23/01/2008
 
 

مظلمة سجين.. معاناة وطن

سليمان عبدالقادر* - موقع المنارة


 

 
قد ينحسر العمر في لحظة، وتختزل الكلمات والعبارات بله والخطب في موقف، تتبخر معه كل الشعارات المرفوعة, ويبقى صداه يجلجل على جدران الذكريات. كتبت هذا مع مرور يوم التاسع عشر من شهر يناير، وبه يكون قد مر 19 سنة على إعتقال الأخ محمد بوسدرة
 
19 سنة بليلها ونهارها وبقسوتها وحديدها وظلمها، وقائمة من الكلمات التي لا تعكس معاناة يوم تكون فيه الكرامة والحقوق كلأً مباحا للإنتهاك. وهل أعتى وأشد من أن يكون ليل السكينة ناسجا للكفن ونهارالمعاش شاهدا على الوهن !!.
 
19 سنة أضحى فيها الصبي الصغير رجلا، والطفلة الرضيع إمرأة، عرفوا الدنيا وخبروا الناس لكنهم لم يعرفوا من أبيهم إلا أهزوجة نوم حزينة رددتها لهم والدةٌ روؤم كيما يهجعوا إلى مضاجعهم. 19 سنة اغتالت أحلام الصبي اليافع 'طارق محمد' فترك دراسته وفارق آماله بالمستقبل باحثا عن عمل ليعول والدته وأخته.
 
19 سنة فارق فيها الشيخ الفاني الحاج حسن بوسدرة حياته وفي نفسه حسرة مكتومة أذهبت عقله، ولكنها ما هزمت تحنان الأبوة في فؤاده فظل يتحشرج بأمنيته الريَّانة 'أين محمد ؟' حتى الرمق الأخير.
 
إنها مظلمة سجين قد ينساها البعض حرصا, ويتناساها البعض خوفا , ويتجاهلها البعض الآخر لأنها لا تقع على سلم الأولويات، لكنها - مهما اعترض الحديث عنها من عوائق- تصور محنة وطننا الحبيب وكبوة شعارات الإصلاح المرفوعة والتي نريد لها من كل أعماقنا أن تكون حقيقة على أرض الواقع!.
 
الأخ محمد حسن بوسدرة أنهى دراسته في بريطانيا، وكان بإمكانه العمل والإستقرار هناك, لكنه حمل حقائبه وحزم أمتعته قافلا إلى أرض الوطن ليبيا. وهو كما يعرف الكثير من أهل مدينة البيضاء الأبية يحمل فكر جماعة التبليغ، التي لم يعرف عنها ممارسة العنف أو الدعوة إليه. بل كل ما يقوم به هو إلقاء المواعظ التي تدعوا إلى إصلاح الفرد والمجتمع والتمسك بالقيم والأخلاق، ولكن بالرغم من هذا فإن مسالمة هذا الفكر لم تعف حامليه من أن يواجهوا الإعتقال القسري والمحاكمات الإستثنائية. لقد أُعتقل الدكتور محمد بوسدرة من قبل أجهزة الأمن الليبية في يناير عام 1989 وأصدرت محكمة الشعب الإستثنائية ضده حكما بالسجن المؤبد, ثم عرض على محكمة خاصة عام 2005 حيث حكمت عليه بالسجن عشر سنوات, نقل على أثرها إلى سجن إنفرادي لتنقطع أخباره ويخشى على تدهور صحته!. وهنا حقيق على كل متابع أن يطرح سؤالاً: إذا كان حتى إلقاء المواعظ للإصلاح يصدر في حقه أحكام بهذه الشدة، فما هي الرسالة التي ستصل للمواطنين، وهل تُرك مجالٌ للإختلاف والمعارضة السلمية!!.
 
وكما أوردت منظمة الرقيب لحقوق الإنسان في بيانها الصادر في 02 نوفمبر 2005 أنه قد صدر قرارٌ قضائيٌ بالإفراج عن الدكتور محمد بوسدرة لكنه - بالرغم حتى من قضاءه ما يقارب ضعف مدة الحكم الذي صدر في حقه- لم ينفذ حتى الآن، والسؤال الذي يطرح نفسه من هذه الجهة التي تملك أن تمنع تنفيذ حكم القضاء وتتجاهله ؟. ثم بأي قانون حكم على هذا الفكر بالسجن مدى الحياة ؟, وبأي قانون صدر الحكم الآخر بالسجن عشر سنوات ؟ وهل سيكون في وطننا إحترام للحقوق إذا كان العمل لا يزال جاريا بالقوانين التي تخالف أبسط مقتضيات الحقوق وأجمعت المنظمات الحقوقية على أنها قوانين إستثنائية !.
 
إن الديمقراطية التي يردد في ليبيا أننا بلغنا ذروتها 'بتطبيق سلطة الشعب المباشرة' هي في الواقع آلية يتعاطى بها الشعب لممارسة شئون حياته وما يعنيه. أي أنها تقوم على مفرد هذا الشعب وهو المواطن الذي يمثل بنيتها الأساسية، فإذا كان هذا المواطن مضيق في قوته برغم ثروة بلاده الطائلة, وإذا كان هذا المواطن مطارد في فكره برغم مسالمته، وإذا كان هذا المواطن منتهك في حقوقه إستناداً إلى القانون, فهل يتصور أن تقوم ديمقراطية على أشلاء الإنتهاك والتضييق والمطاردة!؟.
 
إن المواطن يحتاج إلى مبادرات وخطوات حقيقية على أرض الواقع، لكي يدرك أن حقبة الإنتهاك قد طويت، لكي يدرك أنه ثمة إصلاح يحدث في البلد، هذه الخطوات تتجسد في إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين وتعويضهم وتعويض ذوي المفقودين وإلغاء القيود الأمنية والأحكام عن المهجرين وإلغاء القوانين والمحاكم الإستثنائية هذا ما يسمى في برنامج الإصلاح بالمصالحة الوطنية وهي على أهميتها لا تمثل الإصلاح بمفردها، بل لا بد من مناخ من التفعيل للمواطن يعقبها ، يكون فيه ترسيخ حقوق المواطنة دستورياً بحيث لا تستمطر بالمبادرات والتدخلات،- مع التقدير لما جرى في الفترة الماضية- ويكون فيه سيادة القانون الذي يحترم الحقوق وإستقلال القضاء بحيث لا يتدخل في عمله ولا توقف أحكامه، وتكون فيه حرية الصحافة لكي تمارس الرقابة وتغرس الشفافية ويطلق فيه اليد لمؤسسات المجتمع الأهلي لكي تقوم بدورها في نشر الوعي وممارسة الحقوق وآداء الواجبات والرقابة على مؤسسات الدولة.
 
لقد استطاعت دول بناء ديمقراطيات تباهى بها بلداننا، ليس بعصىً سحرية, وليس لأنهم يملكون مواطنين يفوقوننا في القيم والأخلاق، بل بالقدرة على تفعيل المواطن. ولا أبالغ حين أقول إني على ثقة من قدرة المواطن الليبي على العطاء لأنه محتد كريم في أصله, ونفس كبيرة في دينه السامي، وهو بما يحمل من قيم قادر على تجاوز المحن والشدائد، وقادر على أن يسهم مساهمة بناءة في مستقبل وطنه، لكنه يرنو إلى واقع تحترم فيه إنسانيته وكرامته ويحقق فيه ذاته، يتطلع إلى واقع يشعر فيه بالأمن والعدل والمساواة. هذه هي ضمانات فاعلية المواطن التي تتطلب إرادة حقيقية للإصلاح !!.
 
* المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين - ليبيا
 
نقلا عن (موقع المنارة) 22/1/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com