23/12/2009
 

زيارة موفقة وتقرير عادل
 
بقلم: علاء محمد الدرسي

 
حضرت منذ أيام منظمة (هيومن رايتس ووتش) ممثلة في وفدهم الكريم المتكون من كل من توم مالينوفسكي مدير مكتب (هيومن رايتس ووتش) في واشنطن، وسارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، هبة مرايف الباحثة والمسئولة عن تغطية أوضاع حقوق الإنسان في مصر وليبيا، وهي مؤلفة التقرير الحقوقي، وعمرو خيري مسئول الترجمة والمسئول عن الموقع الإلكتروني العربي للمنظمة، و كانت الزيارة محل ترحيب من المهتمين بموضوع حقوق الإنسان في ليبيا بطبيعة الحال. غير أن هناك من أبدى عدم ارتياح لهذه الزيارة، وخصوصا بعد فشل عدة محاولات لغرض التقليل من شأنها أو للاستفادة من هذه الزيارة لصالح تزيين واقع حقوق الإنسان في ليبيا.
 
بدأت المحاولات المشبوهة قبل موعد الزيارة المرتقبة من قبل بعض المواقع الإلكترونية المحسوبة على النظام، حيث نشرت هذه المواقع خبر اعتزام وفد المنظمة إطلاق تقريرهم عن حقوق الإنسان في ليبيا من داخل العاصمة طرابلس، وذكرت في هذا الخبر أن هذه الزيارة جاءت بناءً على دعوة من مؤسسة القذافي الخيرية، وهذا ما كذبته منظمة (هيومن رايتس ووتش)، حيث ذكرت بأنها هي من طلب إطلاق التقرير من داخل البلاد. لكن تلك المواقع المشبوهة رأت بأن هذه الحقيقة البسيطة تحتاج للتعديل مناقضة بذلك أبسط قواعد العمل الصحفي النزيه، وربما بهذا ظللت بعض المواقع الأخرى التي نقلت الخبر دون أن تكلف نفسها عناء تأكيده من المصدر. ثم بعد ذلك أصدرت جمعية حقوق الإنسان التابعة لمؤسسة القذافي الخيرية تقريرها عن حقوق الإنسان في ليبيا في محاولة استباقية واضحة للتقليل من شأن تقرير المنظمة الزائرة، وهذا واضح من توقيت إصدار هذا التقرير الذي جاء قبل يوم واحد من موعد المؤتمر الصحفي الذي أطلق من خلاله تقرير (هيومن رايتس ووتش) (الحقيقة والعدالة لن ينتظران). وقبيل موعد المؤتمر قام رجال الأمن الليبي بمنع مجموعة من أهالي ضحايا مذبحة بوسليم من السفر إلى مدينة طرابلس لحضور المؤتمر، كما انقطعت فجأة خدمات الهاتف النقال والإنترنت عن مدينة بنغازي خلال فترة بقاء وفد المنظمة في ليبيا، بالإضافة إلى منع بعض الصحفيين الأجانب من الدخول إلى البلاد، ولا أستغرب إذا علمت بأن المنع طال حتى صحفيين محليين، مما يؤكد إصرار النظام على المسلك الأمني القمعي والتعتيمي في معالجة مشاكل و قضايا لن تحل أبدا بهكذا عقلية.
 
حان موعد المؤتمر المرتقب يوم 12/12/2009م في فندق كورنثيا، حضر الوفد وحضر مجموعة من الصحفيين الليبيين والأجانب، وحضر بعض المواطنين من أهالي ضحايا بوسليم الذين استطاعوا التسرب من الحواجز التي فرضها رجال الأمن، وحضر بعض السجناء السياسيين السابقين ومهتمين بقضايا حقوق الإنسان وبعض من لهم مظالم أخرى، وطبعا لا ننسى حضور شخصيات تراقب بعناية كبيرة بحيث لا تفوتها شاردة أو واردة داخل قاعة المؤتمر. وزعت على الحاضرين نسخ من التقرير وتحدث أعضاء الوفد بإيجاز عن ما جاء فيه. التقرير جاء في 78 صفحة منتقداً بشدة أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا، ويسلط الضوء على بواعث القلق الرئيسية، ويقترح خطوات عملية يجب على النظام الليبي أن يخطوها للوفاء بالتزاماته تجاه القانون الدولي لحقوق الإنسان . التقرير حسب وجهة نظري يعبّر بمنتهى العدالة عن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا، وهو يعكس فهماً عميقاً للواقع الحقوقي في ليبيا، ويعكس عناية فائقة وجهد واجتهاد كبيرين من جانب الآنسة هبة مرايف التي تفضلت مشكورة بكتابة هذا التقرير.
 
بعد تقديم عرض موجز للتقرير من قبل أعضاء المنظمة، أعطيت الفرصة للأسئلة والمشاركات من الصحفيين وبقية الحاضرين. وطرح بعض الصحفيين أسئلة جريئة تتعلق بانتهاكات سابقة وحالية لحقوق الإنسان. كما تحدث بعض المواطنين من أهالي ضحايا مذبحة بوسليم وسجناء سابقين وأصحاب مظالم أخرى وقاموا بطرح قضاياهم ومطالبهم العادلة بشجاعة، وكانت هناك الكثير من الأيدي المرفوعة تطلب الفرصة للكلام، مما استثار بعض المخلوقات الظلامية التي لم تحتمل سطوع الضوء فارتبكت وصرخت وتلفظت، بغرض أفساد أجواء المؤتمر، وبالتالي اضطر أعضاء الوفد لإنهاء الحوار قبل أن يتمكن الكثير من التحدث بما جاءوا من أجله.
 
رغم محاولات التشويه والتشويش، أعتبر أن الحدث في مجمله إيجابياً جداً بالنظر لعدة اعتبارات أولها أن التقرير كما ذكرت سابقا كان عادلا جدا، وهو قد صدر عن جهة دولية محايدة ذات مصداقية عالية في تناولها و طرحها لقضايا حقوق الإنسان على مستوى العالم، وهذا التقرير جاء في فترة تحاول السلطة الليبية إيهام العالم الخارجي بأنها بصدد تسوية مشاكلها الداخلية وبأنها بدأت تنزع إلى إصلاحات داخلية من خلال التساهل فيما يتعلق بحرية التعبير على شبكة الإنترنت، ومن خلال إطلاق بعض السجناء السياسيين، وإجراء حوارات مع أهالي الضحايا وبعض السجناء السابقين، والسماح لمنظمات حقوقية دولية بالتعاطي عن قرب نسبياً مع قضايا داخليا، ثم جاء هذا التقرير ليشخص بوضوح مواطن الخلل الرئيسية والخطيرة التي مازال يعاني منها الشعب الليبي، ويحدد الخطوات العملية التي يجب على السلطة إتباعها في حال صدقت النية في الوفاء بأبسط شروط احترام حقوق الإنسان. ثانياً كان تفاعل الليبيين المعنيين مع زيارة (هيومن رايتس ووتش) ومع تقرير (الحقيقة والعدالة لن ينتظران) جيدا جداً، من خلال عدد الحاضرين الذين تواجدوا في قاعة المؤتمر، ومن خلال أعداد الذين حاولوا الحضور فلم يستطيعوا بسبب منعهم من قبل رجال الأمن، وكذلك من خلال كثير من المشاركات التي طرحت قضاياها ومطالبها بكل جرأة، وأعتبر هذا ترحيبا بوجود من يعوض ولو جزئيا افتقار الســاحة المحلية لمؤسـسـات حقوقية ذات مصـداقية. ثــالثــاً التواجد الشــجاع والنشــيط لصــحفيين وإعلاميين ومدونين ليبيين في قلب الحدث دون انتظار موافقات أو ضوء أخضر من أحد، وهذا ما أعتبره مكسباً مهماً جداً خصوصا بعد ما طرحوه من أسئلة، وبعد الطريقة التي تناولوا بها فعاليات المؤتمر في تغطيتهم الإعلامية. في النهاية لا يسعنا إلا التوجه بالشكر والإمتنان لمنظمة هيومن رايتس ووتش ووفدهم الموقر على الجهود التي بذلوها ويبذلونها في سبيل دعم قضايا حقوق الإنسان في ليبيا والعالم أجمع.
 
علاء محمد الدرسي
http://alaa7773.blogspot.com/
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راجع للكاتب:
 
مهوّنة
شكر وتعقيب
رأي في المصالحة الوطنية
للتعليق على الموضوع
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق