31/01/2008
 

صور من الفن الليبي (2)
عن كتاب: الفنان علي الجهاني (ملامح مرحلة فنية)
 
بقلم: عبد العزيز السوادي

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
* صدر منتصف شهر ديسمبر 2007م. كتاب (الفنان علي الجهاني) المشهور بالعليويك، للأستاذ السنوسي محمد. وهو الكتاب الثاني في سلسلة كتب عن الفن الليبي. ويعتبر هذا الكتاب كسابقه (مدخل إلى المقام الليبي) قيماً ونادراً وتاريخياً أيضاً، حيث إنه يُعدُّ الكتاب الوحيد الذي صدر متناولاً أعمال فنان شعبي، غير محترف، إذ أن الكتاب السابق على ذلك هو ذاك الذي أعده الصحفي حسن مسعود عثمان حوالى عام 1968م. عن الفنان علي الشعاليه بعنوان (حياة فنان من ليبيا) والذي تناول حصرياً، وبايجاز، بعض المحطات الفنية للأستاذ الشعاليه، كفنان محترف.
 
تناول الأستاذ السنوسي محمد في كتاب (الفنان علي الجهاني) حياة أحد أعلام الفن الشعبي بمدينة بنغازي من مختلف الجوانب، وقد ساعده على ذلك كونه صديق حميم ومقرّب من الفنان الجهاني، حيث ترافقا لسنوات طويلة تبادلا خلالها مختلف الأراء ووجهات النظر المتعلّقة بالأدب الشعبي بعامّة والفن الشعبي -الغنائي- بخاصّة.
 
وقد أظهر الأستاذ السنوسي في هذا الكتاب ملامح شخصية الفنان الجهاني وشدة تأثرها وارتباطها الوثيق بالحياة البحرية، حيث إن الفنان الجهاني كان قد ولِد وترعرع على شاطىء البحر وفي أشهر مناطقه، منطقة توريللي ببنغازي، ومارس حياته العملية في البحر أيضاً حيث ابتُعِثَ في دورات دراسية عدة إلى بريطانيا، وتقلّد مناصب مهمة جداً في ميناء بنغازي بالتحديد.
 
* لا شك أن مَن رافق واِحتكَّ بالفنان علي الجهاني عن قُرب، مثل الأستاذ السنوسي، لاحَظ مدى غنى ثقافته وسلامة لغته العربية وخلفيته أو سعة مخزونه الهائل من الثقافة الشعبية من تراث فني.. وقصص .. وحِكَم وأمثال .. وأغاني عَلَمْ .. وما إلى ذلك من عناصر ومكونات المأثور الشعبي بعامّة. كما يلاحظ المرء أيضاً، من خلال الإحتكاك بالفنان، مستوى ذكاء الجهاني الواضح وسرعة بديهيته وروحه المرحة.
 
ونظراً لعشق الأستاذ السنوسي للفن الشعبي، الذي يُعتبر هو ذاته أحد مرجعياته الثقافية، وإعجابه الشديد جداً بشخصية وموهبة الفنان الجهاني وجمالية صوته النادرة وأذنه الموسيقية المرهفة وموهبته الشعرية، وأيضاً شهرته الفنية، خلال فترة سبعينات القرن الماضي ... نظراً لكل ذلك، وربما لغيره أيضاً، رأى الأستاذ السنوسي أنه من الواجب عليه، كشخص حريص على الفن الشعبي، توثيق هذه المعلومات باسلوبه السهل .. السلس .. المشوّق .. الذي يقطّر حباً وعشقاً للفن الشعبي، واختار بل وحدد فترة السبعينات من القرن الماضي حيث كانت بحق أشهر وأروع الفترات الفنية لعلي الجهاني، فكان هذا الكتاب الرائع هدية قيمة لعشاق فن الفنان الجهاني والفن الشعبي، ليس في مدينة بنغازي فحسب بل في جميع أنحاء ليبيا، وأيضاً لليبيين والعرب المقيمين في الخارج، وخاصّة لمتتبعي ودراسة الفنون الشعبية في ليبيا والبلاد العربية.
 
* على الرغم من أن هذا الكتاب يتناول فترة محددة خاصّة بالإنتاج الفني للفنان علي الجهاني، إلاَّ أنه يحتوي على كم هائل جداً من الأغاني الشعبية التي كانت، وما تزال، تغنَّى في مدينة بنغازي وضواحيها منذ أكثر من مائة عام، وكثير منها منذ فترة الحكم التركي، أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مثل أغنية (قالوا لْها راجل عَدُوْ ويْجيكم !!)، التي ذُكر في أحد أبياتها اسم والي مدينة بنغازي التركي، طاهر باشا، الذي كان والياً هناك بداية القرن العشرين، بالإضافة إلى أغان أخرى يعود تاريخها إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً مثل أغنية (قِدّ السّزِي نايِرْ الخَدّ ضاوِي) التي ذكرها الدكتور علي برهانه في كتابه القيم (كتاب الشعر الشعبي) -المجلد الأول، منشورات المركز الوطني للمأثورات الشعبية- وقد أوردها الأستاذ السنوسي كاملة، وهي تحفة نادرة في الأدب الشعبي ككل، تحتوي على عدد ستة وتسعين شطرة.
 
* وردت بالكتاب الكثير من الإضافات -أبيات- إلى مطالع قديمة أو أغاني قصيرة من التراث، والحقيقة أنني شخصياً أُفضِّل أن أُطلِق على هذه "الإضافات" كلمة "إئتلاف"، حيث إن معنى ائتلاف يعني في مفهوم الشعر النقدي أربعة أركان أساسية هي اللفظ والمعنى والوزن والقافية، أي إئتلاف المعنى مع اللفظ، والمعنى مع الوزن، واللفظ مع الوزن، وأخيراً القافية مع المعنى، بما يعني أن تكون المعاني مستوفاة في الكلام، مؤدّية للغرض على أكمل وجه، وهذا ينطبق حرفياً على هذه "الإضافات" أو "الإئتلافات" -إن صحَّ التعبير- التي صاغ الكثير منها الفنان علي الجهاني والأستاذ السنوسي وآخرين. وقد كانت، والحق يُقال، في غاية الجمال والروعة والدقة زمنياً، حتى ليصعب على المتمكنين في مجال الشعر الشعبي التفريق بينها وبين الأصل، في حال وجود الأصل، وصعوبة تخيل أن يأتي شاعر الأصل بأروع منها، خاصّة إئتلاف الأستاذ السنوسي.
 
هناك نقطة أخرى في غاية الأهمية، في هذا السياق، يجب أن تُضاف إلى رصيد الفنان الجهاني وهي قدرته على التلحين والتجديد في حدود التراث، إن صحَّ هذا التعبير، فعلى الرغم من الشهرة الواسعة والتمكّن الفني الذي توفر عليه الكثير من الفنانين الشعبيين الكبار أمثال محمد درنه، رحمه الله، وآخرين غيره، إلاَّ أنهم كانوا في عداد "الناقلين" فقط، وبخاصة من حيث الحفاظ على النص الشعري واللحن، وقد واصل بعضهم الإلتزام بهذا التوجه لما يزيد عن أربعة عقود. إلاَّ أن الفنان الجهاني تميَّز عنهم بأنه كان يلحن ويجدد باستمرار، ويأتي بالإئتلافات كما أسلفنا، وهذا ليس من السهولة بمكان، حيث كانت ألحانه جديدة ولكنها في حدود التراث المعتق بسحره وعبقه الموغل في الزمن. ومن هنا فقد كانت هناك مدرستان: المدرسة القليدية المحافِظة على الفن كما هو (بالنقل)، ومدرسة الفنان علي الجهاني (بالتجديد)، أي بتجديدها المستمر، وبخاصة في الألحان. ولكل من المدرستين مؤيدها ومعارضها، ويظل الكسب الحقيقي للتراث متمثلاً في ما يحوزه من إثراء وترصيع وتحسين.
 
* أكرر أن هذا الكتاب يتناول تحديداً فترة السبعينات كمرحلة فنية هامة للفنان علي الجهاني، إلاَّ أن الكثير من النصوص الشعرية التي أوردها الأستاذ السنوسي ضمن موضوعات كتابه، تُعدُّ نصوصاً تاريخية ونادرة جداً ، ويعود الفضل في شهرتها إلى الفنان علي الجهاني الذي أبرزها في ألحان مميَّزة ما تزال حديث الناس إلى الآن. ومن هذه النصوص النادرة والتاريخية مجرودة (مرحَب يا جَدّال قْرُونه)، ففي هذه المجرودة قَصّ أو سرد لقصة الليبيين الذين أُخذوا على أيدي المستعمِر الفاشيستي قسراً للحرب في الحبشة، ثم عودتهم إلى أرض الوطن، ثم تجنيدهم مرة أخرى لحرب القوات البريطانية في الحرب العالمية الثانية. وما يثير الدهشة والإعجاب، في سياق هذه المجروده هو الذكاء والفطنة والملاحَظة والتحليل الفطري لأبناء البادية، وقدرتهم غير العادية على تجسيد هذا الحدث التاريخي شعراً وبأسلوب ذكي.. دقيق.. مثير.. شيِّق.. جزِل.. مترابط.. متسلسل.. ساحر "يأخذ العقل" كما يُقال في العامية. وهي بوقائعها الحقيقية، تُعدّ بحق تحفة رائعة من تحف الأدب الشعبي الليبي.
 
* وردت بالكتاب بعض قصائد شخصية خاصّة "إخوانيات"، قال الفنان الجهاني بعضها في عتاب أصدقائه، والحق يُقال إنها من أروع ما قرأت في غرض العتاب في الشعر الشعبي، أخذاً في الإعتبار أني لم أكن مقتنعاً بشاعرية الفنان علي الجهاني قبل قراءتي لهذه "الإخوانيات"، إلاَّ أنها كانت بحق في غاية الأدب.. والذوق.. والرقّة.
 
* هناك الكثير من النقاط بين أقواس (... ...) داخل نص مجرودة (مرحَب يا جَدّال قْرُونه)، وهذا لا يعني أنها شطرات ناقصة، فالشائع في بناء المجرودة أن يكون البيت فيها مكوناً من ثلاث شطرات ثم ما يُعرف بالقَفْله، وهي الشطرة الرابعة التي تكون قافيتها تختلف عن الثلاث شطرات السابقة، ويرددها (الصفّاقَه)، وتكون أداة ربط مع مطلع المجروده.
 
عبد العزيز السوادي
باحث فني
 

ملاحظة: يُعرض هذا الكتاب "الفنان علي الجهاني" وكتاب "المقام الليبي" حالياً بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية (2008م.) وذلك بأجنحة معروضات وكالتي النشر (الأخبار) و (الأهرام). كما يتوفر للبيع بمكتبة (مدبولي) بوسط القاهرة ومكتبة (وهبه) بشارع الجمهورية بالقاهرة. إضافة إلى توفر هذه الكتب أيضاً بمكتبة (الساقي) و (مكتبة دار الدعوة) بوسط لندن بالمملكة المتحدة.
 


إضغط هنا للمزيد من المعلومات حول الكتاب وكيفية الحصول عليه

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة