02/02/2008
 

ليس دفاعا عن المفتي .. بل عن الرشـْـد!
 
بقلم: رمضان أحمد جربوع

 
المفتي بالتأكيد قادر على الدفاع عن نفسه وما دفعني أنا، صديقه أو توأمه (ولدنا في نفس اليوم من ذات السنة) .. قرابة النصف قرن، هو الدفاع عن قيمة أرى أنه معرضة للخطر إن لم يكن الانقضاء، ألا وهي الرشد عندما نتخاطب أو نقيّم بعضنا البعض ...
 
عندما كتب امحمّد "هدرزة" أوضح تماما أنه ليس بكتاب تاريخ ولم يكن بصدد تأريخ للمدينة، فهذا، وإن كان لازما ولا يزال ينقصنا، إلا أنه يتطلب عملا من نوع آخر له ضوابطه وقواعده ومنهاجه.
 
ما كتب المفتي كان سردا لذكريات وخواطر ونوادر، والتي بطبيعتها ترسخ بالذاكرة لطرافتها أو قرابتها من المحيط الذي نشأ فيه، ولم يكن بحثا مقننا شاملا، فجاء، وكما يجيء كل كتاب، قاصرا على أن يرضي الجميع، ولا أرى أي عيب في أن يخص أبناء مدينة أباه (درنه) بمزيد من التفاصيل، فلقد كان يعرف عنهم أكثر من غيرهم لقربهم من دائرة العائلة، ولم أرى في ذلك تعصب، أو كما تمادى البعض إلى القول "بعنصرية" ما ..
 
المفتي على كل حال "بناغزي امقطّر" يعشق مدينته حتى الثمالة، فوعي الدكتور وإدراكه لم يتأتّى إلا في هذه المدينة، التي تسلب لبّ كل من يعيش فيها فيحبها بدون استئذان، بنغازي ليست لأحد، ولا يملك أحد الحق بالقول بأنها له (خصّ قصّ) ، فهي لكل من يحبها، وبنغازي أيها السادة "البناغزة" ليست سوى بوتقة انصهر فيها قوم ليبيا من كل حدب وصوب، ونشأت فيها "ثقافة" خاصة ميـّزتها عن غيرها، فيها الأنفة، والاعتزار إلى حد الغرور بها، وفيها الكرم (إلى حد الهبال) وفيها الاستعداد بقبول كل من يأتيها دون السؤال عن "من أين أتى" فمعيار القبول في بنغازي لدى ساكنيها؛ لا يتحدد لا بمال ولا بجاه أو لباس أو شهادة أو وظيفة أومنصبْ أو تنصيب ..
 
فلكي يكون المرء مقبولا فيها، يكفيه أن يحبها ويحترم نفسه فيها ومن ثم الآخر، خلوصا إلى عدم الإضرار والبعد عن الغطرسة والخيلان ... ليس إلاّ! ... ومن يتغطرس فيها أو يتفاحج، مهما علا شأنه، فميزانه في عيون سكانها طفيف خفيف ...
 
بالطبع أنا متعصب لمدينتي، ولكن ذلك لسبب واحد فقط، لأنها بالنسبة لي هي "ليبيا" التي أحب، فهي الأنموذج المصغر منها .... وبالطبع أحب كل من فيها، وفق المعيار الذي أوردت آنفا، فهو الليبي بالنسبة لي ..
 
أن يسرد المفتي بعض النوادر عن شخصيات، لا يحتاج مقامها وتاريخها لإضافات من المفتي، ليس فيه عيب أو زلل، فنوادر مثل هذه قيلت في عظام العالم .. ولعلي أذكركم بواحد فقط، ألا وهو، وينستون تشرشل، رئيس وزارء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية والتي أنقذ بلاده وقادها للنصر، لم تشبه شائبه من تكرار التندر عن طباعه في كثرة الأكل والشرب والتدخين .. فلقد كان يحتفي بها هو نفسه وتسره! ولم يعتذر أبدا عن بدانته وكرشه!
 
كتاب المفتي، أو كراسته إن شئتم، لا يخرج عن ما يعرف بكتابات "التاريخ الاجتماعي" المـٌعاش، وهي كثيرة وفيرة في تاريخنا، فجلّ مجلدات تاريخ العرب مليئة بنوادر من هذا المثال، وهي بعد حين تعتبر مصدرا من مصادر تاريخ الأقاليم، وتمثل شهادة حيّة على الحياة في منطقة ما، من قبل من عاشها في حينه .. .. وهي بالطبع لا تمثل سوى انطباع عنها أو ما يرسخ في ذهن راويها ... .. ولا يطلب منه أكثر من ذلك في هكذا مسار، ولا ينتقص من شأنه بسبب ما كتب، اللهم إلا إذا كان متصديا لتأريخ وتحرير لتاريخ ..
 
الكاتب الناجح، والكتاب الناجح، بمعيار أهل العلم، هو الذي يجعل القاريء يستعمل ملكة التفكير لديه، أي يفكر، ويثير فيه أحاسيس وربما الرغبة في الاستزادة أو التقليد والتعليق والنقد ..
 
وهدرزات المفتي (والهدرزة عربية لعلها مشتقة من الهدير بمعني استطالة الحديث والمسامرة)، من هذا المنحى ناجحة بكل المقاييس، ودليلي على ذلك أنها أثارت ردود فعل وأصبحت حديث المدينة وكتبت تصويبات وانتقادات سلبية وإيجابية .. لعل آخرها من ابنتنا التي في كندا (زينب محمد) التي أجادت بما أضافته وصوبته، وإن أخفقت في حشر "الشخصنة" في سياق النقد والرد والتعليق .. فلقد كان يكفيها تناول المادة المقدمة بما ترى بدون التطرق لشخص الكاتب، ولها الشكر على كل حال.
 
كنت دائما، أحث المفتي على عدم الرد وبأن يكتفي بنجاح كتابه، وبأنه في حال أن تخرج لنا مادة أفضل أو أوفى فسيكون له في ذلك أيما فضل، لأنه سيكون هو الذي استفز ودفع إليه .... وذلك يكفيه... مع العلم أني رأيت في "هدرزته" الكثير من النواقص ولكن يا سادة أروني من فضلكم عملا كاملا .. إن وجد! .. وسأقول لكم دعوكم من المفتي وبما أفتى!
 
ما دعاني أنا للكتابة؛ هو الشروع في نشر هدرزته الأخرى عن طرابلس، وما بدأت نثيره هي الأخرى من ردود فعل مشابهة .. ولا حرج في ذلك، ولكن كم كنت أتمنى أن ينهج قومي ما كان ينهجه أسلافنا، أي تناول المادة كيفما بدى لهم ولكن بعيدا عن الشخصنة والتجريح، وأكرر لهم، حسب رؤيتي المتواضعة، الكتابة في التاريخ الاجتماعي المعاش والمحسوس تنقصنا، وليت يخرج لنا من يشمر عن ساعده فيأتينا بما لديه ..... ورجائي ممن سيكتب، صغيرا كان أم كبيرا، أن يكتب بالأسلوب الذي يحب هو أن يكتب به عليه ... إن كتب!
 
وقبل أن أختتم، ودائما حسب اعتقادي، أن "الدراونة" فعلا أهل علم وأدب وفن وتجارة، فمن ضمن أفضل المصرفيين والدبلوماسيين والتجار والأدباء والفنانين والعلماء ... ستجد دائما "دراونه" ...
 
وحتى لا تذهبن بكم الظنون مذاهب .. أنا كاتب هذه السطور، رمضان أحمد امحمد عبد الكافي جربوع اليعقوبي، بناغزي "امقطّر" وأسرتي تقطن المدينة بدون انقطاع منذ أن كانت تعرف بمرسى سيدي غازي ...
 
وأرشدني الله وإياكم ويسر لنا الهداية في سبيلنا
 
رمضان جربوع
ramadanjarbou@yahoo.com

 


مقالات سابقة:

  رمضان أحمد جربوع: أفصح لكم عـن حبي

  زعماء العرب.. أخالكم متوجسين وجلين
  روبرت وورث: الجزيرة لم تعد تغمز في السعودية (ترجمة)
  تقرير الشرطة الماليزية عن المساعي الليبية ومخاطر الشركات الوهمية! (ترجمة)
  داني شيكتر: هل يجري تحويل "الجزيرة" إلى فوكس نيوز أخرى"؟ (ترجمة)

 

 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 

حمزة الفاخري: ثمة مثل يقول كاد المريب ان يقول خذوني.. وهو تعبيرك حول قدرة المفتي في الدفاع عن نفسه وحقيقة وليست مغازلة سياسية كما يقولون المفتي قادر على الدفاع وكيف لا وهو صاحب الانتاج الغزير الذي على الاقل ان لم يؤهله للقب الكاتب فلن يعجز عن وسمه بصفة القارئ الجيد والمتابع المواضب وهو امر يعلم اننا نفتقره اكثر من الكتاب ومسئلة الرشد في الخطاب لا تعني اللتزام في اساليب الخطاب وهذا لتضف الى معلوماتك فالقرار الرشيد هو القرار الصائب من بين عدة قرارات بحيث يكون مبني على معلومات صحيحة ودقيقة وبمعنى اخر تنعدم فيها درجه المخاطرة اما الرشد والذي قد يستخدم كمرادف للعقل ايضاً لا يعني التزام اي نوع من الحوار. ان الحوار الاخلاقي هو الحوار الملتزم وفق ما يرتضيه المجتمع من ادبيات الحديث ام مسئلة تقييم لبعض فهي مرحلة يسبقها القياس وميتلوها التقويم وهي عكس ما يحدث في الساحة الادبية محلياً على اقل تقدير وحتى هذه اللحظة اعتقد بأن الشخص الذي تكفل بالدفاع عن الاستاذ والدكتور المفتي لا يمتلك من اساليب الدفاع سوى الرغبة الصادقة لصديقه (ئؤم روحه -على حد تعبيرك) وبعض التعصب الذي اعترفت به وحتى هذه جانبك الصواب فيها نظراً لان التعصب لا يكون الا للقبيلة او للدين كما يرى ابن خلدون. وما يحدث معك يعرف بالجهوية وهي لا تقل عن السابقات من حيث اخطارها الاجتماعية. اما من ناحية ان الكاتب لم يكن عنصرياً فحقيقة لم تخطر على بال اي احد مما قرؤ الكاتب والانتقاد الوحيد لموضوع الكتاب كان حول الاضافة الادبية للادب اما كونه ذكريات وخواطر ونوادر فكان اعتباره سيرة شبه شخصية فالناقد الادبي يعرف في اوربا والتي يعرفها الدكتور المفتي كثيراً من باب علميته يطلق عليهم في اوربا تسمية حراس الجحيم اي مكان الا خيرات المتعددة بحيث ان الكتاب يقدم وفق فرع من فروع المعرفة التي حددها جون ديوي في تصنيفه للمعارف العشرة والعشرة تنقسم الى عشرة وهكذا والتي لاتقع ضمن هذا التقسيم لا يمكن ادخالها للمكتبة او دار النشر خصوصاً تلك الكتب التي لها علاقة بتاريخ البلاد .. اما قولك بان المفتي على كل حال بنغازي امقطر الى حد الثمالة ' فلا احد يشكك في ذلك وبالنسبة لي احترم دوره العلمي ولكن تعليقي والذي ارجوا من حظرتك ان تتقبله فهو ان كلمة (مقطر) عندما تلحق بالثمالة فهى الية صنع الخمر وان كنت اعرف قصدك لكن الرغبة في الدفاع وحدها لاتكفي وكان عليك ان تتصل بالكاتب وتنقل له افكارك وتنال انت شرف الدفاع. اما موضوع التندر فهو امر لا استطيع التعليق عليه ولا احد اخر على اعتبار ان الذين كانو مع تشرشل كانوا اصدقائه وفي المقابل ان الدكتور تحدث عن اصدقائه ولقد تقبل الناس هذه الفكرة من النيهوم عندما كان يمازح اصدقائه. هنا وصلنا الى نقطة الخلاف والتي انت من قالها وبوصفك مدافع قلت 'وهي بعد حين تعتبر مصدرا من مصادر تاريخ الأقاليم وتمثل شهادة حية في منطقة ما.. وهنا يكون من حق كل الناس ابداء ارائهم حول الكتاب في حالة الموافقة او العكس وترفق مع الكتاب في طبعة جديدة كي يتسنى للغرباء التعرف على كافة الاراء اما العمل الكامل الذي تطلبه فالكامل نسبي على الارض ولذلك كان عليك عدم تعجيز القارئ وتطلب عمل نموذجي اي خاضع للمعايير المعروفة. اما فيما يتعلق بالتعرض للكاتب بشكل خاص فان العالم كل العالم يحذر التطرق للكاتب كشخص لكن لا يعفي فكرية الكاتب اذ ان اي عمل كان رواية او قصة او قصيدة انما هي انعكاس لحالة الكاتب.. اما حول ما تقوله عن (الدراونة) على حد تعبيرك فنحن نزيد على ما قلت هم اهلنا وحاول ان تحصل على قول الشاعر حون ديوي حول لمن تقرع الاجراس واطلبها من الدكتور المفتي فانا لا اشك في حصيلة مكتبته (والهدرزة عربية لعلها مشتقة من الهدير بمعني استطالة الحديث والمسامرة) والهدرزة ليست عربية كما قلت او خففته بلعلها والمدافع لا يخضع للاحتمالات وكان عليك ان تسئل صديقك الذي يعرف انها امازيغية بمعنى يهدر اي يحكي مع فائق احترامي للدكتور المفتي ولك ايضاً ولو سئلت الدكتور عن المقال قبل نشره لكان افضل.


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com