19/10/2007
 

سلام عـلى شيخ المعـارضين
بقلم: يوسف المجريـسي  - عن موقع: ليبيا وطننا

 
ساطور الريشة يرثي ساطور الكلمة
 
أول ما قرأت خبر وفاة المناضل الحاج مصطفى البركي، رن في أذني بيت المتنبي الشهير الذي رثى فيه فاتك الرومي:
 
أيموتُ مثلُ أبي شُجاع فاتـكٍ   ويعيشُ حاسدُه الخصيّ الأوكعُ؟!
 
والمقصود بالخصي الأوكع هو كافور الإخشيدي الذي ملك مصر بعدما كان عبداً لا يملك حق التصرف حتى في نفسه، دع عنك أن يكون الآمر الناهي في بلد بحجم مصر، وقد هجاه المتنبي بداليته الخالدة، والتي مطلعها:
 
عـيد بأية حال عـدت يا عـيد   بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ
ومن ضمنها:
 
طبعاً لا أريد أن أقارن هنا بين كافور والقذافي، فكافور، وإن خُصي وكان عبداً مملوكاً للإخشيدي، إلا أنه اشتهر بالشجاعة والذكاء والكياسة، وكانت له محاسن سجلها له المؤرخون، وإنما تذّكرت البيت، وذكرته هنا، لأن الموت خطف منا في هذه السنة مجموعة من خيرة رجال المعارضة الوطنية، رفضوا جميعاً العودة إلى أرض يهان فيها الأحرار، ويكرم فيها العبيد، فعاشوا في الغربة أحراراً صامدين، وماتوا فيها أحراراً صامدين، وكان آخرهم المناضل الصابر مصطفى البركي.
 
كان أول لقاء لي مع الحاج البركي في مظاهرة أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية، وآخر لقاء معه في مظاهرة أمام سفارة القذافي في لندن. كان، رحمه الله، يأتي للمظاهرات وهو يجر رجليه جراً متوكئاً على عكاز، فقد كان يعاني من صعوبة في الوقوف والمشي، ورغم مرضه وكبر سنه وعدم قدرته على الوقوف لمدة طويلة، لا تكاد تفوته مظاهرة، ويظل واقفاً في الاعتصامات لا يبالي ببرد أو مطر أو ثلج، إلى أن ينتهي وقت الاعتصام الرسمي ويبدأ المتظاهرون بالانصراف.
 
ولا غرو أن يكون أغلب مشيعيه لمثواه الأخير هم الذين اعتادوا الوقوف معه جنباً إلى جنب في الاعتصامات والمحافل الوطنية، بعضهم جاء من أقصى مدن الشمال والجنوب، وكان تأثرهم برحيل الفقيد واضحاً في أعينهم الدامعة ووجوههم الحزينة، فالمتظاهرون خسروا رمزاً من الرموز الوطنية الصامدة، ودعماً معنوياً لن يعوض أبداً.
 
أما الجالية الليبية في لندن فكدأبها لم يأت منها إلا عدد قليل لا يناسب عددها الضخم، ولا يليق بمقدار عطاء الفقيد لوطنه وشعبه، فقد كنت أتوقع مشاركة ثلاثمائة ليبي على الأقل في تشييع رجل فاضل مخلص قضى ثلاثة عقود في خدمة الليبيين في المنفى، وهو الذي لا ينشر مقالاً إلا وينهيه بعبارة "المحب لليبيا وأهلها"، وكان محل دفنه في مكان قريب وصوله متيسر لأغلب سكان لندن، ومع ذلك، واخجلتاه، لم يحضر حتى ثلث هذا الرقم.
 
يموت طغاتنا فيتوافد زعماء العالم وقادته للانحناء أمام نعوشهم، ويموت أحرارنا فلا يشارك في جنائزهم إلا نفر قليل. وهكذا يُخذل أحرارنا في الحياة وفي الممات.
 
كان قلم فقيدنا سوطاً يلهب ظهور الظالمين، يطلق على الطغاة النعوت التي يستحقونها بصدق وعفوية كاملة، وكان آخر مقال له: "لو كان هـناك ديمقراطيه لما حكمنا حمار مثلك". فما أصدقها من عبارة بليغة خرجت من فم رجل صادق وقور لا يعرف التصنع ولا التأدب الزائف. لو قالها أحد رجال السياسة المشهورين في العالم لدخلت قواميس الهجاء والاقتباسات الغربية، فالأمة لا يمكن أن يُجمعَ أمرُها على حمار. إن الشعوب مهما بلغت بها الأمية والسذاجة لا تنتخب إلا من يخدم مصالحها، ولا يمكن أن تصوت أو تمنح ثقتها لعسكري جاهل مثل القذافي لا يعرف تركيب جملة مفيدة، ويدعي أنه صاحب نظرية ولا يقبل أن يمسها أحد بكلمة. إن من شروط النظرية أن تكون قابلة للنقاش والنقد، ولا يمكن الحكم بصحتها مائة في المائة أبداً، ويوم يحكم بصحة أية نظرية حكماً لا يقبل الشك، لا تعود "نظرية"، وتصبح "حقيقة". فالحقيقة المطلقة التي لا تقبل الجدال والنقد لا تسمى "نظرية". وهذا من البديهيات في علم الفلسفة، ولكن من يستطيع أن يفهم الحمار أنه حمار؟
 
لو لزم الحاج البركي، رحمه الله، بيته لما لامه أحد، فقد أدّى دوره وواجبه يوم كان في مصر، حين كان ما يزال يتمتع بالشباب والصحة والعافية، ولكنه واصل العطاء حتى بعدما عملت سنون التشرد والغربة عملها في عوده، وانتقل إلى غربة ثانية أشد وأقصى من الأولى. لقد ظل، رحمه الله، ناشطاً لا يغيب له وجه في الاعتصامات والمحافل الوطنية، واستمر يكتب ناقداً نظام الفساد في ليبيا، ومنافحاً عن المعارضة ورجالها إلى آخر رمق من حياته.
 
طبت حياً وميتاً يا شيخ المعارضين، فقد كنت نعم النصير لوطنك ولشعبك، عشت طوداً شامخاً، ومت طوداً راسياً، ولا أجد ما أقوله على قبرك إلا قولة الشريف الرضي:
 
ما كنت أعلمُ قبل حطكَ في الثرى    أن الثرى يعلو على الأطوادِ.
 
 
نقلا عن موقع: ليبيا وطننا - 17/10/2007

 

libyaalmostakbal@yahoo.com