21/01/2008
 

سلسلة رجال من رمل: (1) ثرثرة بوادي الربيع...!!
 
بقلم: رتيبة الجديدة

 
بعد أن سحبت بعمق أنفاسها قدراً كبيراً من دخان تبغ (النرجيلة) المتصاعد بكثافة في خلوة مظلمة بمقهى من مقاهي العاصمة التي يردها عادةً الصفوة من الأغنياء والمتنفّذين في الدولة، قالت تتعقبني دون يأس وملل، سيارة B.M.W فارهة ذات لون أسود تحت وطأة شراهة مستقليها ورغبتهم الجامحة بممارسة مضاجعتي علناً!!..
 
وتتبعها الفضولي أينما حللت وتوجهت بين الكليات وغالباً ما تجوب مثيلاتها حرم الجامعة بحرية مطلقة في ظل الاستثناء والتمييز عن الحظر التنظيمي الذي تفرضه الجامعة على بقية (العكاريات) الحقيرة في عملية الدخول والخروج وفق ما تقتضيه أعراف وتقاليد المسئولين بالبوابات الجامعية غير المتجاوزين لأهمية التعليمات (الإيحائية) المستديمة بعدم التعرض لها خوفاً من جبروت وهواجس النتائج المتوقعة وافتراضات العقاب من جهة مجهولة!!..
 
استطردت طالبه السنة النهائية بقسم.....؟ والدقيقة في اختياراتها لجلسات مشروع التخرج!! المعروفة بين الطلاب (بالنمرة الأليفة) والموصوفة بملكة جمال الجامعة لأنوثتها وفتنتها الزائدة.... وأزيائها الهليولودية المثيرة.... قائلة.... أنواع B.M.W ولاندكروز ذات الدفع الرباعي والأرمادا... والهمر الأمريكية.. لا تخضع في عالم الجامعة... لأي اشتراطات زمنية تحدد تجولها بحرم الجامعة ولا تأبه بخفر البوابات ووصاياهم المضطربة.... فهي تدخل إلى (الكباريه) الكبير دون استئذان... أعني حرم الجامعة لتحصّنها بعاملين لا تشوبهما أي احتمالات وتخمينات خارج توقعات الطلبة والطالبات ورجال أمن الجامعة والمثابة الثورية وعمداء الكليات ومدير الجامعة... بالإضافة إلى أمين التعليم العالي الإصلاحي!! لشعور الجميع أن هذه الأنواع من السيارات المخيفة أما أن تكون تابعة لأساطين أمن البلاد.. أو لأولادهم .. وأحفادهم أو لأصهارهم.. أو يملكها صغار (الكبار) من الأحرار في ظل السائد بمشهد التمييز في المركوب والسكن والأرصدة المالية !!..
 
أو تحمل أرقام لوحاتها المعدنية تعلن عن هوية موطنها الشرقي وأصولها (السرتاوية) بغض النظر عن نسب صاحبها الاجتماعي وهذا مما يزيد من دفن رؤوس الخفر بالرمال محاذاة للنعام دون مؤاربة العناء والبحث عن إصلاح مالطا المنشود بالمثل الشائع!!..
 
وأضافت.. تكاد تنهش مفاتني عيون الذئاب البشرية مخترقة الزجاج الحاجب للرؤية والرصاص على ما يبد ويتحرك مقودها في الدوران خلفي بإصرار مع تمتمات كلمات شبق بلهجة بدوية غير مفهومة لدي.. ومغازلة بمصطلحات الاستجداء والاستعطاف ينصب مجملها حول قبول التعاون بمشروع جنسي مرتقب في حالة الموافقة ثم ضحكت حتى دوّى المكان بقهقهتها المتشفية قائلة: وقفت لمعرفة المزيد من نوايا عشاقي المتلهفين على جسدي البنفسجي وأوحيت لهم بالموافقة على متن ابتسامة تتمظهر فيها معاني إدعائي بالغموض المصطنع لمطالبهم مما دعا أحدهم بالنزول من السيارة مسرعاً والاقتراب مني والإلحاح بدعوتي إلى ركن محاذٍ للكافتيريا الجامعية المكتظة بالطلبة وفور وصولنا للمكان سحب كرسي للجلوس عليه وأمرني دون لباقة من الاستعانة بكرسي آخر للجلوس قبالته وقال على عجل وهو شارد النظر إلى من حوله (لا وقت لدي كافٍ للحديث معك يمكن تبادله بحرية في مكان آمن وأكثر هدوءاً في استراحة أسطورية بوادي الربيع مقابل أتعاب تقدر بـ 1000دينار ليبي قابلة للتفاوض حول إمكانية الزيادة بموجب ارتفاع مؤشرات حرارة تفاعلي وموهبتي الجنسية وإظهار كل إبداعاتي المفترض توازنها مع نعومتي الأنثوية مقتصراً هذا البدوي الغض الواثق من فحولته الصحراوية على الدعوة في زمن قياسي غير مسبوق متمنياً من جانبه الاستجابة الفورية دون تشاور ودون البحث في مسائل قد تفشل هذه الصفقة بمكاسبها المادية والميتفزيائية المزدوجة وانعكاسها على متطلبات التسوق بشارع الجرابة الذي تستهويني موديلات ملابسه الثمينة.
 
قالت أحسست برغبة (الرجل) في عدم إطالة الحوار وتمديد وقت التفاوض حول العديد من التفاصيل الدقيقة التي تؤدي إلى نشوب خلافات وإلى طريق مسدود على غرار ماراثون اجتماعات الإسرائيليين والفلسطينيين المتوجه في كل مرة بالفشل.
 
ثم أضافت قائلة: تعمدت باختلال جلستي بوضع رجل على رجل لكشف المزيد من مفاتني السفلية لإثارة (البدوي) ولرضوخه لاشتراطاتي بتحقيق مكاسب مالية تفوق سقف أجرة بعض الزميلات مخطرته أن بعض رجالات الدولة وخاصة مدراء الشركات يدفعون أكثر من ذلك بسخاء تقديراً لقيمة الوقت الذي تحدده رغباتهم الزمنية وانتشاءهم مع فتاة لا تتجاوز 23 ربيعاً يتسابق على الظفر بها العديد من المغرمين بجمالها الصارخ ولا حرج لديها بزيادة أجرها مع متغيرات ارتفاع ثمن خام البرنت!!..
 
وافق الفحل بعرض الطالبة الفاتنة على ثمن السهرة بـ 1500 دولار أمريكي غير خاضعة بالطبع للضرائب ورسوم البندقية ودعم الأسواق العامة والجهاد !!..
 
وجدت نفسي بالمقعد الأمامي في السيارة الفارهة.. يحرسنا رجلان وليس (أوجلان الكردي) في المقعد الخلفي ورفقة السائق المفاوض المتواطئ أمام شعري الذهبي الذي تداعبه مراوح مكيفات السيارة والمشاكس له بين الحين والآخر..
 
قالت وهي تمتص عصير الجامايكا عبر الأنبوب البلاستيكي الطري تروي إحدى مغامراتها للأستاذ الجامعي الذي نزع بكارتها في السنة الأولى (آداب) ودشن انطلاقتها في عالم ليل المزارع الخاصة وتركيع رجالات الدولة بقبض أجرها بالأوراق الأمريكية واستنزاف عملة البلاد الصعبة، دقائق معدودة قطعتها الـ B.M.W بسرعة جنونية مخترقة (ليبيا) بما فيها إشارات المرور الحمراء تلقاء استراحة كبيرة وفسيحة، فتحت أبواب أسوارها العالية من تصاعد تنبيهاتها بقدومنا وهي إشارة تنذر بوصول (ضيفة) جديدة!!..
 
شرطي مسّلح نهض من مقعده أمام حجرة البوابة مؤدياً تحية عسكرية بالرغم من دخول السيارة باستعجال، وأمام القصر السندبادي انصرف الاثنان المرافقان ودخلتُ رفقة كبير المفاوضين إلى صالون وثير تزيّن جدرانه لوحة الموناليزا ولوحة القيامة لدافنشي وصورة رجل ليبي مرتديا زي الجنود الطليان في عام 1931م الذي أعدم فيه عمر المختار!!..
 
جلست في حضن أريكة فخمة مطرزة بخشب الزان أتأمل روعة المبنى وقيمة أثاثه الثمين وتنوع وروده الحاضنة لمداخلة بذاكرة مشلولة ذهنياً من المشاهدة ومن مفارقات انطباعاتي الأولى للمكان والداعمة لحدسي المخالف عن طبيعته.. لحظتها انتابني الخوف والذعر لأهميته الأمنية المتمثلة في حراسته المشددة موحياً منذ برهة بغرفة عمليات عسكرية لكنها في الواقع عمليات من نوع خاص أقل تطرفاً ودموية.
 
بعد لحظات خرج عليّ من غرفة مجاورة رجل كبير تتصابى حركته بشيء من المراهقة إلى حد ما ويخفي معالم عمره وراء الأصباغ السوداء المبالغ فيها على فروة شعر رأسه المتجعد ووضوح بريق أسنانه الاصطناعية المنهكة من الخمر وبطء تحريك لسانه المتعثر بكلماته، لكنه على أي حال ذات قيمة في الدولة وفق انطباعاتي المرحلية مرحباً بي بحفاوة لا تخفي سذاجته في ترويض المرأة وخاصة التي تصغره بـ 50 سنة ميلادية قائلاً: مرحبا
 
مرحبا لفظها بلهجته الشرقية البعيدة وأصولها الريفية مردداً (سلمك صيّاد عليك حجاب) موجهاً كلامه إلى كبير المفاوضين الذي وقف منتصباً في حالة استعداد عسكري حذر!!.
 
ثم دعاني العجوز المراهق لمشاهدة الصور المعلقة على جدران الصالون ليعرّفني فقط بصورة والده المجند مع الغزاة!! .. دون الإلمام بمعرفة قيمة الروائع الأخرى لاستحياء ثقافته العامة.
 
واضعاً يده الباردة بأصابعها المتجعدة فوق خصري محاولاً استثارتي ورفع الحظر النفسي والحاجز السيكولوجي كما فعل السادات مع إسرائيل.. مزيلاً عوارض استئناسي وتهدئة روعي، معتقداً بمخيلته المغفلة أنني حديثة العهد بتجارب ضيافة نظرائه المسئولين!!..
 
ثم التفت نحو (القواد) الذي تعرفت على مهامه الوضيعة للتو.. آمره بقطع كل الاتصالات معه وقفل النقال الخاص، وإخطار مراجعيه بأنه في اجتماع أمني مغلق لتدارس تصريحات (الظواهري) !!..
 
مضيفاً بتهيئة أجواء الجلسة الحمراء المتبعة بإعداد المائدة المشكلة من كل أنواع الفاكهة والعصائر المحرمة والمحللة.. والمقبلات من مكسرات خلافاً للحوم المشوية التي بدأت روائحها تتسلل مع نوافذ الاستراحة من الخارج.
 
ثم جلسنا حسب دعوته في مكانه المفضل والذي يزعم براحته لإطلالته على خلفية الحديقة .. معدا به جلسة عربية تساعده على الاستلقاء والتمرغ بحرية دون قيد المقاعد الحديثة التي لا تناسب جيله.
 
تعرف على اسمي.. وتعرفت على حيثياته الوظيفية بإحدى القطاعات.. طالباً محوها من ذاكرتي فور خروجي المبكر من (الثكنوبارية).
 
أسدل الليل جدائله السوداء فوق الوادي وسكنت حركة العوّالة.. بعد أن فرغوا من ترتيب المائدة.. ونام القواد في حجرة أخرى.. وبقيت مع الدنجوان العجوز.. في حجرة مملوءة بالموائد المشكلة والأصناف الراقية من مشروب الويسكي ودخان الحشيش المنبعث من لفائف سجائر المضيف والمعدة من عوّالته المهرة، نتبادل النخب والحكايات.. وثمار الفاكهة وحبات الفستق الحلبي.. يتناول من جانبه العديد من كؤوس الخمر بشراهة وإفراط.. ويظهر بين الحين والآخر محبته وتودده المرهف.. وكنت أحس بثقل حكاياته وثرثرته بلهجته غير المألوفة بالنسبة لفتاة أمها مغربية وأبوها أمازيغي سكير.. طعن في المدينة القديمة بواسطة مجهول.
 
انتصف الليل.. ولم يحرك الرجل شيئاً مستفيداً من بنود الاتفاق.. خلافاً لاحتساء المزيد من شرب الخمر.. وغناء العلم الشرقاوي.. والبكاء أحياناً بدون سبب!!.
 
أحسست بانخرام ذاكرة العجوز الذهنية بفعل دوار الخمر حينما بدأ يهذي بمكتنزات أحداث، ومواقف، اختلت بانفصام العقل الداخلي عن ظاهره.. وطفت دون قيد على لسانه المتثاقل بالثمالة الزائدة.
 
كان متهستراً من ألآلام وتوجّعات أشياء مجهولة يخفيها، وتظهر دلالاتها بأفق معاناته وإحباطه بضرب الطاولة بقبضته المغلقة، معلناً غضبه على أسماء بارزة في الدولة تخيف حتى الموتى يرددها بازدراء وينعتها بالفساد حسب وصفه العدائي.
 
قالت: تظهر على تقاسيم وجهة المملوء بالمساحيق هموم يعانيها الرجل وأزمات يجتر آثارها المؤلمة بغضب وبشكل مفزع.. وهو يعيش نوبات فشل مدمرة!!.
 
ثم قالت: كان يعانقني ويسدل رأسه على صدري مستسلماً وباكياً وشاكياً ومستنجداً شفقتي لأزمته الغامضة، فغمرني العطف بحالته اليائسة وهزيمته المروعة أمام خصومه وكؤوس خمر وامرأة تلعن وطنا هؤلاء رجاله!!.
 
مستطردة، نهضت من جانبه بعد أن اعتدلت من استلقائه بشكل عبثي على الصالون العربي ووضعت وسادة تحت رأسه ، بعد أن تأكدت من صرعه وغيبوبته مع النوم والسكر وسطول الحشيش ..منسحبة إلى حجرة أخرى للنوم دون متاعب متوقعة!!.. محتفظة ذاكرتي بكل الأسماء الواردة بهذيانه حولها واستعدائه لها طيلة الليل، وفي الصباح استلمت كافة حقوق السهرة بما فيها زيادة 500 دولار تأمين عدم تسريب المعلومات للجبهة المنافسة!!.. مستقلة سيارة أخرى أكثر رفاهية بقيادة أحد أجندة الحاشية، وعند البوابة ودّعتني تحية جديدة.. أعلنتُ فيها امتعاضي الشديد لصاحبها الذي حيّا مومسا وقوّادا بواجب وشعار الوطن (الخائب) .. في العدد القادم من السلسلة مع (اشتباك سلمي في كرونتيا).. ورجل آخر من الرمل.
 
رتيبة الجديدة
 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 
ليبى خليجي: كم نحن بحاجة لمثل هده الكتابات التي نرى فيها حالة الواقع الحقيقي بدون مواربة وتزييف وكشف الستار عن ما يجري في الخفاء والظلام وفضح بؤر الرجس والفساد وأصحابهم خاصة عندما تأتى في سرد روائي جميل يشد القارئ ويجعله يعايش حالة السقوط المؤسف التي يعيشها الوطن والمواطن على حد السواء.. شكرا رتيبة على هدا الإنتاج ونحن لشوق لقراءة بقية الأجزاء.

رتيبه القديمة: هذه القطعة الادبية تصلح لأن تكون رواية طويلة لمعانات الشعب من اصحاب السلطة وذوي البأس الشديد في الدولة .. ما ذكر في هذا المقال صحيح بل يحدث افضع من هذا في ظل سيطرة العسكريين وأصحاب الجاه تحت طائلة قبض الثمن فهم من يدعي أنهم لهم الفضل في نجاح الثورة وهم من قتل واعتقل وحقق وسجن وهتك الاعراض باسم الثورة ولا احد يجروء على محاكمتهم او التحقيق معهم في جملة الفضائح التي يرتكبونها باسم الثورة.بقي شيء واحد وهو تعرية هذه النماذج الفاسدة ولا بأس من ذكر أسمائهم حتى يقتص منهم الشعب الغلبان يوما ما.

سالم: نعم لقد ابدعتي يا رتيبة في تصوير المعاناة وكشف اللثام عن عن هذه الظاهرة الدنيئة التي هى واحدة من مظاهر الفساد في وطننا المسكين. نحن في انتظار روائع اخرى منك على احر من الجمر فاسلوبك وعمق تفكيرك وصدق احاسيسك يظهر جليا في هذه المقالة التي كتبت بمداد من ألم. شكرا.

مفتاح الطيار: قطعة ادبية رائعة وفي احشائها مأساة الوطن المسلوب المنهوب . لو كان الوطن امنا مستقرا ينعم اهله بخيراته، وطنا يأوي ويطعم ويؤنس، مالجأت فتاة الجامعة الى البغاء. ولكنه الوطن المنهوب والمسروق الذي تنهشه ضباع القدافي وحكمه الهمجي من كل جانب فتلجأ حرائر ليبيا الى ما لايرضي الله. اما انت يارتيبة الجديدة، مزيدا من هذا لعل ضمائرنا تتحرك اما صاحبتك الجامعية فلعل الله يرزقها بتوبة كتوبة الغامدية التي قال عنها الرسول عليه الصلاة والسلام عندما سبها خالد وهي ترجم حتى الموت: مهلا ياخالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس(الذي يفرض اتاوات على الناس بدون حق ) لغفر له.

بدون اسم: لا حول ولا قوة الا بالله. نسأل الله العفو والعاقية. هذه الناس يجب ان تباد عن وجه الأرض ولا يدفن بل يحرق والهباء الي البحر الله سبحانه قال كيف ماتكونو يولا عليكم.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة