10/03/2010

"الإمام المُغيَّب" آخر هموم القذافي !

 

(نقلا عن "لبنان الأن"


 
الإمام موسى الصدر
 
عندما اختُطِفَ الإمام موسى الصدر، بعدما نجح في دفع شيعة لبنان الى الاحساس بهويتهم المذهبية وتالياً في ابعادهم عن التبعية اولاً للاقطاع المتجذر داخل طائفتهم وثانياً للقيادة السياسية السنية وبعدما ساهم في زرع بذرة نهائية الوطن اللبناني في عقولهم والقلوب وبذرة مقاومة اسرائيل المحتلة للارض والطامعة في استمرار فيها وفي مياهها، عندما اختُطِفَ، او كما يقول الشيعة عموماً عندما غيّب اثناء زيارة رسمية له لليبيا معمر القذافي اي عام 1978 لم تكن دولة لبنان موجودة. ذلك ان انفراطها الرسمي بدأ ربيع عام 1975 عند نشوب الحروب الاهلية وغير الاهلية فيها وكان تكريساً لانفراطها التدريجي ولكن الثابت الذي بدأ عام 1969. فقط مظاهر هذه الدولة كانت موجودة.
 
اما جوهرها اي السلطة الفعلية وممارستها فقد تقاسمهما اطراف الحرب اي الميليشيات المسيحية والجهات الخارجية الداعمة لها والمنظمات الفلسطينية المسلحة المدعومة من تيارات سياسية اسلامية واسعة ومن احزاب "وطنية" و"اسلامية" ومن ميليشيات مسلحة لم تنجح يوماً سوى في ان تكون غطاء للعمل العسكري والسياسي الفلسطيني لأن ميزان القوى على الساحة الوطنية – الاسلامية لم يكن يسمح بغير ذلك. وهذا يعني ان دولة لبنان لا تتحمل اي مسؤولية عن اختطاف الامام الصدر او عن تغييبه. كما لا تتحمل مسؤولية عدم البحث عنه او عدم النجاح في ذلك او عدم القيام بتحرك ناجح لاستعادته ولاسيما بعدما "اقتنع" شيعة لبنان وغالبية اللبنانيين الآخرين بمسؤولية ليبيا القذافي عن هذه المأساة.
 
لكنه يعني ان الجهات غير اللبنانية التي كانت فاعلة في لبنان في حينه تتحمل بعضاً من هاتين المسؤوليتين سواء مباشرة او مداورة. وفي مقدمها منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت لها علاقات راجحة ومؤثرة مع معظم الدول العربية ومنها ليبيا. ومنها سوريا التي كانت عسكرياً في لبنان وقت الاختطاف او التغييب وان في اطار عربي نظرياً وكانت فيه شعبياً وسياسياً من خلال علاقات وثيقة مع حلفاء لبنانيين لها وفلسطينيين. وسوريا هذه كانت لها علاقات وثيقة مع ليبيا القذافي. ولا ينسى اللبنانيون ولا العرب ان "جبهة صمود وتصد" جمعتهما وجهات اخرى. طبعاً انتهت حروب لبنان بعد نيف و15 عاماً ولم تنته قضية الامام المخطوف او المغيّب. وربما كان هناك عذر ما لذلك هو انقسامات اللبنانيين وانشغالهم في حروبهم الداخلية وحروبهم بالواسطة عن آخرين غير لبنانيين. لكن بعد قيام الدولة عام 1990 او بالاحرى بعد اعادة بنائها لم يكن هناك من عذر لعدم تحركها بغية استجلاء مصير هذا الزعيم الديني والسياسي والوطني الذي كانت غالبية اطروحاته بل كلها وطنية. لا بل ان "سورية" الدولة في حينه تجعل مسؤوليتها أكبر على هذا الصعيد وخصوصاً بعدما بدا ان شيعة لبنان عموماً الذين آمنوا بالصدر قائداً لهم وإماماً في التاريخ الحديث بدأوا التصرف على انهم "حماة" الدولة الجديدة وراعيها السوري، المستفيدين منها ربما اكثر من اخوان لهم في المواطنية.
 
استمرت هذه الحال حتى الـ2005 تاريخ سقوط "الدولة المعاد بناؤها". اي تجاهل لقضية الإمام المختطف او المغيّب من الدولة ومن حاميها الاقليمي من جهة وتحرك موسمي من مؤيديه و"ابنائه" وخصوصاً في ذكرى اختطافه وتغييبه خلا دائماً من اي فاعلية وبدا كأنه لرفع العتب فقط. طبعاً قد يكون للانشغال بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي دور في ذلك لكن هذا الامر على وجاهته لا يلغي التحرك من اجل قضية مهمة جداً بدورها.
 
هل من جهات اخرى تتحمل المسؤولية عن عدم حمل لواء اختطاف الإمام الصدر او تغييبه عام 1978؟
 
نعم ويا للأسف. فمنذ دخول الجمهورية الاسلامية الايرانية لاعباً على الساحة اللبنانية بل فريقاً اساسياً عام 1982، صار الآن الفريق الأساسي، اما الى متى فلا احد يدري، ومنذ اشتباكها مع حليفتها في الموضوع العراقي سوريا على ارض لبنان وبواسطة شيعته تراجعت قضية الإمام المذكور، ولم تفلح مراجعات حركة "امل" التي كان لها وجود في ايران الثورة الاسلامية وعلاقة وثيقة معها في جعل قادة الاخيرة يحملون لواء هذه القضية رغم طول باعهم. واستمر هذا التجاهل او التماهل الى ما قبل سنوات قليلة جداً. وانعكس موقف ايران هذا على حلفائها اللبنانيين وخصوصاً بعدما صاروا وبعد حروب استمرت حتى العام 1990 مع اندادهم على الساحة الشيعية اللبنانية اخصاماً واحياناً اعداء احتاجت سوريا وبمساعدة ايران الى سنوات طويلة لجعلهم فريقاً شبه واحد. وما كان النجاح ليحالفها في هذا الامر لولا نجاح ايران وحلفائها اللبنانيين في تحقيق انجازات جعلتهم الطرف الاقوى شيعياً ولولا اتفاقها مع سوريا على تقاسم ادوار في لبنان: الحرب والمقاومة العسكرية لـ"ايران اللبنانية" والمقاومة الديبلوماسية والانمائية والاجتماعية وما الى ذلك "لايران السورية". وعذراً لاستعمال هذين التعبيرين اللذين لا نقصد منهما اي اساءة.
 
لماذا استعادت قضية الإمام الصدر المختطف او المغيّب بعضاً من زخمها الذي غاب قرابة ثلاثين عاماً؟
 
الاسباب كثيرة للمتابعين من لبنانيين وغير لبنانيين. فالـ"التصارع" بين فريقين شيعيين لبنانيين مدة طويلة، واحد ايديولوجيته ايران الاسلامية وولاية الفقيه ومرجعه الامام الراحل آية الله الخميني وآخر مرجعيته الامام الصدر وايديولوجيته فيها بعض الاختلاف عن ايديولوجية الاول، فهذا التصارع لم يكن يسمح للفريق الاول وداعميه بتبني قضية الصدر فعلياً لأن هدفه الانتصار على انصاره او احتواؤهم. فضلاً عن ان ايران وسوريا حليفتها ما كانت لهما مصلحة مباشرة في هذا الأمر، علماً ان موقفيهما قد يكونان مبنيين على معلومات دقيقة عن مصيره لا يعرفها الناس اي لا العامة ولا الخاصة. اما الآن وتحديداً منذ سنوات قليلة فان اموراً كثيرة انحسمت على الساحة الشيعية. اولوية في النفوذ لـ"حزب الله" واشتراك فيه لـ"امل" وتحالف كل من الاثنين مع دمشق وطهران رغم اختلاف نوع كل من التحالفين وعمقه. وصار ضرورياً توحيد الساحة او بالاحرى تكريس توحيدها برمز لم يغب سحره ولا قدرته على جذب الجماهير الشيعية في لبنان وعلى نيل التعاطف من اللبنانيين الآخرين هو السيد موسى الصدر. طبعاً لا يرمي هذا الكلام الى التحريض بين اطراف الشيعة في لبنان. لكنه جزء من "سرد موضوعي" قد يكون غير كامل لما جرى. وليس هناك كمناسبة اختطافه او تغييبه لتثبيت التوحيد المذكور. وليس هناك فرصة يمكن توظيفها لتحقيق الهدف المذكور واهداف اخرى ربما كالقمة العربية المقررة في ليبيا القذافي الشهر الجاري. الا ان السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يفيد ذلك كله في استخلاص الحقيقة من القذافي؟
 
رغم التغير داخل لبنان المفصل اعلاه فان شيئاً آخر على الصعيد العربي والاقليمي لم يتغير. والتغير اللبناني سيفرض اما مقاطعة للقمة او تمثيلاً فيها على مستوى متدن جداً. علماً ان القذافي لم يضع لبنان على جدول الدعوات التي بدأ توجيهها لحضور القمة. اما خارج لبنان فان سوريا اتجهت الى توثيق علاقاتها بليبيا. والعرب الآخرون غافلون عن ذلك. وايران مشغولة بنفسها حتى مع حاجتها الى حلفائها الاقليميين. اما القذافي فان الإمام المختطف او المغيّب آخر همومه وخصوصاً بعدما تصالح مع الغرب وتحديداً اميركا. لكن ما لا يفهمه اللبنانيون مسلمين ومسيحيين هو كيف يقبل اخوان القذافي من العرب تقلّبه في السياسة ومزاجيته وضربه اكثر منهم بالقوانين والحقوق عرض الحائط ونرجسيته واستعداده للتفريط بقضايا قومية (التخلي عن العروبة والاتجاه الى افريقيا مثلاً) اذا "رأّسه" قادتها وان شكلياً واستفادوا في مقابل ذلك من اموال ليبيا التي هي اموال شعبها.
 
سركيس نعوم (النهار)، الاربعاء 10 آذار 2010

 

نقلا عن "لبنان الأن"

للتعليق على الموضوع
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق