18/10/2009
 

أما البكيني ففيه قولان..!

 

أسامة عبد الرحيم


 
من المعلوم أن الأزهر الشريف يعد مرجعية كبرى لأهل السُنة في مختلف أنحاء العالم، لا سيما عند الأعاجم الذين لا يعرفون منارة للعلم والعلماء سوى من خلال أروقته ومجلداته وعلماءه.
 
وكما أن للأزهر مكانة علمية ومعنوية معتبرة عند أكابر الناس وسوادهم من حدود السافانا الحارة جنوباً إلى سهول سيبريا المتجمدة شمالاً، فإن له حصانة قانونية كفلها له الدستور، فشيخه لا يقال من منصبه إلا بالموت أو الخرف، وعلماؤه أحرار في أرائهم واجتهاداتهم ما لم يحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً، وليس لأحد الرقابة عليهم سوى الله ثم أنفسهم.
 
ولقد فتح فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر بهجومه الغير مبرر على النقاب، شهية كل "عوير" و"كسير" للإدلاء برأيه في القضية الشرعية التي هي محل خلاف معتبر بين العلماء، حتى صار كل موقوذة ومتردية ونطيحة جهبذاً ونحريراً في السباحة الفقهية، حتى ولو كان مبتور الأطراف.
 
المزاد الفقهي الذي نصب شادره الشيخ طنطاوي لا زال يعج بالباعة الجائلين، في مشهد مقزز يندر وجوده إلا في حقبة الشيخ الجليل، وسوق الأغراض القديمة والنفايات المستعملة المشهور بسوق الجمعة في منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة.
 
وعلى غرار "تعالى بص بتنين ونص"، تفتق ذهن صحفية متبرجة وعارية الشعر جمعت سطور هجومها على ما يبدو في عجالة سريعة، بكبسة زر على محرك البحث جوجل صديق الصحفيين..!
 
وقد انتابتني حالة من الضحك وأنا أقرأ مقالها الذي بدأته بقلب الطاولة على من سيعارض هجومها، واستفتحت بوصف شعبنا المصري بالغباوة متهكمة بالقول: "إننا شعوب تعودنا أن نحكم على الآخرين من خلال المظهر"، ومعنى هذا أن المرء حينما يرى رجلاً "ناكشاً" شعره يمشي في الشارع عاري وبلا ثياب تقريباً، عليه ألا يتسرع ويحكم عليه بالعته أو الجنون، وكذلك حينما نرى راقصة تتلوى مثل أفعى "الأنكودا" وهى منهمكة في "عشرة بلدي"، ينبغي أن نتمهل ونستخير ونستشير فلعلها في حالة إحماء رياضي أو باغتها مغص كلوي..!!
 
وساقت لنا هذه الصحفية المتفيهقة دليل تخلف هذا الشعب المتدين بطبعه، المتمثل في رؤيتها للطفلات الصغيرات وهن محجبات، حيث أنهن -والكلام لها- "لم يبلغن المحيض"، ويحرمن من التمتع بطفولتهن -لازال الكلام لها- ويجبرن على غطاء الرأس مع أنهن قد لا يجبرن بنفس القوة على الصلاة..!
 
الله أكبر..فضيلة الصحفية -رضي الله عنها- بحثت واستدلت وناقشت ورجحت وسكبت فوق رؤوس المخالفين الحجة من شرفة مكتبها، كل هذا في دقيقتين فقط قبل أن يبرد "مج" النسكافيه أمامها، وليذهب الفقهاء التسعة المتقوقعين واجتهاداتهم المتربة إلى الجحيم.
 
وبما أنها دست انفها فيما ليس لها به علم ، نطرح عليها هذا السؤال البرئ ، هل تجبر الفتاة يا سيدتي على الصلاة دون العشر أم تتعلمها فقط؟!، وهل التكاسل في الصلاة أو حتى تركها بلا جحود يمنع الفتاة من ارتداء الحجاب؟!، ثم واسمحي لي بهذا السؤال الشخصي..إن كان من الخطأ -بحسب قولك- إلزام الفتاة الصغيرة بالحجاب قبل أن تحيض.. فما هي ظروف سموك وقد بلغت من العمر ما فوق الأربعين بكذا شرطة، ولا زلت متصابية تطلين علي المشاهدين بضفيرة وفيونكات..؟!
 
أرأيت يا شيخ طنطاوي ماذا فعلت بهجومك على العفة والفضيلة، أخرجت مثل هذه من جحرها لا لتعلن الحرب على النقاب، بل لتكشف عدوانية أمثالها ضد الحجاب بصفة عامة، وتتبجح بالجهر بالمعصية وتقول: "أنا من السافرات.. بمعنى: مش محجبة"، وتتهم منصبك بالتخاذل والتراجع على قناة دريم فتقول: "الشيوخ أنفسهم يتراجعون".
 
ثم تضرب كلامك في كلام د.أحمد الطيب الذي ذهب أن النقاب: "عادة من العادات كالزى العربي"، وانتهت رأي فضيلتها بالقول: "أفهم من كلام فضيلته عدم وجوب تغطية الوجه".
 
وتعمدت ألا تفهم من كلام فضيلته أيضاً وجوب تغطية الرأس وفتحة الصدر، والساقين والفخذين، حيث أنه قد ثبت بالإجماع أن البكيني -يرحمك الله- لا يغني عن العفة شيئاً..!
 
واستشهدت فضيلتها بما ذهب إليه الشيخين الجليلين حسين مخلوف والغزالي اللذان لا يعتبران النقاب واجباً، وفاتها -كالعادة- أنهما في ذات الوقت لا يعتبران الهجوم عليه مباحاً، ولا يصوغان للمتفيهقة أمثالها "اللغوصة" في الشرع تحت ذريعة حرية الرأي.
 
وبلغ إلحاح فضيلتها في المقال على مسألة الحريات الشخصية درجة مزمنة، وهى في ذات الوقت تنكر على المنتقبة هذه الحرية المزعومة، مع أن الفتاة المنتقبة قد اختارت النقاب بمحض إرادتها، وليس في مقابل الحصول على ملايين الريالات "البترولية"، أو إرهاباً من أحد كما سولت لكم أنفسكم أن تقولوا عليهن كذباً وبهتاناً وزوراً.
 
انظر يا شيخ الأزهر ماذا جنيت بهجومك -لا سامحك الله- إنها تهتدي بباطلك وتقول: "لتسر في الشارع من تشاء.. شورت وفانلة وكاب على رأى الفيلم العربي.. كل واحدة حرة.. من ترد الستر والثواب حرة ومن لا تريده حرة أيضا"، ثم تفتي فضيلتها على ضوء بلاويك- فتاويك- فتقول: "الله سبحانه وتعالى احتراما لحرية الآخر..طلب من الرجال غض البصر بدلا من محاسبة كل واحدة على ما تريده". 
 
يا صلاة النبي..!!
 
كل واحدة حرة في حالة عدم النقاب..إنما النقاب يرفع أمامه مليون فيتو..إذا رأي واحد امرأة تسير في الشارع بالشورت، وجب عليه غض بصره من اجل حريتها الشخصية، حتى لو كلفه ذلك الارتطام بعمود إنارة أو السقوط من على الرصيف وأخذ المترو بالأحضان...!
 
أما إذا رأى منتقبة -والعياذ بالله- فإما أن ينزع عنها دليل تخلفنا وتخلفها أو أن يبلغ عنها الشرطة، من أجل حرية حفنة من حثالة المجتمع، وذلك سيراً على نهج فضيلتك مع التلميذة في المعهد الأزهري، وهو ما اتبعك فيه رئيس جامعة القاهرة ووزير التربية والتعليم..!
 
ثم تخدر سمو المتفيهقة مشاعر القراء وتدغدغ عواطفهم بكلام من قاموس أم عوضين وهى تعقد مجلسها اليومي في "الفَسَحة"، والذي لا يمت للأحكام الفقهية بصلة: "وفى النهاية كل طائر معلق بعنقه.. من يعلم، قد نجد في طليعة من يدخل الجنة سافرات حافظن على صلواتهن وزكاتهن ووصلن رحمهن واتقين الله فيمن حولهن وفى أعمالهن"..!!
 
لحظة واحدة عزيزي القارئ سأعيد عليك جملتها الأخيرة بين قوسين" واتقين الله فيمن حولهن وفى أعمالهن"، والآن تأملها واخبرني بالله عليك ماذا فهمت منها؟!، وبعبارة أوضح هل هذا منطق يصح الاستدلال به على شرعية السفور وصد الناس عن الحجاب، إن منطقها مثل الذي يقول: "أنا أزني..ولكن أجتهد وأغض بصري أثناء المعصية.. والحمد لله"..!!
 
نعلم أن الله غفور رحيم لمن تابت وعملت عملاً صالحاً، وهو سريع الحساب شديد العقاب لمن أصرت على فجورها وحملت الناس على خلع الحجاب وعداوة النقاب، إن زانية من بني إسرائيل سقت كلباً يأكل الثرى من العطش، ثم شرح الله صدرها للتوبة فماتت في ذات اللحظة التي تناول الكلب الماء من بين كفيها؛ فأدخلها الله الجنة بغير سابقة عذاب أو مناقشة حساب، ولعلها لم تكن تصلي أو تزكي أو حتى تصل الرحم، إلا أنها لم تدعو النساء أن يفعلن معصيتها، ولم تحب أن تشيع الفاحشة في الأرض.
 
وأخرى عصت ربها في إصرار عجيب وحبست هرة بدون طعام أو ماء حتى ماتت، فعاقبها الله بجهنم مع أن القتيلة مجرد قطة يقال لها يوم القيامة كوني تراباً، فالذي يمنح الرحمة يملك إيقاع العذاب، ومن تعشم في رحمة الله خيراً، وجب عليه أن يطيعه ويخشى غضبته وعذابه.
 
ثم أليس من تقوى الله أيتها المتفيهقة ستر العورات تجنباً أن يفتن شباباً أصبح الزواج لديه وممارسة الجنس في إطاره الشرعي مجرد أضغاث أحلام، لأنه لا يجد لقمة الخبز تسد رمقه وقميصاً يستر جسده في بلد شعاره "لازم نطاطي.. نطاطي.. نطاطي"..!
 
جميلة جداً الجملة الأخيرة ".. واتقين الله فيمن حولهن وفى أعمالهن"، أليس من تقوي الله فيما حولهن ألا يبارزنه بالمعصية ويفتن شباباً يأس من مجرد حلم الزواج وممارسة الجنس في إطاره الشرعي الحلال، لأنه لا يجد لقمة العيش في بلد شعاره " لازم نطاطي نطاطي"..!
 
ألا ترد عليها يا شيخ طنطاوي.. ألا تمنع هذه "اللغوصة" في الشريعة تحت زعم حرية الرأي، بالأمس القريب أفتى أحد كتاب الأهرام أن يقسم الحج على شهور العام الهجري منعاً للزحام والاختناق، واقترح أن تصنع السعودية سير كهربي دوار -مثل ماكينة صنع الكنافة- حول الكعبة حتى لا يمل الناس من الطواف، واليوم تتفيهق هذه وتدعو النساء إلى خلع النقاب داخل العمل وارتدائه في الشارع، احتراماً لقوانين المؤسسة دون اعتبار لقوانيين الله..!
 
ثم تأخذها شطحة من التفيهق وتحث على تكميم أفواه الدعاة بجرة قلم بقولها: "ليتنا لا نحاسب بعضنا على ما نرتديه"، ما يعني حسب قولها -يرحمها الله- إن نرى غداً معلمات الفصول بالشورت والبكيني أمام التلاميذ خلال حرّ الصيف، وسلم لي على جامعات مصر والتربية والتعليم في عهد بلاويك -أقصد فتاويك- يا شيخ طنطاوي.
 
واسمح لي أيها القارئ أن ادعوك إلى هذا الفاصل من الضحك خلال هذه الكوميديا التفيهقية السوداء، حيث أوردت فضيلتها في ذيل مقالها فتوى لم يسبقها إليها أحد من العالمين، وبما أنها من طبقة المجددينات -على وزن المعجيننات- فقد أنارت بصائرنا لا فض فوها بقولها: "إن كان بعض المؤسسات يفرض عدم النقاب.. فلترفع المنتقبة عن وجهها النقاب أثناء تأدية عملها ثم تعيده في الشارع احتراما لقوانين المؤسسة.. وإلا فلتلزم بيتها".
 
رحم الله الأزهر ورحم دار الإفتاء معه، وغفر الله لمن فاته حضور صلاة الجنازة عليهما، ولست ادري يا هذه من التي يجب أن تلزم بيتها ، هل هي من خرجت بشورت وفانلة وكاب تبارز الله بالمعصية غير مبالية بسخطه، أم من تعففت بمحض إرادتها وسترت كامل بدنها، ووجدت في المباح سلماً ترتقي به إلى رضوان الله..؟!
 
أليس ارتداء النقاب هو من باب الحرية الشخصية يا دعاة الشورت والفانلة والكاب، ثم هل أصبح النقاب حراماً قولاً واحداً على مذهب مدرسة المتفيهقين الجدد أتباع الشيخ طنطاوي، أما الشورت والفانلة والكاب فيسعنا فيه الخلاف لأن فيه قولان..؟!
 
... أجبنا يا شيخ الأزهر..!!
 
أسامة عبد الرحيم
صحفي مصري
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق