18/10/2007
 

مصطفى البركي: الرمز الوطني
بقلم: بوزيد لهلالي  - عن موقع: ليبيا وطننا

الوطنيّون الليبيّون يقدّمون لنا كل أنواع الكتابة على هذه الصفحات. ولهم سبلهم المتعدّدة فى الطرح والتفسير. فمنهم المعتدل ومنهم المشتطّ، وبين هذا وذاك يصطفّ رتـل من الكتبة، برؤىً متنوّعة ومختلفة، تحت مايسمى بالكتابة النضالية. فكما تحطّ أسراب هائلة من الكلمات على صفحات الصحف الأكترونية لتغطيها بريش داكن، تبقى مساحات النشر في عصر العولمة، مفتوحة بدون استثناء، فلا اعتراض على ماينشر بالمجّّان.
 
السيد الفاضل مصطفى البركي "رحمه الله" لا ينتمي الى هذا أو ذاك. فهو يقف على النواصي المتميّزة فى عالم الكتابة الإلكترونية، وهو أحد الذين تستهويني مطالعتهم كلما لمحت صورته (بالشنّة الحمراء) منشورة فوق الصفحات الليبية. حيث أعتبر نفسي أحد قرّاءه دون منازع، أجوب مفرداته القديمة، التى يختارها من قواميسنا الليبية القحة (يفطس سفراجي وغيرها كثير) فأضحك لدعاباته، وأسبّ لسبابه، وألعن معه، في كل لحظة، أصل وفصل كل حكم ثوري.
 
مسرح كلمات (سي مصطفى) يأخذني مثل طفل، لينقلني فوقه ببطأ، عبر كل نواصي الطرق الضيّقة ومعابرالحارات المزدحمة، حيث يكثر الواقفون على قارعة الطريق، لأجل سرد حكاياهم، وهزائمهم اليومية. وقد تملئني حكاياته سروراً وغبطة، فأرنو من فرط حبّي، إلى أول شاطئ من حولي، علـّه يعوّضني عن أمواج جليانة الهادئة التى تربطني بذكرى مدينتي العجوز، التى تختبئ خلف البحرانتظاراً لصبح قريب.
 
وقد تملئني حكاياه أسىًَ فأتذكـّر غياب الحكاوي المسموعة، وغياب التواصل مع أبناء الحارة القديمة، فى أزقة العيساوي وبن صويد وبومدين والهدّار، والتى كانت تضم لفيفاً من الطيّبين، عندها يمتلأ قلبي حسرة، ويهزّني شوق عارم للعودة إلى هناك، ولو لبعض الوقت، لأطير مثل كروان أرعن، أغيب بين سُحب الفاسوخ والجاوي، وأتعلـّق بجنبات الزاوية القديمة، القابعة في نهاية شارع لبركات قرب جامع اقنيبر، فأشطح مع الشاطحين وأملأ برياتي وطبولي الأفاق، كما يقول الشاعر محمد الفيتوري. أتمنى من كل قلبي أن أعود يوماً إلى هناك لأقرأ سورة الفاتحة، على ذلك الضريح الهادي.
 
تجاوبي مع (سي مصطفى) يكاد يكون عفوياً. فهو يقع ضمن تعانق الأفكار، لا تعانق الأعراق. وهو انصهار فى بوتقة الثقافة الواحدة، البعيدة عن خطوط الجغرافيا وأرقام التاريخ. فالخلطة بيني وبينه تتم عبر ثقافة المدينة التى حضنتنا معاًً والتى هي جزء من ثقافة ليبيا الواحدة، فهي ليست ثقافة جهوية ولا قبَليّة، ولو أستثمرت هذه الثقافة المحلية، في شكل ابداعات من كل جانب، لارتبط الشرقاوي بالغرباوي والفزّاني بإعيال البحر والبدوي بإعيال لبلاد. ولوصلنا الى ما كان الأستاذ الفاضل عبدالحميد البكوش، يدعوه بالشخصية الليبية. فعن طريق التركيز على هذه الشخصية، بألوانها وتموّجاتها وتعدّداتها يمكن لنا أن نُصهَر ونتصاهر في ثقافة واحدة يعرفنا بها الغير، ونكون قد قطعنا داخليـّاً نصف الطريق اتجاه الوحدة الوطنية. كذلك نكون قد تخلّصنا مما دعته الأستاذة الفاضلة فوزية بريون بالتشرذم الجهوي.
 
التشرذم عرَض من أعراض الأمية، التى حُكمنا بها نتيجة غياب التواصل، وعرض من أعراض عدم التعاطي مع بعضنا البعض فى ثقافة واحدة متنوعة، مقروءة كانت أومسموعة. فالبوابات الأمنية المنتشرة بين شرق ليبيا وغربها صارت تفصلنا عن بعضنا، وغياب المبدعين صار يمزّق وحدتنا، فالمطروح لم يعد يثير شهيـّة المطـّلع! جرائدنا اليومية صارت أكواماً من الورق، لاتعني شيئاً بالنسبة لنا. وهكذا أصبح الذين يكتبون هم الذين يقرؤون لبعضهم البعض. فعاد المروي الشعبي يأخذ مكان المكتوب، وأصبح سماع الإشاعة أكثر إثارة من قراءة الخبر. فانتشرت الأمية وصار صعباً علينا أن نتحرك اتـّجاه الكلمة الملتزمة تربطنا ببعضنا البعض.
 
تحريك شهية القارئ أمر صعب، لايستطيع حمله غير المثقفين الوطنيين، من وزن "سي مصطفى البركي". فلا يحضرني هذه اللحظة إلاّ الترحّم على روحه الطاهرة التى علـّمتنا، عن طريق لغتها السهلة الممتنعة، كيف نفتح شهيـّتنا لقراءة المقالة السياسية ، فهل من يكتب لنا مثله، وهل من يقدّم لنا انتاجه بالسهل الممتنع، كي نحفل به مثل ماحفلنا بـ "سي مصطفى" ومثلما يحفل الأطفال بقراءة قصصهم وسماع حكاويهم.
 

ـ نشرت هذه المقالة بصفحة ليبيا وطننا فى 23 مارس 2006 وقد نـُـقـّحت اليوم بعناية كي تلائم توقيت النشر. (إنـّا لله وإنّا إليه راجعون) أحر التعازي والمواساة لأسرة الفقيد الغالي. بوزيد لهلالي
 
نقلا عن موقع: ليبيا وطننا - 17/10/2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com