28/10/2009
 

 

محمد قطب.. خزانة الإسلاميين الفكرية

 

علي عبدالعال

أرشيف الكـاتب


 
 

محمد قطب

 
لم يحظ محمد قطب بشهرة شقيقه الأكبر صاحب "المعالم" و"الظلال" المفكر والأديب الإسلامي سيد قطب، وإن لم يكن أقل منه تأثيرا في الحركة الإسلامية بالعالمين العربي والإسلامي، إذ يعد قطب -من خلال كتبه وأدبياته ومحاضراته وتوجيهاته عبر إشرافه على عدد كبير من الرسائل الجامعية- مدرسة فكرية متكاملة كانت ومازالت لها أثر بعيد وملحوظ في شرائح من الأجيال المتتابعة من الإسلاميين في المشرق والمغرب.
 
المولد والنشأة
 
ولد محمد قطب في 26 أبريل عام 1919 ببلدة (موشا) التابعة لمحافظة أسيوط بصعيد مصر، والده (قطب إبراهيم الشاذلي) كان من مزارعي البلدة، لم يتجاوز تعليمه المرحلة الابتدائية، إلا أنه كان واحدا من مثقفي القرية المهتمين بالأمور العامة. والدته هي السيدة (فاطمة عثمان)، تنتمي لأسرة متدينة ومحبة للعلم، تلقى إخوتها دراستهم بالأزهر، وبرز منهم أحمد حسين الموشي، الذي امتاز بمواهبه الأدبية والقلمية، إذ كان شاعرا أديبا، اشتغل بالصحافة والسياسة، وكان أحد ثلاثة أشخاص عدهم محمد قطب ساهموا في بناء فكره إلى جانب شقيقه سيد قطب والأديب عباس محمود العقاد. بعد وفاة الوالد قررت الأم أن تبعث بولديها "سيد" و"محمد" إلى القاهرة ليتلقيا تعليمهما هناك، فانتقل "محمد" مع أشقائه "سيد" و"أمينة" و"حميدة".. وفي القاهرة بدأ دراسته، فأتم المرحلتين الابتدائية والثانوية، ثم التحق بالجامعة حيث درس الإنجليزية وآدابها في جامعة القاهرة التي تخرج فيها عام 1940، ثم تابع دراسته بمعهد المعلمين فحصل على دبلومة التربية وعلم النفس. عمل محمد قطب بالتدريس لمدة أربع سنوات، وبإدارة الترجمة بوزارة المعارف لمدة خمس سنوات، ثم بالتدريس مرة أخرى لعامين، ثم مشرفا على مشروع الألف كتاب بوزارة التعليم.
 
محنة الأخوان قطب
 
 
سيد قطب
 
بدأت محنة آل قطب أولا مع النظام الملكي في مصر مباشرة بعد عودة الشقيق الأكبر من أمريكا التي قضى فيها عامي (1949 - 1950).. فبمجرد عودته سل سيد قطب قلمه في معارك صحفية وسياسية كانت دوما تعرضه للاعتقال، وما أن انطلقت ثورة يوليو 1952 حتى اصطدم القائمون عليها بأصحاب الاتجاه الإسلامي من "الإخوان" وعلى رأسهم مفكر الجماعة سيد قطب الذي تأكدت صلته بالحركة بعد عودته من أمريكا. ظلت الأحداث تتسارع إلى أن دُعي قطب أوائل 1953 ليشارك في تشكيل الهيئة التأسيسية للإخوان، ولم تمض أشهر حتى وقعت حادثة المنشية الشهيرة أكتوبر 1954م (حيث اتهم عبد الناصر الجماعة بمحاولة اغتياله) فاعتقل على خلفية هذه الحادثة سيد قطب ومن معه من قادة وعناصر الحركة، وكان من بينهم شقيقه محمد، وقد ألحق كل من الأخوين بمكان في السجن الحربي بعيد عن الآخر، وحيل بينهما حتى لا يعرف أحدهما عن الآخر شيئا، وهو ما عبر عنه محمد بالقول: "كانت فتنة السجن الحربي بالغة الأثر في نفسي، إذ كانت أول تجربة من نوعها، وكانت من العنف والضراوة بحيث يمكن لي القول إنها غيرت نفسي تغييرا كاملا". أفرج عن محمد قطب بعد فترة غير طويلة، في حين حكم على سيد بالسجن 15 سنة، وهي الفترة التي تمكن خلالها من كتابة "في ظلال القرآن". يعلق محمد قطب على خروجه من السجن، بالقول: "خرجت يوم أفرج عني لأحمل عبء الأسرة التي كانت من مسئوليات أخي وحده كما عودنا، ومضيت أخوض تجارب الحياة العملية خلال أكداس من العسر على مدى عشر سنوات"، فقد أفرج عن سيد قطب بعفو صحي في مايو 1964. لكن على عكس المعتاد علق محمد على الإفراج قائلا: "تلقيت ذلك الإفراج بكثير من القلق، إذ كنت أحس في قرارة نفسي أنهم لم يخلوا سبيله إلا وهم يدبرون له أمرا أشد سوءا من السجن، وقد كان ما توقعت"، فما أن انقضى على مغادرة سيد للسجن الحربي عام واحد حتى اضطربت الأمور مرة أخرى، وشرع عبد الناصر في الاعتقالات 1965، فأعيد سيد قطب إلى السجن مرة أخرى وأعيد أيضا شقيقه محمد، وعلى عكس المرة الأولى طال المقام بمحمد حتى قضى في السجن ست سنوات، من 30 يوليو 1965 إلى 17 أكتوبر 1971، بينما أعدم سيد قطب و6 آخرون من قادة الإخوان وتم تنفيذ الحكم سريعا في فجر الإثنين 29 أغسطس 1966. وخلال هذه الأحداث تعرض آل قطب لحملة ضارية من التنكيل، فقتل "في هذه المجزرة" -حسبما أطلق عليها محمد قطب- واحد من أبناء أخته "أثناء التعذيب دون إعلان"، واعتقلت شقيقاته الثلاث، و"منهن الكبرى أم ذلك الشهيد، وعذبت الشقيقة الصغرى ثم حكم عليها بالسجن عشر سنوات". لكن رغم قساوة ما لقيه قطب وأسرته على أيدي النظام الناصري في مصر ظل يؤكد في كتاباته فيما بعد على خطر الصدام مع الأنظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي قبل القدرة عليه، وقبل أن يفهم الناس المحكومون بهذه الأنظمة معنى كلمة التوحيد وضرورة الحكم بما أنزل الله، مستدلا بقوله تعالى: "وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ".
 
الهجرة إلى السعودية
 
شهدت مرحلة خروج الإخوان من سجون عبد الناصر ما يشبه الهجرة الجماعية من مصر، ولم يكن محمد قطب الذي أفرج عنه في أكتوبر 1971 استثناء من هذه القاعدة، وقد أصابه ما أصابه، فسافر في أوائل السبعينيات إلى المملكة العربية السعودية، حيث بقي هناك إلى الآن. عمل مدرسا في كلية الشريعة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة، ثم في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، ويرجع الفضل لمحمد قطب -حسبما ذهب مراقبون- في تأسيس مدرسة إسلامية ذات طابع حركي داخل الجامعات السعودية، عبر إشرافه على العديد من الرسائل الجامعية التي رسخت العلاقة بين مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين المشاكل الفكرية والحركية المعاصرة، وقدر لهذه الرسائل الجامعية أن تتجاوز في تأثيرها المملكة العربية السعودية لبقية العالم الإسلامي بعد طبعها في كتب، ومن أبرز هذه الرسائل "العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة" للدكتور سفر الحوالي، و"الولاء والبراء" للشيخ محمد بن سعيد القحطاني، و"أهمية الجهاد" لعلي بن نفيع العلياني.. وقد حاز قطب على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية في عام 1408هـ - 1988م. ويعيش المفكر الإسلامي المصري منذ سنين في مكة المكرمة، وكان قد أصيب بجلطة دماغية بسيطة، نُقِل على إثرها (الثلاثاء 1/9/2009) لتلقي العلاج في مستشفى المركز الطبي الدولي بجدة في المملكة السعودية.
 
تأثره بسيد قطب
 
 
قطب أثناء محاكمتة
 
كان سيد قطب -مفكر الإخوان المسلمين الذي أعدمه جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي- يكبر شقيقه محمد بـ 12 عاما، فكان له بمثابة رب الأسرة وبمكانة الأب والصديق بعد وفاة والدهما.. تحدث محمد قطب عن أكثر الرجال تأثيرا في بنائه الفكري والعقلي، مؤكدا أنه شقيقه الأكبر، فهو الذي أشرف على تعليمه وتوجيهه وتثقيفه، يقول: كانت صلة سيد بي من حيث التربية يتمثل فيها العطف والحسم في آن.. فلا هو اللين المفسد، ولا الشدة المنفرة، كما أنه كان يشجعني على القراءة في مختلف المجالات، وكان هو نفسه نهما إلى القراءة، فساعدني هذا التوجيه على حب المطالعة منذ عهد الطفولة. وعن الأبوة الفكرية بين الشقيقين يقول محمد قطب: لقد عايشت أفكار سيد بكل اتجاهاته منذ تفتح ذهني للوعي، ولما بلغت المرحلة الثانوية جعل يشركني في مجالات تفكيره، ويتيح لي فرصة المناقشة لمختلف الموضوعات، ولذلك امتزجت أفكارنا وأرواحنا امتزاجا كبيرا، بالإضافة إلى علاقة الأخوة والنشأة في الأسرة الواحدة، وما يهيئه ذلك من تقارب وتجاوب.
 
خاله والعقاد
 
أما الرجل الثاني الذي تأثر به محمد قطب فهو خاله (أحمد حسين الموشي)، وقد تحدث عنه قائلاً: كان لوجودنا مع خالي، ذي النشاط السياسي والأدبي والصحافي، أثره الملموس في توجيهنا ـ أخي وأنا ـ نحو الأدب والشعر وتغذية ميلنا إلى القراءة والاطلاع، وإذ كان خالي على صلة وثيقة بالعقاد فقد اجتذبنا إلى التأثر به فكرياً وأدبياً إلا أن تأثيره في أخي كان أكبر لطول مصاحبته ومعايشته، ولاشتراكهما في النشاط الأدبي والنقد بخاصة. أما عن أثر العقاد في نفسه وفكره، فيقول: يمكنني القول بأن أثر العقاد بي فكرياً إنما يتمثل في الصبر على معالجة الأفكار بشيء من العمق وعدم تناولها من سطوحها، وأسلوبياً يتمثل في التركيز على الدقة في التعبير.. وطبيعي أن شيئاً من ذلك لم يظهر إلا بعد أن بدأت أمارس الكتابة بالفعل، وفيما عدا هؤلاء الثلاثة لا أحسب أحداً ترك في نفسي أو فكري طابعاً ملحوظاً، اللهم إلا بعض اللمسات الهامشية التي لا تعد في المؤثرات الهامة. لكن متى بدأ هذا التأثر بالعقاد، يقول: بدأ منذ بدأ الاتصال بكتبه وكتب المازني وطه حسين، وأنا في التاسعة من سني، إذ كنت أجدها بجانبي في البيت، فأحاول أن أفهم منها ما يتيحه لي وعيي وتجربتي. ولعل من أثر العقاد ولع محمد قطب بالأدب "الذي يمكن القول بأنه مفتاح شخصيته، فهو أديب في مشاعره، وأديب في تفكيره، وأديب في فلسفته، وأديب في طريقة تناوله لكل ما ينشئ .. هذا إلى كونه شديد التركيز على أهمية الأدب في مخاطبة القراء والمستمعين، حتى لتشعر، وهو يطالعك بأفكاره في هذه الشئون، أنه يعتبر الكلمة الجميلة، والعبارة البليغة، والصورة الموحية، هي الوسائل المفضلة التي عن طريقها يتوصل الداعية الإسلامي إلى التأثير المنشود في العقول والقلوب. تحدث في مقابلة صحفية عن (الشعر والقصة ـ بأنواعها والمسرحية) فيقول: "في هذه الفنون يحسن دائماً أن يتوارى المؤلف، وأن يتوارى القصد المباشر، وأن يصل المؤلف إلى هدفه من خلال عرضه مشاهد حية، شعورية وفكرية، وحسية، يتصرف الناس فها تصرفاتهم التي تتناسب مع مواقفهم المختلفة ومن خلال براعة العرض يتبين الموقف الصحيح، أو الذي ينبغي أن يتجه إليه الناس". يضيف : "والملحوظ أن الشعر والقصة والمسرحية إذا لجأت إلى التعبير المباشر تستوي مع الموعظة بكون تأثيرها يكون عابراً مؤقتاً ثم لا يلبث أن يخفت ويضيع .. على حين تظل مع التعبير غير المباشر مؤهلة للخلود".
 
منهجه الفكري
 
عرف المفكر الإسلامي الشهير بنقده اللاذع للغرب وحضارته ونظرياته الفكرية، فحينما كانت أفكار كالليبرالية والشيوعية والاشتراكية تجوب البلاد الإسلامية وتسيطر على العديد من المحافل الإعلامية والثقافية، وكانت نظرياتها تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية في الخمسينيات والستينيات، قدم محمد قطب "مجموعة من الكتابات الرائدة آنذاك في نقد هذه الأطروحات وبيان تهافتها معرفيا وعدم صلاحيتها للتطبيق في العالم العربي والإسلامي" -حسبما يرى محمد سليمان في مقال له- إذ إنها جاءت متفاعلة ومرتبطة بخبرة الحضارة الغربية بما لا يتفق بحال من الأحوال مع الخبرة الإسلامية. وفي إطار نقده للمنتوج الفكري والثقافي الغربي حمل قطب مشعل الدعوة إلى أسلمة العلوم والتعامل معها من خلال القيم والأخلاق الإسلامية، لذلك تراه يذهب إلى أن العلوم الإنسانية جميعا، والتي تشمل علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع، إنما سميت في أوروبا كذلك: "لا بمعنى أنها تعالج أمورا إنسانية كما يتوهم بعضنا حين يستخدم هذا الوصف، بل بمعنى أن المرجع فيها هو الإنسان، وليس الله"، ثم يفسر ما ذهب إليه بالقول: إن "هذه العلوم نبتت في أوروبا ضمن جو معاد للدين، بسبب الظروف المحلية القائمة هناك منذ عصر النهضة، ونحن نقلناها كما هي، ودرسناها في مدارسنا وجامعاتنا بنفس الروح المجافية للدين والمعادية له، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر"، ثم يقدم المخرج من هذه الإشكالية بالقول: "وقد آن لنا أن نتخلص من وطأة الغزو الفكري على عقولنا وأرواحنا، فنتناول هذه العلوم من منطلقنا الإسلامي الذي لم يعرف العداوة بين الدين والعلم، ولا بين الدين والحياة"، وهي الفكرة التي أوقف الرجل حياتها عليها.
 
كتبه ومؤلفاته
 
 
محمد قطب مع الداعية
الليبي سالم الشيخي
 
أمضى محمد قطب معظم حياته محاضرا ومشرفا وكاتبا، وقد عُرف عنه غزارة الإنتاج، فله زهاء 30 كتابا من مؤلفاته الفكرية والتربوية والأدبية، يتداولها الإسلاميون من كل الاتجاهات، وفي جميع أنحاء العالم، وقد اجتهد الشيخ (90 عاما) في كتاباته من أجل تفسير الواقع من منظور إسلامي ومنطلق معرفي "مخالف لنظرية المعرفة الغربية". له سلسلة طويلة من الكتب والمؤلفات من أبرزها: "جاهلية القرن العشرين"، و"واقعنا المعاصر"، و"كيف نكتب التاريخ الإسلامي"، و"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهج حياة"، و"العلمانيون والإسلام"، و"شبهات حول الإسلام"، و"حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية". ومن أشهر الكتب التي أصبحت دليلا على الرجل وهو دليلا عليها كتابه "جاهلية القرن العشرين"، الذي يقدم فيه قراءة متكاملة للحداثة الغربية وامتدادها في المجال الإسلامي، ناعتا إياها بأنها جاهلية ثانية، تماثل من حيث الانحراف والفساد الجاهلية العربية قبل البعثة النبوية، وفي كتابه "مذاهب فكرية معاصرة" قدم محمد قطب رؤية معرفية نقدية لهذه المذاهب تعتمد على قراءة عميقة وتفكيكية لمقولاتها النظرية ولتجربتها الواقعية، وقد أصبح الكتاب مرجعا أساسيا، حتى اعتمدته العديد من كليات الشريعة في العالم العربي والإسلامي. أما كتابه "حول التفسير الإسلامي للتاريخ" فهو دعوة إلى المؤرخين المسلمين لكي يعيدوا كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي المتميزة، لإزالة التناقض القائم اليوم بين عقيدة الأمة ودراستها للتاريخ.  في رده على سؤال "ما أحب مؤلفاتك إليك؟" خلال مقابلة صحفية أجاب قطب بالقول: من المعتاد أن يقول المؤلف إن كتبه كلها أبناؤه، وكلهم عزيز عليه، وأنا أيضا أقول هذا، ومع ذلك فقد يكون (الإنسان بين المادية والإسلام)، وهو باكورة كتبي، أحبها إلي، فضلا عن كونه الابن البكر، فهو يشتمل على الخطوط الرئيسية التي انبعثت منها عدة كتب تالية في مجال التربية وعلم النفس.. يضيف: كما أن كتاب (جاهلية القرن العشرين) له موضع خاص في نفسي كذلك، ولعل السبب أنه يمثل رؤيتي لحقيقة الجاهلية، وأنها ليست محدودة بفترة معينة من الزمن، وإنما هي حالة يمكن أن توجد في أي زمان ومكان، وأن البشرية تعيش اليوم أعتى جاهلية عرفتها.
 
ما أخذ على قطب
 
وإن لم نكن في مجال تشريح الرجل ولا في تفصيل ما يؤخذ عليه فكريا، لكن لعل أبرز ما يمكن أن يوجه من نقد إلى محمد قطب عدم حسمه للتأويلات التي جنحت بأفكار شقيقه وذهبت به إلى دوائر التكفير والعنف، خاصة أن محمدا كان الأمين على فكر شقيقه منذ إعدامه، وهو الناشر لكتبه، والمشرف على طباعتها. كما ينظر البعض إلى كتابات محمد وسيد قطب على أنها المعين الذي استقت منه جماعات متشددة أفكارها، بحيث تغلغلت فيهم لدرجة أنهم يستعملون أحيانا نفس الألفاظ والكلمات التي كان يقولها سيد قطب ثم من بعده محمد، لا سيما فيما يتعلق بمفاهيم الجاهلية والحاكمية. ومن المعلوم أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن كان قد تعلم في مرحلته الجامعية على يد محمد قطب، وهو من الشخصيات القليلة التي أثرت فيه، حسبما ورد في السيرة التي كتبت له تحت عنوان (كيف تشكلت عقلية بن لادن؟) ما نصه: لكن في الجامعة كان هناك شخصيتان كان لهما أثر متميز في حياته، هما الأستاذ محمد قطب والشيخ عبد الله عزام، حيث كانت مادة الثقافة الإسلامية إجبارية لطلاب الجامعة. وقد حدثت زوبعة في مصر منذ عقود على تنظيم "القطبيين" الذي قيل إن أفكار محمد قطب وسيد قطب كانت هي المحرك الفكري للمنتمين له، وقيل إن الإستراتيجية التي اعتمدها القطبيون للتغيير الإسلامي كان قد دونها بشكل متكامل محمد قطب في "واقعنا المعاصر"، وتتلخص في أنه يتحتم تربية أغلبية الشعب على العقيدة الإسلامية الصحيحة حتى إذا قامت الدولة الإسلامية الحقيقية أيدها وتحمل الصعاب التي ستترتب على قيامها من قبل القوى الغربية التي ستقاوم أي نهضة إسلامية حقيقية في مصر. في حين يرى المدافعون أن كتابات الأخوين قطب بريئة من تلك القراءات، ولقد طبعت كتبهما عشرات الطبعات، ووزعت منها مئات الآلاف من النسخ وصارت نبراسا للكثيرين وأكثرهم من أجيال الشباب، فلم يكفروا المجتمع، ولم تصل إليهم تلك الأفكار.
 
علي عبدالعال 
صحفي مصري
Aly_abdelal@yahoo.com
 

* سبق نشر المقال بموقع "إسلام أونلاين - 27 أكتوبر 2009

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق