01/02/2008

 

 

نص مساهمة * هشام بن غلبون في تأبين الأستاذ محمد القزيّري في الأمسية التي أحيتها غرفة ليبيا المسقبل (بالتولك) – مساء الأربعاء 30 يناير 2008 تحت عنوان:
 
"أمسية الشهداء والراحلين (في المهجر) من أبناء ليبيا البررة
الذين ناضلوا من أجل إنهاء القمع والإستبداد.."
 
*   *   *   *   *
*   *   *
*
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
 
بدايةً أحيّ جميع الأخوة والأخوات الحاضرين في هذا اللقاء، ومن سيستمعون لتسجيله لاحقا....كما لا يفوتُني أن أحيّ أخي الأستاذ حسن لامين على حرصه على احياء هذه المناسبة ومثيلاتها للتذكير بمآثر ومواقف هؤلاء الرجال (أو شئٍ منها على الأقل).... وأشكره على إتاحة الفرصة لي للحديث عن إحدى الصفحات المضيئة والمشرّفة في مسيرة العمل الوطني الليبي. فقد قدّم هؤلاء الرجالُ كل ما يملكون من أجل المساهمة في تخليص وطننا من محنته، وأن يعيدوا إليه هيبته واحترامه اللتين سلبها منه نظام أقزام سبتمبر69..
 
قبل أن أبدأ حديثي عن المناضل، الوطني، الغيور، الأستاذ محمد القزيري (رحمه الله)، أترحّمُ على جميع أبناء ليبيا البررة الذين نلتقي في هذه المناسبة لتأبينهم وتكريم ذكراهم ... أترحم على أرواح من سقطوا شهداء في مواجهة نظام الظلم والقمع والاستبداد ... وأترحّمُ على من قضَوا في السجون والمعتقلات بسبب مواقفهم الشجاعة ضدّ نظام الجَور والقهر... وأترحم على أرواح من وافاهم أجلُهم وهم بعيدون عن وطنهم، وكتب عليهم أن يدفنوا خارجه... (وهذه نقيصةٌ أخرى تضاف إلى سجلّ هذا النظام الهمجي المغتصب لبلادنا، بحرمانه لمواطنين ليبيين هم أصحاب حقٍّ في الوطن ... بعضهم أكثر منه - ولو بحكم السن على الأقل – في أن يدفنوا في أرض وطنهم، وأن يغطوا بترابه) ... ونسأل الله تعالى أن يجعل ذلك الحرمان في موازين حسناتهم، وزيادةً في منزلتهم، وأن يجعلها لهم حجّة على الطاغية عندما يقفون جميعا بين يديه سبحانه وتعالى......
 
ما دفعني إلى الترحيب بالدعوة الكريمة التي وجهها لنا أخونا الأستاذ حسن لامين للمساهمة بهذه الكلمة في حق الأستاذ محمد القزيّري رحمه الله أنها فرصةٌ للحديث عن الرجل الذي لم يتحدث عن نفسه قط...
 
فمثلا؛ بالرُغم من طول المدة التي عرفته فيها والتي زادت عن ربع قرن من الزمان والتي كنا نلتقي فيها بصفة يومية - في فترة من الفترات – ونقضي فيها معاً ساعات طويلة نتحدث عن كل شئ تقريبا، لم أسمعْ منه في يوم من الأيام... ولو عن طريق الصدفة أو زلّة اللسان أنه كان ينجح بالترتيب الأول على المحافظات الشرقية كلها في جميع مراحل دراسته ... ولا ذكر مرةً أن ترتيبه كان الأول على دفعته أثناء دراسته في الجامعة ... إطلاقا... ولذلك لم نذكر هذه المعلومة في النبذة التي قدمناها عنه عقب وفاته... ولم نعرف هذه الحقائق الباهرة عنه إلا لاحقا من زملاءه وأصدقائه القدامى الذين زودونا بها مشكورين... هذا جانب من جوانب شخصية الرجل أحببت أن أسجله في هذه المناسبة...
 
هناك الكثير مما يمكنُ قوله في حق هذه الشخصية الفذة، ولكنني سأتحرّى الاختصار ان شاء الله حتى لا آخذ من وقت غيري، وفي نفس الوقت أنقُل واحدة من طبائع القزيّري – رحمةُ الله عليه – الذي أستحضر الآن صورته ... فقد كان الأستاذ محمد قليل الكلام ... جدا ً... ويختصر إن اضطر للكلام ... كذلك فقد كان يتمتع بمزيّة تكاد تكون مفقودة في هذه الأيام، ولا ينتبه الكثير لأهميتها وضرورتِها ... وهي أنه كان مستمعا على درجةٍ عالية من الرقي ... ولا يخفى أنه من كان مستمعا جيدا فهو كذلك قارئٌ جيّدٌ ... ومن ثمّ فهو مفكّرٌ جيّدٌ ومثقّفٌ حقيقيٌ، ... فمن غير الممكن أن يكون الانسان مثقفا ومفكرا إن كان لا يستمع إلا لنفسه...
 
كان الأستاذ محمد القزيّري رمزاً من رموز الثقافة الحقيقية النادرة وما يصاحبها من قيَمٍ سامية ...
 
كان يعي أن الثقافة ليست غاية في حدِّ ذاتها ... وأن المثقف تُحتّم عليه ثقافته ومعرفته أن يكون قدوة تحتذى ... وأن المثقّف لا يملك العذر للتقاعس عن اتخاذ المواقف الصحيحة ... باهضة الثمن في أغلب الأحيان والتي تحتاج إلى ثبات وصبر وجلد وتضحية...
 
كان – رحمه الله - رمزاً لقيَمٍ عُليا تهافت دونها الكثيرون...
 
وقبل أن أنتقل من الحديث عن الثقافة والمثقفين، أود أن أصحّح صورة عن شخصية الأستاذ محمد القزيري ... فقد طغت صفة المترجم على شخصية الأستاذ محمد الثقافية... وهو تصنيف غير دقيق وغير مُنصف نتج عن سببين:
 
الأول أنه كان مترجماً بارعاً إلى أبعد الحدود ... بل يعدّ من أبرع المترجمين على مستوى العالم العربي بأكمله – كما شهد بذلك السيد عبد الرحمن الراشد رئيسه السابق في الفترة التي عمل فيها بمجلة المجلة، عندما كتب عنه نعياً في صحيفة الشرق الأوسط مؤخراً... ولعل أكبر انجاز للقزيّري (رحمه الله) في هذا المجال هو تصدّيه لمهمة ترجمة أعمال الفيلسوف الراحل إدوارد سعيد - أو بالأحرى نقلها - من الانجليزية إلى العربية، لأن ما كان يقوم به القزيّري في الواقع هو إعادة صياغة أعمال بروفيسّور سعيد بالكامل... وهو الأمر الذي أدّى إلى اتاحة الفرصة للفيلسوف الراحل لمخاطبة القراء العرب الذين لا يحسنون الانجليزية، وانفتاحه على شريحة واسعة من القراء المثقفين في العالم العربي ... وقد وثّق ذلك الراشد في مقالته التي أشرت لها (وعنوانها :رحيل المترجم) ... كما وثّق كذلك أن ادوارد سعيد زار مكاتب المجلة خصيصا لمقابلة وشكر الشخص الذي يعود له الفضل في تقديمه لجمهور القراء العرب، الذين ظنوا لفترة من الوقت أن سعيدا كان يكتب لهم مباشرةً باللغة العربية وليس عبر مترجم، ولا يخفَ كم تتطلب هذه الدرجة من البراعة ... من تحكم وتمكن من اللغتين العربية والانجليزية ... كما لاتخفَ القدرة الأدبية الفائقة لدي الأستاذ محمد التي مكنته من نقل أفكار البروفسور سعيد العميقة والمركّبة بدرجة من الاتقان أوحت إلى قراءه بأنه يخاطبهم مباشرة.
 
هذا الانجاز على صعيد الترجمة – ربما - يضاهي في درجة البراعة والاتقان ترجمته الراقية لكتاب إيريك دي كاندول عن الملك ادريس رحمه اللهُ وطيّب ثراه ...
 
السبب الثاني الذي جعل صفة المترجم تطغى على شخصية القزيّري الثقافية هو قلة انتاجه الأدبي. فللقزيّري مزيّةٌ أخرى فريدةٌ من نوعها، هي أنه لم يكتب إلا للوطن. ... فقط ... لم يكتب عن قضايا ثقافية، أو عاطفية أو مواضيع عامة الخ ... ، بالرُغم من تمكنه وقدرته على ذلك ... لكنه لم يكتب إلا للوطن ....
 
فلم يكن عنده همٌ ولا هاجسٌ إلا هاجس الوطن الذي سكنه وتنقّل معه أينما حلّ وأينما رحل...
 
أذكر أنني سألته مرّةً لماذا لا تستغل وجودك في هذا الملتقى الثقافي الهام - الذي جمع في ذلك الوقت مجلة المجلة وجريدة الشرق الأوسط اليومية وغيرهما من المطبوعات الدوريّة، لتقدم نفسك للقراء العرب وتكوِّن لنفسك اسماً بين الأدباء العرب؟.... فقال لي أن الموضوع الذي يرغب في الكتابة عنه لا يسمحُ به هنا ، ... وعليه فإنه سيقتصر عمله على الترجمة والتصحيح اللغوي فقط، لأن ذلك لن يضعه تحت طائلة رقابة أو تحكم أحد من الناس ... وهو الأمر الذي كان يمقته كثيرا، كما لوكان حرمانه من حريته من قبل نظام الاستبداد قد ورّث عنده نفوراً شديداً من أي تحكّم من أي جهة في حريته أو تصرفاته...
*   *   *   *   *
*   *   *
*
أختم بالحديث عن محمد القزيّري الوطني، الغيور – الطود الشامخ - صاحب الموقف الرصين الثابت الذي لم يتغيّر قيد أنمُلة بالرغم مما واجهه من صعوبات جمّة في غربة قاسية ... وهو الجانب من شخصيته الذي يلتصق دائما بذهني كلما تذكرته أو فكرت فيه... لأنه هو الجانب الذي جمعني به منذ البداية، وهو الجانب الذي أحترمه وأقدرُه أكثر من أي جانب آخر في شخصيته ...
 
لقد كان محمد القزيّري "طوداً شامخاً" لأنه مات على ما عاش عليه وتغرّب من أجله ... بالرُغم من الثمن الباهظ الذي دفعه في ذلك ... وبالرغم من قسوة الأيام عليه، وحظه البسيط من هذه الدنيا ...
 
لم يتغيّر.. ولم يساوم.. ولم يتراجع.
 
كان محمد القزيّري "طوداً شامخاً"... لأنه (رحمه الله) كان يكره الظلم ... ويكره العسف ... ويكره أن يتحكم أحدٌ في حريته، أو في حاجته (وهذا يعني عنده - وباختصارٍ شديد - كُره الإنقلاب وكل من أو ما يمتُّ له بصلة) ... ترك الوطن ... وهجر الأهل والأولاد والأصدقاء ... واستغنى عن الوظيفة والمكانة الاجتماعية لتسلم له حريته وكرامتُه.
 
كان محمد القزيّري "طوداً شامخاً" ... لأنه ما إن تنسّم عبير الحرية في بلاد الغربة حتى بادر بأداء حقِّ الوطن على أبنائه البررة ... فساهم بصورة جادّة وفعّالة في العمل الوطني في المهجر بكل ما أوتي من قدرة ... ولم يتراجع عن ذلك حتى وافاه أجلُه ولاقى ربه.
*   *   *   *   *
*   *   *
*
أختُم أيها الأخوة الكرام والأخوات بالتذكير بأنه عندما يغادر المرء هذه الدنيا لا يترك وراءه إلا صِيتهُ ... ولا يجد أمامه إلا رحمة الله وما قدّم من عمل صالح ... وسيرة الأستاذ محمد وصيْته ـ ولله الحمد ـ مما يفخر به أولاده وأصدقائه ومحبّوه ... وكذلك سيرته ودماثته وحُسن أخلاقه التي يشهد بها كل من تعامل معه وعرفه عن قرب ... وإننا نبتهل إلى الله مولانا الكريم أن يضاعف له أجر صالح أعماله ... وأن يتجاوز ـ بمنّه وكرمه وجوده وعفوه ولطفه ـ عما سِوى ذلك.
 
أسأل الله مولانا الكريم أن يغفر لهذا العلم ولسائر الشهداء والوطنيين الذين نجتمع في هذه المناسبة لاحياء ذكراهم، وأن يجازيهم جميعا عن الوطن أفضل الجزاء.
 
وأختم بالصلاة والسلام على أكرم الأنام، سيدنا ومولانا وشفيعنا محمد النبي الأميّ وعلى آله وصحبه ... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
هشام بن غلبون
30 يناير 2008
hisham@lcu-libya.co.uk
 

• قمت بحذف فقرات من هذه الكلمة عند تسجيلها صوتياً وذلك تقيّدا بمساحة الوقت المخصصة لها في هذه الأمسية. المنشور هنا هو النص الكامل الذي يحتوي على معلومات اضافية عن سيرة الأستاذ محمد القزيّري لم تكن متوفرة لدينا عند اعداد النبذة التي قمنا بنشرها عنه في وقت سابق.
 

راجع:

 

  التسجيل الكامل لأمسية الشهداء والراحلين (في المهجر) من أبناء ليبيا البررة.

  محمد حسين القزيري ملف خـاص

 

 


للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:

 
ليبى اصيل: الاخ هشام بن غلبون بارك الله فيك لما كتبته عن مثلى الاعلى المرحوم محمد القزيرى اننى كما سبق وان قلت كان محمد القزيرى صديق احد اقاربى واننى اعرف الكثير عن نبوغ وذكاء هذا الشخص وكما اعرف عفته والاعتزاز بالنفس وكرامته التى تفوق الينيا كلها وفى سبيل عزته وكرامته فانه لا يسال احد المعونة وحتى وان كان فى اشد الحاجة للمساعدة والامثلة على ذلك واضحة مثل وضوح الشمس رغم ذكائه المفرط واتقانه للغة العربية واللغة الانجليزبة مات فى شقته المتواضعة فقيرا وكان فى مقدوره ان يكون من اثرى الثرياء لو اراد وذلك بكتابة مقال تمجيد ولكنه اراد ان يعيش فى الفقر الدقع بدلا من ان ينافق ويعيش منعما انه لايريد الا رغيف الخبز الحلال. اشكرك على ما كتبته على المرحوم محمد القزيرى حيث انك لم تتعرف عليه الا اخيرا وفى بلاد الغربة ولكن الوم كل اللوم على زملائه فى الدراسة الثانوية والجامعية فاننى اعرف الكثير منهم لا يزاولن على قيد الحياة ومنهم ذا مناصب رفيعة ولم يكتبوا ولو باسماء مستعارة عن جهاد وكرامة وعزة ونبوغ وتفوق وعصامية المرحوم محمد القزيرى فسبحان الله والمثل يقول (الدنيا مع الغالب) فلك الله يا محمد القزبرى والدنيا غداره وهى فى النهاية فانية ولا يبقى الا العمل الصالح ولو لم تكم اعمال المرحوم محمد القزبرى اعمال صالحة لما ذكر فى الصحافة النزيهة ولما كتب عنه غير الليبيين ولما كتبت عنه انت ولما ذكرت انا عنه ان فى السابق ان ذكرى محمد القزيرى كناقوس يدق فى عالم النسيان ولكن لا ولن انسى المرحوم محمد القزيرى طيلة حياتى على الغم اننى لم ادرس معه ولم اكن من اصدقائه وان لله وان لله راجعون وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام فبائ آلاء ربكما نكذبان صدق الله العظيم.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة