختفت من الذاكرة، وبين من يقول أنها لا زالت مؤثرة في الحراك السياسي العام بالبلاد، فإنه من وجهة نظري، فلئن كانت حركة النهضة قد ضربت ووقع قمعها بطريقة عنيفة جدا، إلا أنها كفكر وكثقافة وسلوك لا زالت حاضرة، ولا زالت مؤثرة في الداخل والخارج، ورقما لا يمكن اختزاله، وإذا كانت كما يروّج غير موجودة، فلماذا كل هذا الخوف من إطلاق سراح المساجين الإسلاميين، ولماذا كل هذه المراقبة المستمرّة والحراسة المشدّدة على المفرج عنهم، من مثل الجبالي والعريض والزواري والدولاتي وغيرهم، لولا خوف النظام من أن هذه العناصر وغيرها قادرة على التواصل مع الناس ومع الجماهير..

 

ما هي حسب رأيك وأنت أحد الشباب الذي لم يعش تجربة حركة النهضة أولويات العمل الإسلامي؟

 

سيف بن سالم: في تقديري أولويات العمل الإسلامي، هي خدمة المجتمع قبل السياسة، بمعنى الدعوة وإصلاح المؤسسات، ونشر الوعي المدني، لأن النظام يخسر يوميا مواقعه، حتى تلك التي اشتراها بالهتاف المدفوع الأجر، نتيجة ظلمه وغياب العدالة، وبالنسبة لحركة النهضة وحسب رأيي المتواضع أرى أنها أخطأت حين دخلت الانتخابات التشريعية، كان الأولى هو المطالبة بالحقوق والإصلاحات السياسية، قبل المطالبة بالسلطة، هذا دون أن ننسى أن أخطاء النظام كانت ولا تزال كارثية، وكان منذ البداية يستعدّ لضرب كل المعارضة بلا رحمة، دون أن يتفطن له أحد، فأخطاء الحركة كانت في القراءة السياسية وهذا طبيعي، في كل الحركات السياسية المعارضة، أما أخطاء النظام فكانت سلوكا ومنهجا واستراتيجية، وفي المقابل هناك تطور ملحوظ وإيجابي في خطاب المعارضة، واتفاقها على وجوب التغيير لفائدة البلاد ولفائدة الجماهير.   

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com