03/11/2009

 

 التايمس اللندنيّة ترثي الملكة فاطمة والعهد المأسوف عليه!
 
(ترجمة: مخضرم)

 
 
الملكة فاطمة تستضيف زوجة
السفير الأمريكي جون تابين
في مسكنها المتواضع بطبرق
 

 

بين إبنتها بالتبنّي سُليمة

وسكرتيرتها الخاصة

 
بتاريخ 14 أكتوبر 2009 نشرت جريدة "تايمس" اللندنيّة الشهيرة، تحقيقا صحفيّا عن المرحومة الملكة فاطمة الشفا عقب إنتقالها إلى جوار ربّها. والتحقيق ينطوي على وصف شامل لسيرة الفقيدة الرّاحلة، مع تحليل سياسي موضوعي لعهد زوجها الملك الصالح المرحوم إدريس السنوسي، التي نعمت به ليبيا لفترة قصيرة، إلى أن عصف به الهمج يقودهم معمّر القذّافي، فأجهز على نهضتها الوليدة، وأعمل فيها الهدم والتخريب في كافة المجالات لمدّة أربعين عام أسود ودام. ونحن نترجم هذا التحقيق في حلقتين، كونه التقرير الصحفي الموثّق الوحيد الذي لم يملك الإعلام العربي قدرة على كنابة مثله. وذلك تخليدا لذكرى الرّاحلين العظيمين الملك إدريس وقرينته الملكة فاطمة، وعهدهما الزّاهر الجميل الذي تتأسّف عليه الأجيال.
 
في التغطية الإعلاميّة مؤخرا عن الذكرى السنوية الأربعين لصعود العقيد القذافي إلى السلطة، كان هناك ذكر قليل للملكيّة التي أطاح بها في انقلابه سنة 1969. والإفتراض الضمني هو أن الملك إدريس الأول المنسيّ الآن، كان ضحيّة للثورة الإشتراكية التي نالت، نوعا ما قدرا كبيرا من التأييد الشعبي. وقد يُنظر إلى الملك إدريس من خلال منظور القرن الطويل الذي رافقتته فيه معينته وأرملته الملكة فاطمة، ولكن الحقيقة كانت أكثر تشعّبا من ذلك. كانت حياتها مرتبطة أرتباطا وثيقا بإنشاء ليبيا الحديثة، وتبعا لذلك تشكّلت في المنفى. فقد وُلدت في واحة الكفرة في عام 1911 - إنها لم تعرف التاريخ على وجه الدقّة - وكانت فاطمة الشفاء السنوسي الإبنة الخامسة لأحمد الشريف ممثّل الخليفة في شمال افريقيا، والزعيم الثالث للطريقة السنوسيّة.
 
لقد تأسّست هذه الطريقة الدينيّة الإسلاميّة الإصلاحيّة بمكة المكرمة في سنة 1837، وأصبح لها أتباع كثيرون في برقة، منطقة الصحراء الغربية على حدود مصر. وقادت المقاومة أوّلا ضدّ فرنسا، ثمّ ضد الإستعمار الإيطالي المتصاعد هناك. في سنّ 18 هربت فاطمة على ظهر جمل من قوّات المارشال غراتسياني الذي ارتكب المجازر ضد الجماعات السنوسيّة في الكفرة. ولقد بقيت الرحلة الشاقة ولمدّة 17 يوما وعبر 400 ميلا من رمال الصحراء إلى بر الأمان في مصر، من أقوى الذكريات لديها. وفي سيوة في العام التالي 1931 تزوّجت من إدريس، الذي خلف والدها، وهو صهر له، بصفته رئيسا للطريقة.
 
وكان إدريس الحفيد الأوّل للسنوسي الكبيرالذي يكبرها بعشرين سنة، قد تزوج ثلاث مرات؛ ولكن زوجته الأولى توفّيت وهي صغيرة، وجميع الأبناء الذين وُلدوا من زيجاته ماتوا في سنّ الطفولة. وصار امله الكبير أن يكون له وريث للعرش، ولكن بالنظر إلى العديد من الإخفاقات والفشل في أن تُنجب واحدا، أصاب فاطمة بحزن شديد في حياتها. والواقع أنهما رُزقا بطفل سنة 1953، لكنه عاش ليوم واحد فقط. وبوسيلة أخرى، وبما حظيت به من لباقة وفيرة وسحر الشخصيّة، إستطاعت فاطمة أن تبرهن على كونها الدّاعم المثالي لإدريس، حينما بدأ في تحقيق حلمه بالحكم الذاتي لشعبه.
 
بعد دعمه لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، تمّ الاعتراف بإدريس في عام 1949 كأمير على برقة. وبعد ذلك بعامين أدّى تصويت في الامم المتحدة إلى إنشاء دولة ليبيا الجديدة. والتي تألّفت من ثلاثة أقاليم صحراويّة عتيقة متنوعة جدا وهي : برقة ذات التراث الإغريقي المتجهة نحو مصر، وطرابلس من التركة الرومانية المتّجهة نحو تونس، وفي الجنوب فزان الغارقة في التقاليد.
 
وبإعلانه ملكا بأمل توحيد هذا الكيان الجديد، وجد إدريس نفسه حاكما لواحدة من أفقر البلدان في العالم. دولة من طراز القرون الوسطى في جميع الأساسيّات. حيث لا يوجد ربما أكثر من عشرة اشخاص يعيشون في نوع من الرفاه. ومع ذلك فهو وفاطمة لم ينبهرا بالحكم الملكي، وقنعا بالعيش على نحو بسيط نسبيا بما يتّفق مع معتقداته الدينية. وقصرهما الصيفى كان عبارة عن منزل من طابقين مبنيّا بجدران طينيّة، ولكي يلتمسا الدّفء كانا يتجمّعان حول "كانون" من الفحم.
 
وسرعان ما تعرّضت هذه القناعة إلى اختبار قاس. إذ وضع إدريس الكثير من الثقة في مستشاره الرئيسي إبراهيم الشلحي، الذي اعتبر الكثيرون أسرته من النوع الجشع حديث النعمة، ونمت تحزّبات في الحاشية الملكية تغذيها الشائعات القائلة بأن الشلحي يأمل في إقناع إدريس بوضع فاطمة جانبا ويتزوّج إبنته. في عام 1954 أُغتيل الشلحي من قبل إبن شقيق الملكة نفسها ذي العشرين عاما. وتفاقمت الأزمة بسبب قرار إدريس بإعدام الشّاب.
 
ولأنه إهتزّ نفسيّا نتيجة الأحداث، قبل أدريس الإقتراحات بأن يأخذ زوجة أخرى على أمل إنجاب وريث للعرش. وبتجلّد كبير، إختارت فاطمة بنفسها إثنتين من المرشّحات المحتملات، ولكنهما رُفضتا لصالح سيّدة مصريّة ناضجة السنّ ووارثة لثروة، وهي عالية التي تزوّجها الملك سنة 1955. ونظرا إلى أنها لم تكن مطلّقة، رفضت فاطمة الإنتقال من المقر الملكي في طبرق. وخلال بضعة أشهر، عاد إدريس إليها— فقد كان وفيّا لها مثلما كانت وفيّة له. وفي وقت لاحق، كحنوّ منهما على اليتامى، تبنّيا الفتاة الجزائرية سُليمة التي سقط والدها في الكفاح ضدّ الفرنسيين.
 
في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، تغيّرت ليبيا كما لم تتغيّر في أي وقت مضى باكتشاف النفط. هذه الثروة الجديدة التي وُجدت، جعلت تركيبتها السياسية فجأة ذات أهميّة كبرى لجارتها مصر. ومن ثمّ تعزّزت دعائم سياسة إدريس الخارجية وثوقا مع بريطانيا والولايات المتحدة. ولكن خلال الستّينات وُجّه وابل من الانتقادات إلى هذه السياسة من قبل القوميين العرب، بقيادة الرئيس ناصر. وكان للتدفّق اللاّفت للأجانب، والفساد المتصل بالنفط، وأحداث السويس‘ وحرب الأيام الستة، والتردّد من قبل الملك العجوز، كلّ ذلك أدّى إلى زيادة التوّتر الاجتماعي.
 
لم يسبق لإدريس أن أعار كبير إهتمام للهيبة الملكيّة، وسياسيا برهن على أنه كان تقدّميّا متّزنا. فقد كانت ليبيا أول دولة إسلامية تُعطي المرأة حقّ التصويت، وفاطمة كانت قدوة ملحوظة للمرأة الليبيّة، فلم تتنقّب بالحجاب، أو تحبس نفسها في عُزلة، ولكنها كانت تظهر بانتظام في المعارض التجارية، وافتتاح المدارس وغيرها من المناسبات العامة.
 
غير أن الملك كان يأمل في أن يسلّم العرش لإبن أخيه الحسن. وتحقيقا لهذه الغاية، سافر في أغسطس 1969 إلى منتجع صحّي في تركيا، حيث وقّع صكّ التنازل عن العرش، ليصبح نافذ المفعول في بداية شهر سبتمبر. ذلك هو الأمر الذي دفع بالعقيد القذافي ورفاقه من الضباط العسكريين، إلى أن يشنّوا إنقلابهم العسكري المخطّط له متذ مدّة طويلة، قبل يوم واحد من تقلّد الحسن للسلطة.
 
لقد صُدم إدريس وفاطمة صدمة عميقة من جرّاء الحدث، والخدم الذين كانوا معهما تبخّروا، ووجدا نفسيهما وحيدين مع ما يزيد قليلا على حقائب أمتعتهما الشخصيّة، ومعتمدين على الحكومة التركية لتسديد فاتورة الفندق. وقد نُدّد بهما في طرابلس كمستبّدين مبذّرين للأموال، بينما كانا في الواقع شبه مفلسين. ولم يكن أمامهما من خيار سوى قبول العرض المقدم من عبد الناصر للإقامة بمنزل في القاهرة.
 
في عام 1971 جرت محاكمتهما غيابيّا من قبل النظام الجديد. فحُكم على إدريس بالإعدام، وعلى فاطمة بخمس سنوات في السجن. وصودرت جميع ممتلكاتهما في ليبيا، وكان عليهما أن يعيشا معتمدين على معاش مصري.
 
الملك السابق توفي في عام 1983 ودفن في المدينة المنوّرة، بينما واصلت فاطمة بعد ذلك العيش في القاهرة، إلاّ أنها تمشيّا مع خصائصها المميّزة إنتقلت من الفيلا، عندما علمت أن عبد الناصر كان قد استولى عليها من أحد معارضيه. وكان لبيع الممتلكات السنوسيّة في المملكة العربية السعودية في وقت لاحق، قد وفّر لها المزيد من الدخل الذي مكّنها من شراء شقّة في حي الدقي على الضفّة الغربية لنهر النيل، قبل أن تنتقل منذ عقد من الزمان إلى مشارف العاصمة.
 
لقد كانت سيّدة أنيقة تتمتّع بذوق بسيط مع إبتسامة ملازمة لها، وموهبة تجعلها تبثّ الطمأنينة في كافة النماذج البشريّة ذات الخلفيّات المتنوّعة وخاصة الأطفال. وفاطمة لم تُبد مطلقا أيّة مرارة من تقلّب الحظوظ في حياتها. بيد أنها كانت تشعر بأن الملك قد خُذل من قبل شعبه، كما أنها قاومت المفاتحات بالمصالحة التي عُرضت عليها من جانب أسرة القذافي. ولو أنها إستطاعت قبل عامين أن تستردّ ملكية منزلها في طرابلس الذي إستأجرته الحكومة الليبيّة منذ الإنقلاب، عن طريق وزارة الخارجية ليكون بمثابة مقرّ إقامةالسفير البريطاني".
 
ترجمة: مخضرم
 

راجع:

 

التحقيق الصحفي بجريدة "تايمس" اللندنية

ليبيا المستقبل: الملكة فاطمه الشفا في ذمة الله (ملف خاص)

 

سيف الغرياني/ معلومة من زاوية الدهماني
جاء في المقال ان الملكة رحمها الله استطاعت ان تسترد ملكية منزلها في طرابلس الواقع بزاوية الدهماني اي بالقرب من البالاصات بجانب فندق المهاري الصحيح انه كان اي هذا العقار بيتا للسفير البريطاني قبل قطع العلاقات ثم استعمل كمقر لبعض موظفي مكتب رعاية المصالح البريطانية وعند اعادة العلاقات تمت صيانته واعيد استعماله من جانب السفارة كبيت للسفير ومقر للقسم السياسي الذي عادة يتوجد به مكتب السفير ولا دخل للدولة الليبية باجرءات تاجيره هذا من ناحية اخري مقر السفارة القديم اعيد استعماله كمقر للمحكمة العليا بعد صيانته وتنازل السفارة عنه وتحصلت علي عقار اخر بديلا عنه ونعم الاختيار كمقر للمحكمة يعني مافيش غير هالرابش اربعين عام لم تستطيع الحكومة الليبية توفير مقر يلبق بأعلي سلطة قضائية مع احترامي للناس الاجلاء الذين يسكنونه لذا وجب التنويه؟؟؟؟؟؟؟
 
للتعليق على الموضوع
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق