12/03/2008

 


كل الرسائل تنشر كما هى وبدون تصحيح للأخطاء الإملائية أوالنحوية

 
كلمات قليلة فى رجل كبير

 

 

اذا غامرت فى شرف مروم   فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت فى امر حقيـر    كطعم الموت فى امرعظيم

 

قد تعامل المرحوم مصطفى البركى مع القضية الوطنية كوقف أو (كحبس) كما يقال فى لهجتنا المحلية، لم يهادن، ولم يسمسر، ولم يتلون، ولم يطأطىء (شنته) الحمراء التى كانت تغطى تحتها رأسا شامخا ابدا فى زمن فيه:
 
يرى الجبناء أن العجز عقل    وتلك خديعة الطبع اللئيم
 
يوم استتب الامر للطغاة وقطاع الطرق وسفلة القوم ضاق عليه وطنه فعافت نفسه الزكية حياة الرق والعبودية
وأيقن أنه.
اذا حملت أرض تراب مذلة    فليس عليها للكريم قرار
 
 
يومها غادر وطنه بصحبة رفيقة دربه ودستة اطفال كبيرهم لم يصل سن الرشد بعد متنقلا بهم (من منفى لمنفى ومن باب لباب) حاملا معه احزانه وهموم وطنه الغارق فى البؤس والمذلة ،شاهرا قلمه ولسانه وماله فى مقارعة الفاشيست القساة.
 
عبر قرابة ثلاثة عقود من المنافى والتَيه لم يمل ولم يكل فى الدفاع عن وطنه ومواطنيه ، ارتوى خلال كل هذه السنوات العجاف من مرارةالغربة وحياة المنافى والتشرد، الا أنه كان صابرا محتسبا عنيدا صلبا لم يلن ولم ينكسر فى منفاه الثانى بالقاهرة يوم كان الجمع يتسابقون ويتزاحمون واحيانا يصل بهم الامر الى درجة التلاسن والسباب فيما بينهم على من يفوز بالسبق لاعداد وجبات الطعام والحلويات الشهية لتقديمها الى مندوب (رسول العذاب) ليحضوا من جنابه بنظرة عطف او ابتسامة يجود بها عليهم "قاذف الدم والرعب" جلادهم وجلاد وطنهم لعلهم يستثمرون تلك الابتسامة الباهتة فى تجديد جوازات السفر أو بعض (الأفاريات) الاخرى.
 
لقد تحول مقر اقامة مندوب (رسول العذاب) فى القاهرة الى قبلة يوَلى الكثير من المعارضين وجوههم اليها وتحولت فى نفس الوقت بيوتهم الى مزارات ومثابات دائمة لهذا الماجن وأصبح ضيف الشرف العزيز والمدلل الوحيد فى مناسباتهم الاجتماعية وشاهد زور على عقود نكاح ابنائهم وبناتهم وكانوا يسعدون ويتفاخرون بالتقاط الصور التذكارية مع "سيادته" ولم يخجلوا فى وضع تلك الصور فى المجلات الفنية الخاصة بالمجتمعات المخملية.
 
ذات يوم جاء لبيت الحاج مصطفى أحد "اللقاقة" ممن امتهنوا "مسك العصا من النص" واخبره انه قادم اليه من (رسول العذاب) وان المندوب يرغب فى زيارته فى بيته ولا يطلب شيئا سوى (قصعة مثرودة) فقط وقال له ايضا اذا لا ترغب فى استقباله فى بيتك فانه على استعداد ان يستضيفك فى مقره أو اى مكان آخر، نهض الحاج من كرسيه وقال "للقاق الصغير". ((أنت الان ضيفى وفى بيتى ولايليق بى أن احرجك ولكنك أرغمتنى على أن أقول لك ما تعلمناه فى صغرنا أن ناقل الكفر ليس بكافر، وقل لمن بعثك أننى سألتقى به فى يوم أسود أنود على خشمه وخشم سيده)).
 
هذا هو المناضل البركى لم يكن من "كاسم" فلان وفلان وفلانا الى آخر القائمة المشينة.
 
(فحينما أينع شوك القهر فى وجه الزمن
حينما جهز "القذافى" اسلاك الكفن
حينها ازداد التصاقا بالوطن)
 
فى مصر وفى ضروف كهذه كان المناضل البركى يتنقل بين القاهرة والاسكندرية بين أوساط المنفين شاحذا للهمم ورافعا لمعنوياتهم ومذكرا الجميع بأن لوطنهم حق عليهم وان بلادهم قد استباحها التتارالجدد وعصابات الغدر والنهب.
 
الطريق الى ليبيا عند المناضل البركى واضحة المعالم لا تمر عبر البوابات المغلقة والمكللة بالسواد والاهانة والتى يديرها ويمتلكها ابناء الطاغية والمتجسمة فى بوابتى "واعتصموا بحبل عيشه" ومؤسسة "الرشوة الخيرية".
 
المناضل مصطفى لم يخلع ضميره ويضعه فى "كندرته" ويتنقل به بين دكاكين المصالحة والمطارحة، كان يناضل بهمة وشرف شارحا قضية وطنه بالسليقة و"بالمفشرى" لم يزوق كلماته ولم يتفلسف ولم يفلسف النضال ولم تكن أقصى أمانيه ومطالبه أن يجلس مع (دبوس) الضلال ليستبدل دماء أكثر من ألف مواطن أزهقت أرواحهم بخسة ونذالة فى مراكز التوقيف والعذاب، لتستبدل تلك الدماء الغزيرة ((بطاسة شاهى خضراء بدون نعناع وكاكاوية)).
 
قبل وفاته بأربعة أسابيع فقط كان المناضل الكبير طريح فراش المرض بأحد مشافى لندن يتعالج ويتداوى من أوجاع كثيرة أرهقت جسده المثقل بالمعانات والمرض، استأذن من طبيبه المعالج لمدة سويعات قليلة، ليشارك مع اخوانه فى مضاهرة احتجاج امام السفارة الليبية، وكعادته يقف المناضل برفقة عائلته وأحفاده الصغار فى المكان المحدد لَلتضاهرة وفى درجات حرارة متدنية يقف الحاج متكًا على عكازه رافعا علم الاستقلال المجيد هاتفا ومناجيا بلاده:
 
اسلمى ... اسلمى ... اسلمى طول المدى ... اننا نحن الفدى ... ليبيا ليبيا
 
وفيما كان المئات ممن تحصلوا على اقامات دائمة وجوازات سفر غربية بعدما كذبوا وقدموا معلومات مضللة لدوائر المهاجرة واللجوء السياسى مدَعين أن كل واحد منهم يعد المطلوب رقم واحد وان حياته وحياة اسرته الكريمة معرضة للهلاك والابادة اذا ما رجع الى "الجماهيرية"، وما أن تحصلوا على مايريدون حتى تنكروا لوطنهم ولم يلتفتوا الى مصائبه ومآسيه وفضلوا التسكح مابين المكاتب الشعبية وقضاء "حاجاتهم" وعطلاتهم فى الوطن المحاصر بالرعب والجنون.
 
المناضل البركى كان صاحب مبادىء ولم يكن من هذه النوعية التى تشبه "حشرة القراد" التى تلتصق وتعيش على امتصاص دماء الحيوانات، المرحوم البركى لم يتحصل على حق اللجوء السياسى فى بريطانيا على الرغم من تواجده فى الصفوف الاولى للمعارضة والرفض منذ اكثر من ربع قرن.
 
أكذا نموت بهذه الارض الخراب ؟
ويجف قنديل الطفولة فى التراب؟
أهكذا شمس النهار
تخبوا وليس بموقد الفقراء نار؟
 
رحم الله الحاج سى مصطفى البركى ولروحه فاتحة الكتاب عبد الحق.
 
ابو مريم

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com