26/04/2007

      


من الذاكرة: حرب يونيو/ حزيران 1967 (6)

 

بقلم: إبراهيم عبد العزيز صـهّـد

الحلقات:  [1]    [2]    [3]    [4]    [5]    [6]


 
نبهني أحد الإخوة إلى خطأ ورد في الحلقة الخامسة من هذه السلسلة حين أشرت إلى الجنرال موشي ديان على أنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي. الصحيح أن موشي ديان كان وزيرا للدفاع في حكومة الوحدة الوطنية (حكومة الحرب) التي أعاد رئيس الوزراء ليفي أشكول تشكيلها قبيل حرب يونيو، وقد تم تكليف موشي ديان بوزارة الدفاع قبيل الحرب بأيام معدودة، أما رئيس الأركان آنذاك فقد كان الجنرال إسحاق رابين. ولهذا وجب التنويه والاعتذار فالذاكرة قد تخون صاحبها أحيانا.
___________________________________
 
كان خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر بمثابة نهاية للأوهام التي زرعتها البيانات الحربية الكاذبة التي بثتها الإذاعات المنطلقة من القاهرة، ورددتها الإذاعات العربية. وكان الخطاب في الواقع يدق المسمار الأخير في نعش الآمال المترقبة في حدوث شيء يغير من الوضع المتردي على ساحات القتال.
 
بانتهاء عبد الناصر من خطابه، خرج الإسرائيليون إلى الشوارع يرقصون ويحتفلون حتى الصباح، فيما كان العالم العربي كله ينتحب من هول الصدمة ومرارة الهزيمة، وكانت القوات الإسرائيلية تبسط سيطرتها على كامل سيناء، وعلى الضفة الشرقية من قناة السويس، وعلى الضفة الغربية من نهر الأردن وعلى قطاع غزة، وكانت طلائع القوات الإسرائيلية تجتاح مواقع القوات السورية في الجولان.
 
قيل بأن خطاب الرئيس جمال عبد الناصر استغرق من الصحافي المشهور الأستاذ محمد حسنين هيكل أكثر من نسع ساعات كاملة لإعداده ولانتقاء العبارات المناسبة. الأستاذ هيكل غني عن التعريف في قدراته الفائقة على تطويع الكلمات وتحميلها ما لا تحتمل، بل وعلى إعطائها مضامين خارجة عن مدلولها الاصطلاحي أو اللغوي. وهكذا جاء هذا الخطاب بمصطلح "النكسة" في وصف إحدى أكبر الهزائم في التاريخ البشري، كما جاءت عبارات الخطاب المنتقاة لتمهد للتحرك العارم الذي كانت قيادات الاتحاد الاشتراكي في مصر قد بدأت في الإعداد له لامتصاص النقمة الشعبية على الهزيمة وعلى مسببيها والمسؤولين عنها، ومن ثم لتثبيت حكم الرئيس عبد الناصر. كانت العبارات التي صاغها هيكل وقرأها عبد الناصر تقود إلى التقليل من حجم الهزيمة، وإلى التهوين من آثارها، بل وإلى القول بإمكان التغلب على هذه الآثار في وقت قصير، وحمل الخطاب بحثا عن مبررات ومعاذير فجاءت عبارة "أن العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب؛ الأمر الذي يقطع بأن هناك تسهيلات تفوق مقدرته، وتتعدى المدى المحسوب لقوته، قد أعطيت له"... هذه العبارة النارية والتي كانت تعطي إيحاءات واضحة كان لها آثارها وتداعياتها وتأويلاتها السيئة في الأوساط الليبية التي كانت جاهزة لتلقف أي شيء يصدر من أجهزة الدعاية الناصرية، فما بالك من عبد الناصر نفسه ، خاصة وأن عبد الناصر حرص على الإشادة بعدد من الحكومات والشعوب العربية بالاسم ولم يكن من بينها ليبيا، فجاء في خطابه:
 
"ولقد كانت هناك جهود رائعة وشريفة؛ لقد أعطى الشعب الجزائري وقائده الكبير هواري بومدين بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة، وأعطى شعب العراق وقائده المخلص عبد الرحمن عارف بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة، وقاتل الجيش السوري قتالاً بطولياً معززاً بقوى الشعب السوري العظيم وبقيادة حكومته الوطنية، واتخذت شعوب وحكومات السودان والكويت واليمن ولبنان وتونس والمغرب مواقف مشرفة”. هذه العبارة، وما سبقها من إشادة بموقف الملك حسين والجيش الأردني، لم تستثن من الدول العربية المستقلة آنذاك سوى ليبيا والسعودية. وفي واقع الأمر فإن ما قامت به ليبيا (سواء الملك أو الحكومة أو الشعب) من إجراءات وتدابير ومظاهرات في تعبير قوي على تأييد المجهود الحربي يل والاستعداد الفعلي للدخول طرفا في هذا المجهود، يفوق بكثير ما قامت به دول مثل تونس والمغرب وغيرها من الدول التي استحقت إشادة عبد الناصر. وفي الواقع فيمكن بسهولة إدراك الدوافع التي دعت عبد الناصر أن يتجاهل ما قامت به ليبيا، فهي تنحصر في ثلاثة أمور:
 
الأول: أن ذلك يتوافق مع سياسات عبد الناصر تجاه العهد الملكي والرامية إلى تقويضه، لم ينس عبد الناصر هذه السياسة حتى في موقف الاعتراف بالهزيمة أمام إسرائيل.
 
الثاني: إن أي إشادة من عبد الناصر بليبيا لن يتفق مع ما ورد في خطابه من إيحاءات بتدخل فعلي في القتال مصدره القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية في ليبيا... "أن العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب". هذا الإيحاء في ذلك الوقت كان أهم من قول الحقيقة، ومن إعطاء ليبيا حقها، أو على الأقل مجاملتها أسوة ببقية الدول التي ذكرها.
 
الثالث: إدراك عبد الناصر بأن الحكومة الليبية –التي اتسم موقفها بالضعف- لن ترد بقوة على هذه المزاعم، وإن ردت فمن يصدقها ؟
 
أما أكثر العبارات التي صب فيها هيكل كل حرفيته ودهائه فهي تلك التي تتعلق بتحمل المسؤولية عن الهزيمة، فقد جاءت العبارة مثقلة بالفخاخ اللفظية مما فرغها من مضمونها، ولم تقدم أي مضمون سوى أن عبد الناصر على استعداد لتحمل المسؤولية، لا إعلانا فعليا لتحمل المسؤولية، كما لم تخل هذه الفقرة من الإيحاء بأن سبب الفشل والهزيمة يعود إلى عوامل قد يكون عبد الناصر قد "بنى عليها موقفه في الأزمة"، ثم يرهن قرار التنحي بمساعدة الشعب له على هذا القرار، في تمهيد واضح لما كان يجري الإعداد له من مظاهرات "عفوية" للمطالبة بعودة الرئيس عن "قراره"..
 
طبعا هذه القراءة لخطاب الرئيس عبد الناصر لم يكن في الإمكان إجراؤها حينذاك، فقد كانت المشاعر تضطرم في النفوس، وكانت العاطفة غالبة، ولم يكن في الإمكان اجتثاث نتاج عمل دؤوب لنظام سياسي امتلك أجهزة دعائية طاغية أخضع فيها العالم العربي لسنوات من الدعاية المركزة، فكان كل ما يقوله عبد الناصر يحدث تأثيرا في الشارع العربي، ولم يكن في الإمكان التصديق بأن عبد الناصر قد قاد الأمة إلى هذه الكارثة. وكما كان عبد الناصر يبحث عن مشاجب يعلق عليها الهزيمة، كانت الأوساط الشعبية كلها تستجيب للإيحاءات المختلفة حول تلك المشاجب التي تركها خطاب عبد الناصر في النفوس.لا أظن أن أحدا توقف يومها ليتساءل عن مزاعم عبد الناصر حول مشاركة طائرات يريطانية وأمريكية في القتال الفعلي عندما قال في خطابه: "ومع ذلك فالثابت الآن أن حاملات طائرات أمريكية وبريطانية كانت بقرب شواطئ العدو تساعد مجهوده الحربي. كما أن طائرات بريطانية أغارت في وضح النهار على بعض المواقع في الجبهة السورية وفي الجبهة المصرية، إلى جانب قيام عدد من الطائرات الأمريكية بعمليات الاستطلاع فوق بعض مواقعنا". ما بقوله عبد الناصر كان يؤخذ على أنه مسلمة من المسلمات، ولم يكن يُخضع إلى المساءلة والتدقيق أو حتى إلى المنطق.
 
في بهو الضباط بمدرسة المخابرة، اجتمعنا –عدد من الضباط- نستمع إلى خطاب عبد الناصر في وجوم، ولم يتمالك بعض الضباط نفوسهم فأجهشوا بالبكاء. كانت نظراتنا لبعض خالية من أية تعبيرات. كانت مرارة الهزيمة تعتصرنا، وكان حجم الكارثة يتراءى لنا كعسكريين على حقيقته، فالعدو قد حقق النصر ببعديه: احتلال الأرض والسيطرة عليها، وتحطيم القوات العربية التي واجهته. ليس هناك نصر أكبر من أن تستولي على الأرض وتحطم قوة عدوك. كان من الصعب على النفس تصديق انهيار جبهات عربية ثلاث في خلال ستة أيام أمام إسرائيل، وأن إسرائيل قد تمكنت من السيطرة على أراضي تفوق مساحاتها بأضعاف.
 
في تلك اللحظات لم نكن نستطيع أن نجزم أن خطاب التنحي كان مناورة سياسية ، كما لم نستطع أن نجزم بأن عبد الناصر كان يكذب في حديثه عن التدخل الحربي الأمريكي والبريطاني، بل إن بعض الضباط صدقوها –في حينها- وعلقوا بإبداء استيائهم ونقدهم للحكومة الليبية.
 
وبديهي أننا لم نكن نعرف آنذاك أن إجراءات كان يتم اتخاذها وتنفيذها في نفس الوقت الذي كان عبد الناصر يلقي خطابه، بل حتى في وقت يسبق إذاعة الخطاب. كانت قوى الاتحاد الاشتراكي كلها قد تجيشت للقيام بالمظاهرات "العفوية" التي سوف تطالب بعودة عبد الناصر عن قرار التنحي، وكانت معركة كسر العظم بين عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر تأخذ أشكالا متعددة وبشعة، بما في ذلك إجراءات كانت تتم لإحكام سيطرة العناصر المؤيدة لعبد الناصر على القوات المسلحة وقوات الأمن والإذاعة، بما في ذلك تركيز السيطرة على لواء الحرس الجمهوري في يد عبد الناصر ورجاله، بل إن ترتيبات اتخذت لمنع المشير عامر من الدخول إلى الإذاعة والحيلولة دون تمكنه من إذاعة أي بيان. كما كان إيراد اسم زكريا محي الدين في خطاب التنحي بمثابة ضرب عصفورين بحجر، حرق عبد الحكيم عامر وزكريا محي الدين في نفس الوقت باعتبارهما أقوى منافسين لعبد الناصر، وهما منافسان يخشى خطرهما في تلك الظروف بالذات.
 
وفيما كانت إجراءات تثبيت حكم الرئيس تسير على قدم وساق، كانت ساحات المعركة تشهد الفصول الأخيرة لكارثة مروعة .... عشرات الألوف من الجنود المصريين يهيمون على وجوههم في سيناء يستسلمون لعدوهم، والقوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة قد انهت احتلال سيناء بكاملها، وأحكمت سيطرتها على القدس، وتعمل على استكمال سيطرتها الكاملة على الضفة الغربية للأردن، فيما كانت مواقع القوات السورية بالجولان تسقط موقعا بعد آخر في أيدي القوات الإسرائيلية. كان الطريق إلى القاهرة مفتوحا أمام القوات الإسرائيلية، ولم تكن القوات التي أمكن سحبها إلى الضفة الغربية لقناة السويس قادرة – لا من الناحية العددية أو التعبوية- على منع القوات الإسرائيلية من شق طريقها إلى القاهرة، في نفس الوقت الذي كان الصراع يدور في القاهرة حول السيطرة على وحدات الحرس الجمهوري لتأمين وتثبيت حكم الرئيس عبد الناصر.
 
هكذا أسدل الستار على معارك حرب يونيو باعتراف بالهزيمة بأسلوب ملتو لا يختلف كثيرا عن الأساليب التي مارسنها أجهزة الإعلام الناصرية من خداع وكذب ومناورات طيلة الفترة التي سبقت حرب يونيو، وهي الأساليب التي عبدت الطريق أمام الإسرائيليين ليحققوا اكتساح ثلاث جبهات، وليحتلوا مساحات تعادل أضعاف الأراضي التي تتكون منها إسرائيل في ظرف ستة أيام.
 
مرت علينا تلك الأمسية مثقلة بالمشاعر الحزينة الغاضبة، لم نعرف طعما للنوم. كان بعضنا بقلب مؤشرات المذباع على مختلف المحطات، وكان خبر توجه الرئيس هواري بومدين إلى موسكو يضيع في زحمة الأخبار التي كانت تردد فقرات من خطاب عبد الناصر، والأخرى التي تبرز حجم الهزيمة، أما الإذاعات المصرية فكانت تذيع أناشيد وطنية .. خاصة نشيدي: مصر التي في خاطري وفي دمي، ونشيد بلادي .. بلادي ... لك حبي وفؤادي.
 
مع أول خيوط الفجر واجهنا أول التداعيات لخطاب عبد الناصر، وهو توافد أعداد كبيرة من المتطوعين إلى مقر مدرسة المشاة مطالبين بتأمين عودنهم من حيث أتوا. لم تفلح محاولات بعض الضباط إقناعهم بالتريث والبقاء حتى يمكنهم من تلقي التدريبات ثم يعودوا، ومع مرور الساعات تزايدت أعداد المطالبين بالعودة. أذكر أنه خلال الأيام التالية انشغل الضباط المكلفين بشؤون المتطوعين بأمرين: اتخاذ الترتيبات بتيسير عودة أولئك الذين أصروا على مغادرة المعسكر، واستكمال الترتيبات في مدرستي "العويلية وبطة" لاستيعاب المتبقين. وفي نهاية الأمر عادت الغالبية العظمى، ولم يتبق إلا عدد قليل تم استيعابهم في مدرسة "بطة" وكلف عدد من الضباط وضباط الصف من مدرسة المشاة بمهام التدريب، وكان على رأسهم الرائد المكي أبو زيد الشطيطي، والملازم أول محمد عبد الله الأرناؤوطي وآخرون لم أعد أذكرهم، بينما تم تكليف مدرسة المخابرة بتأمين اتصالات لاسلكية مع بين مدرسة "بطة" وحامية المرج. وقد استمر التدريب في مدرسة "بطة" إلى أن أكمل المتطوعون التدريب على أسلحة فصيل المشاة، وأقيم حفل لتخرجهم ومنحوا شهادات لتلقيهم تلك الدورة.
 
غداة خطاب التنحي، كان ملاحظا أن اتصالات حثيثة كانت تجري بين بعض ضباط حامية المرج، خاصة الذين يعرف عنهم الانتماءات القومية والناصرية، خاصة الضباط الذين كنا نعرف بعلاقاتهم بتنظيمات سرية. وقد اتسمت هذه الاتصالات بشيء من العلنية ولكن مضامينها كان سري، لكنها على أية حال كانت واضحة للعيان ومثيرة للريبة في نفس الوقت.
 
كانت أخبار المظاهرات العارمة في مصر تذاع بصورة حية من إذاعات القاهرة وصوت العرب، وكانت النداءات تبث مطالبة بعودة الرئيس جمال عبد الناصر. وقتها كنا ندرك أن هذه المظاهرات ليست عفوية، وإنما هي جزء لا يتجزأ من مسرحية التنحي. هكذا راهن عبد الناصر أن في إمكان كوادر الاتحاد الاشتراكي وبقية أجهزة الدولة أن تقوم بتسيير هذه المظاهرات العارمة بما يمكنه من العودة الظافرة. كان خطاب التنحي يحمل سمات هذا الرهان. وهكذا كانت المفارقة المحزنة غير المسبوقة: جمال عبد الناصر المهزوم عسكرياً، والذي قاد الأمة إلى هذه الهزيمة المأساوية يحتفظ بالسلطة ويعود إلى سدة الحكم مرفوعاً على أعناق الجماهير ويصبح في إمكانه تصفية خصومه ومنافسيه، بل يكون الوحيد الذي يعفى من أن يلام عن الهزيمة، ثم تصبح الهزيمة محرقة لعدد من أركان حكمه، وسوطا تجلد به دول عربية لم يكلف عبد الناصر نفسه باستشارتها في يوم من الأيام. وكانت ليبيا على رأس هذه الدول.
 
وللحديث بقية إن شاء الله
 

الهوامش:
 
1- ترى كم من الوقت صرفه الأستاذ هيكل في كتابة مقاله "بصراحة" الذي نشر يوم الجمعة التي سبقت الحرب، وهو المقال الذي كشف فيه عن الخيارات الاستراتيجية للقيادة المصرية، هل حظي انتقاء الكلمات بنفس العناية أم أن السبق الصحفي كان أهم من اعتبارات الأمن القومي العربي؟، بل كم من الوقت استغرق إعداد الفقرات النارية التي كان هيكل يعدها والتي كان الرئيس عبد الناصر يطعم بها خطبه التي اتصفت بالإسفاف في تطويع كل شيء لخدمة توجهات "الرئيس الملهم" ولخدمة زعامته دون أي توقف أمام أية اعتبارات أخرى، وهي العبارات التي كان لها دور كبير في تكوين بؤر من التوتر في المحيط العربي حالت دون نشوء خطط وسياسات عربية مشتركة.
 
2- جاء في الخطاب " ولا نستطيع أن نخفى على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكنى واثق أننا جميعاً نستطيع - وفى مدة قصيرة - أن نجتاز موقفنا الصعب، وإن كنا نحتاج في ذلك إلى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الأدبية، ومقدرة العمل المتفانية". المدة القصيرة التي أشار إليها عبد الناصر ما زالت مستمرة منذ اليوم التاسع من يونيو 67 حتى يومنا هذا، أي ما يقترب من 40 سنة.

 

3- ومع ذلك فهذا العذر هو أقبح من الذنب، وقد ثبت لاحقا عدم صحة هذا الزعم.

 

4- بعض هذه الحكومات والشعوب لم تفعل ما فعلته الحكومة الليبية والشعب الليبي، وهو ما سنشير إلبه في الحلقة القادمة،

 

5- سبق ترديد مثل هذه التهم أثناء حرب السويس ، بالرغم من أن ليبيا قد منعت بريطانيا من استخدام فرقتها المدرعة التي كانت تتمركز في ليبيا، كما حرمتها من استخدام قاعدتها الجوية في العدم، مما حرم بريطانيا من فرصة حسم المعركة بسرعة.. في وقت لاحق اعترف عبد الناصر في إحدى خطبه بموقف ليبيا وموقف الملك إدريس بوجه خاص، وفي حرب يونيو تكرر نفس الاتهام من خلال إذاعة صوت العرب وكذلك في خطاب التنحي. بالرغم من ثبوت العكس في الحالتين، وبالرغم من اعتراف عبد الناصر المذكور، إلا أن السيد محمد حسنين هيكل استمر في ترديد هذه الاتهامات في كتاباته المختلفة، وأصر على هذه النهمة في معرض رده على سؤال أحد الصحفيين.

 

6- هذه هي العبارة كما وردت في الخطاب " نصل الآن إلى نقطة هامة في هذه المكاشفة بسؤال أنفسنا: هل معنى ذلك أننا لا نتحمل مسئولية في تبعات هذه النكسة؟ وأقول لكم بصدق - وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي في الأزمة - فأنني على استعداد لتحمل المسئولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كآي مواطن آخر".

 

7- هذه مجرد فرية، فلم يثبت على الإطلاق إغارة طائرات بريطانية على المواقع السورية والمصرية، بل لم يثبت أن إسرائيل قد تلقت اثناء المعارك دعما حربيا مباشرا لا من أمريكا ولا من بريطانيا ولا من غيرهما.

 

8- من الطريف في هذا الخصوص ما أورده السيد الغضبان في تعقيبه على مذكرات أحمد سعيد، فقال بأن أحمد سعيد أراد الاستمرار في إذاعة الأناشيد الني تتضمن اسم عبد الناصر خلافا لقرار اتخذنه الإذاعة بالاقتصار في تلك الساعات على أناشيد ليس فيها اسم عبد الناصر، فقال عندما "سألت الزميل أحمد عن سبب طلبه أناشيد عبد الناصر.. فأطلق الزميل أحمد ضحكته الشهيرة وهو يقول المسألة كلها بلف (bluff) والراجل راجع راجع إحنا بقي يا أبو السيد هنذيع نداءات نرفض فيها التنحي ونطالب بضرورة عودة الرئيس.. وطبعا الرئيس هيرجع هيرجع ويبقي إحنا ساهمنا في عودته" (وشر البلية ما يضحك)

 

9- جاء في مذكرات سامي شرف: "بعد انتهاء الرئيس جمال عبد الناصر من إلقاء خطاب التنحي اتصل بي المشير عبد الحكيم عامر في مكتبي وقال لي: يا سامي حابعث لك بيان للإذاعة باستقالتي وكمان شمس بدران، وطلب مني تبليغ ذلك للرئيس، وكلمت الرئيس وأبلغته بهذه الرسالة، وفي نفس الوقت اتصلت بمحمد فائق وزير الإعلام وطلبت منه التزام اليقظة توقعا لإرسال المشير عامر أو شمس بدران بيانا أو يذهبا بنفسيهما أو أحدهما لإذاعة بيان استقالتهما وقلت له إن تعليمات الرئيس تقضي بعدم السماح لأي شخص أيا كان بإذاعة بيانات لا بالتأييد ولا الاستقالة إلا بعد الاتصال بي شخصيا ورجوته ألا يترك مكتبه ويمنع دخول أي أشخاص لمبنى الإذاعة والتليفزيون وبالطبع فقد أثارت هذه التعليمات مشكلات كثيرة وكبيرة بين محمد فائق وبين العديد من المسؤولين وغيرهم". من هذا يتضح أن المشير عامر كان ممنوعا من إذاعة حتى بيان استقالة أسوة بتنحي عبد الناصر، وتعني أن عبد الناصر يواصل سيطرته المطلقة على الأمو برغم تنحيه عن السلطة. هذا يؤكد أن التنحي كان مناورة، وفي هذا الإطار يأتي منع المشير عامر من إذاعة استقالته حتى لا يكون في إمكانه الاستفادة من مناورة عبد الناصر، وحتى يبدو الأمر بعدئذ بمثابة عزل وإقالة له.

 

10- تكليف زكريا محي الدين يعني بوضوح تجاوز النائب الأول المشير عامر بما يعنيه ذلك من دلالات بالنسبة للشعب المصري والقوات المسلحة وكذلك للمراقبين. يلاحظ أنه بانتهاء خطاب عبد الناصر لم يعد لزكريا محي الدين أي دور على الإطلاق، بل لم يعد يسمع عنه شيء على الإطلاق إلى حين وفاة الرئيس عبد الناصر. أما عبد الحكيم عامر فقد برزت معلومات مؤخرا على أنه كان قد اتفق مع عبد الناصر على أن يذاع خبر تنحيهما سويا الأمر الذي لم يتقيد به عبد الناصر، وهذا ما يفسر طلب عبد الحكيم عامر أن يذيع بيانا باستقالته ورفض عبد الناصر "المتنحي" ذلك الطلب، ثم تدرج الأمر في العلاقة بين الرجلين خلال الفترة اللاحقة إلى أن توفي المشير مسموما (مقتولا أو منتحرا).
 

 
ملحق خطاب الرئيس جمال عبد الناصر
بتاريخ: 9 سبتمبر 1967
أيها الإخوة:
لقد تعودنا معاً فى أوقات النصر وفى أوقات المحنة.. فى الساعات الحلوة وفى الساعات المرة؛ أن نجلس معاً، وأن نتحدث بقلوب مفتوحة، وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائماً أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ومهما كان الضوء خافتاً.
 
ولا نستطيع أن نخفى على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكنى واثق أننا جميعاً نستطيع - وفى مدة قصيرة - أن نجتاز موقفنا الصعب، وإن كنا نحتاج في ذلك إلى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الأدبية، ومقدرة العمل المتفانية. لكننا - أيها الإخوة - نحتاج قبل ذلك إلى نظرة على ما وقع؛ لكي نتتبع التطورات وخط سيرها في وصولها إلى ما وصلت إليه.
 
إننا نعرف جميعاً كيف بدأت الأزمة في الشرق الأوسط في النصف الأول من مايو الماضي. كانت هناك خطة من العدو لغزو سوريا، وكانت تصريحات ساسته وقادته العسكريين كلها تقول بذلك صراحة، وكانت الأدلة متوافرة على وجود التدبير.
 
كانت مصادر إخواننا السوريين قاطعة في ذلك، وكانت معلوماتنا الوثيقة تؤكده، بل وقام أصدقاؤنا في الاتحاد السوفيتي بإخطار الوفد البرلماني الذي كان يزور موسكو في مطلع الشهر الماضي؛ بأن هناك قصداً مبيتاً ضد سوريا.
 
ولقد وجدنا واجباً علينا ألا نقبل ذلك ساكتين، وفضلاً عن أن ذلك واجب الأخوة العربية، فهو أيضاً واجب الأمن الوطني؛ فإن البادئ بسوريا سوف يثنى بمصر.
 
ولقد تحركت قواتنا المسلحة إلى حدودنا بكفاءة شهد بها العدو قبل الصديق، وتداعت من أثر ذلك خطوات عديدة؛ منها انسحاب قوات الطوارئ الدولية، ثم عودة قواتنا إلى مواقع شرم الشيخ المتحكمة في مضايق تيران، والتي كان العدو الإسرائيلي يستعملها كأثر من آثار العدوان الثلاثي الذي وقع علينا سنة ١٩٥٦. ولقد كان مرور علم العدو أمام قواتنا أمراً لا يحتمل، فضلاً عن دواعي أخرى تتصل بأعز أماني الأمة العربية.
 
ولقد كانت الحسابات الدقيقة لقوة العدو تظهر أمامنا أن قواتنا المسلحة، بما بلغته من مستوى في المعدات وفى التدريب؛ قادرة على رده وعلى ردعه، وكنا ندرك أن احتمال الصراع بالقوة المسلحة قائم، وقبلنا بالمخاطرة.
 
وكانت أمامنا عوامل عديدة؛ وطنية وعربية ودولية، بينها رسالة من الرئيس الأمريكي "ليندون جونسون" سلمت إلى سفيرنا فى واشنطن يوم٢٦ مايو تطلب إلينا ضبط النفس، وألا نكون البادئين بإطلاق النار، وإلا فإننا سوف نواجه نتائج خطيرة.
 
وفى نفس الليلة فإن السفير السوفيتي طلب مقابلتي بصفة عاجلة فى الساعة الثالثة والنصف من بعد منتصف الليل، وأبلغني بطلب ملح من الحكومة السوفيتية ألا نكون البادئين بإطلاق النار.
 
وفى صباح يوم الاثنين الماضي الخامس من يونيو جاءت ضربة العدو. وإذا كنا نقول الآن بأنها جاءت بأكثر مما توقعناه؛ فلابد أن نقول في نفس الوقت وبثقة أكيدة إنها جاءت بأكبر مما يملكه، مما أوضح منذ اللحظة الأولى أن هناك قوى أخرى وراء العدو، جاءت لتصفى حساباتها مع حركة القومية العربية. ولقد كانت هناك مفاجآت تلفت النظر:
 
أولها: أن العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب؛ الأمر الذي يقطع بأن هناك تسهيلات تفوق مقدرته، وتتعدى المدى المحسوب لقوته، قد أعطيت له.
 
وثانياً: فإن العدو غطى فى وقت واحد جميع المطارات العسكرية والمدنية في الجمهورية العربية المتحدة، ومعنى ذلك أنه كان يعتمد على قوة أخرى غير قوته العادية، لحماية أجوائه من أى رد فعل من جانبنا؛ كما أنه كان يترك بقية الجبهات العربية لمعاونات أخرى استطاع أن يحصل عليها.
 
وثالثاً: فإن الدلائل واضحة على وجود تواطؤ استعماري معه؛ يحاول أن يستفيد من عبرة التواطؤ المكشوف السابق سنة ١٩٥٦، فيغطى نفسه هذه المرة بلؤم وخبث، ومع ذلك فالثابت الآن أن حاملات طائرات أمريكية وبريطانية كانت بقرب شواطئ العدو تساعد مجهوده الحربي. كما أن طائرات بريطانية أغارت في وضح النهار على بعض المواقع في الجبهة السورية وفي الجبهة المصرية، إلى جانب قيام عدد من الطائرات الأمريكية بعمليات الاستطلاع فوق بعض مواقعنا.
 
ولقد كانت النتيجة المحققة لذلك أن قواتنا البرية التي كانت تحارب أكثر المعارك عنفاً وبسالة في الصحراء المكشوفة؛ وجدت نفسها في الموقف الصعب؛ لأن الغطاء الجوى فوقها لم يكن كافياً إزاء تفوق حاسم في القوى الجوية المعادية، بحيث أنه يمكن القول - بغير أن يكون في ذلك أي أثر للانفعال أو المبالغة - إن العدو كان يعمل بقوة جوية تزيد ثلاث مرات عن قوته العادية.
 
ولقد كان هذا هو ما واجهته أيضاً قوات الجيش العربي الأردني التي قاتلت معركة باسلة بقيادة الملك حسين، الذي أقول - للحق وللأمانة - إنه اتخذ موقفاً ممتازاً، وأعترف بأن قلبي كان ينزف دماً وأنا أتابع معارك جيشه العربي الباسل في القدس وغيرها من مواقع الضفة الغربية، في ليلة حشد فيها العدو وقواه المتآمرة ما لا يقل عن ٤٠٠  طائرة للعمل فوق الجبهة الأردنية.
 
ولقد كانت هناك جهود رائعة وشريفة؛ لقد أعطى الشعب الجزائري وقائده الكبير هواري بومدين بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة، وأعطى شعب العراق وقائده المخلص عبد الرحمن عارف بغير تحفظات وبغير حساب للمعركة، وقاتل الجيش السوري قتالاً بطولياً معززاً بقوى الشعب السوري العظيم وبقيادة حكومته الوطنية، واتخذت شعوب وحكومات السودان والكويت واليمن ولبنان وتونس والمغرب مواقف مشرفة، ووقفت شعوب الأمة العربية جميعاً بغير استثناء على طول امتداد الوطن العربي موقف الرجولة والعزة، موقف التصميم، موقف الإصرار على أن الحق العربي لن يضيع ولن يهون، وأن الحرب دفاعاً عنه ممتدة مهما كانت التضحيات والنكسات على طريق النصر الحتمي الأكيد.
 
وكانت هناك أمم عظيمة خارج العالم العربي قدمت لنا ما لا يمكن تقديره من تأييدها المعنوي. لكن المؤامرة - ولابد أن نقول ذلك بشجاعة الرجال - كانت أكبر وأعتى، ولقد كان تركيز العدو الأساسي على الجبهة المصرية؛ التي دفع إليها بكل قوته الرئيسية من المدرعات والمشاة؛ معززة بتفوق جوى رسمت لكم من قبل صورة لأبعاده، ولم تكن طبيعة الصحراء تسمح بدفاع كامل؛ خصوصاً مع التفوق المعادى في الجو. ولقد أدركت أن تطور المعركة المسلحة قد لا يكون مواتياً لنا، وحاولت مع غيري أن نستخدم كل مصادر القوة العربية، ولقد دخل البترول العربي ليؤدى دوره، ودخلت قناة السويس لتؤدى دورها، ومازال هناك دور كبير مطلوب من العمل العربي العام، وكلى ثقة في أنه سوف يستطيع أداءه.
 
ولقد اضطرت قواتنا المسلحة في سيناء إلى إخلاء خط الدفاع الأول، وحاربت معارك رهيبة بالدبابات والطائرات على خط الدفاع الثاني.
 
ثم استجبنا لقرار وقف إطلاق النار، أمام تأكيدات وردت في مشروع القرار السوفيتي الأخير المقدم إلى مجلس الأمن، وأمام تصريحات فرنسية، بأن أحداً لا يستطيع تحقيق أي توسع إقليمي على أساس العدوان الأخير، وأمام رأى عام دولي - خصوصاً في آسيا وإفريقيا - يرى موقفنا، ويشعر ببشاعة قوى السيطرة العالمية التي انقضت علينا.
 
وأمامنا الآن عدة مهام عاجلة:
 
المهمة الأولى: أن نزيل آثار هذا العدوان علينا، وأن نقف مع الأمة العربية موقف الصلابة والصمود. وبرغم النكسة فإن الأمة العربية بكل طاقاتها وإمكانياتها قادرة على أن تصر على إزالة آثار العدوان.
 
والمهمة الثانية: أن ندرك درس النكسة، وهناك فى هذا الصدد ثلاث حقائق حيوية:
 
١- إن القضاء على الاستعمار في العالم العربي يترك إسرائيل بقواها الذاتية، ومهما كانت الظروف ومهما طال المدى، فإن القوى الذاتية العربية أكبر وأقدر على الفعل.
 
٢- إن إعادة توجيه المصالح العربية في خدمة الحق العربي ضمان أولى، فإن الأسطول الأمريكي السادس كان يتحرك ببترول عربي، وهناك قواعد عربية وضعت قسراً - وبرغم إرادة الشعوب - في خدمة العدوان.
 
٣- إن الأمر الآن يقتضى كلمة موحدة تسمع من الأمة العربية كلها، وذلك ضمان لا بديل له في هذه الظروف.
 
نصل الآن إلى نقطة هامة في هذه المكاشفة بسؤال أنفسنا: هل معنى ذلك أننا لا نتحمل مسئولية فى تبعات هذه النكسة؟ وأقول لكم بصدق - وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي في الأزمة - فإنني على استعداد لتحمل المسئولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر.
 
إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر.
 
والقوى المعادية لحركة القومية العربية تحاول تصويرها دائماً بأنها إمبراطورية لعبد الناصر، وليس ذلك صحيحاً؛ لأن أمل الوحدة العربية بدأ قبل جمال عبد الناصر، وسوف يبقى بعد جمال عبد الناصر.
 
ولقد كنت أقول لكم دائماً: إن الأمة هي الباقية، وأن أي فرد مهما كان دوره، ومهما بلغ إسهامه في قضايا وطنه، هو أداة لإرادة شعبية، وليس هو صانع هذه الإرادة الشعبية.
 
وتطبيقاً لنص المادة١١٠ من الدستور المؤقت الصادر في شهر مارس سنة ١٩٦٤ فلقد كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيى الدين بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية، وأن يعمل بالنصوص الدستورية المقررة لذلك، وبعد هذا القرار فإنني أضع كل ما عندي تحت طلبه، وفى خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا.
 
إنني بذلك لا أصفى الثورة، ولكن الثورة ليست حكراً على جيل واحد من الثوار، وإنى لأعتز بإسهام هذا الجيل من الثوار. لقد حقق جلاء الاستعمار البريطاني، وحقق استقلال مصر، وحدد شخصيتها العربية، وحارب سياسة مناطق النفوذ في العالم العربي، وقاد الثورة الاجتماعية، وأحدث تحولاً عميقاً في الواقع المصري أكد تحقيق سيطرة الشعب على موارد ثروته وعلى ناتج العمل الوطني، واسترد قناة السويس، ووضع أسس الانطلاق الصناعي في مصر، وبنى السد العالي ليفرش الخضرة الخصبة على الصحراء المجدبة، ومد شبكات الكهرباء المحركة فوق وادي النيل الشمالي كله، وفجر موارد البترول بعد انتظار طويل. وأهم من ذلك وضع على قيادة العمل السياسي تحالف قوى الشعب العاملة؛ الذي هو المصدر الدائم لقيادات متجددة تحمل أعلام النضال الوطني والقومي مرحلة بعد مرحلة، وتبنى الاشتراكية، وتحقق وتنتصر.
 
إن ثقتي غير محدودة بهذا التحالف القائد للعمل الوطني؛ الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية. إن وحدته وتماسكه، والتفاعل الخلاق داخل إطار هذه الوحدة قادر على أن يصنع بالعمل؛ وبالعمل الجاد، وبالعمل الشاق - كما قلت أكثر من مرة - معجزات ضخمة في هذا البلد؛ ليكون قوة لنفسه، ولأمته العربية، ولحركة الثورة الوطنية، وللسلام العالمي القائم على العدل.
إن التضحيات التي بذلها شعبنا، وروحه المتوقدة خلال فترة الأزمة، والبطولات المجيدة التي كتبها الضباط والجنود من قواتنا المسلحة بدمائهم؛ سوف تبقى شعلة ضوء لا تنطفئ في تاريخنا، وإلهاماً عظيماً للمستقبل وآماله الكبار. لقد كان الشعب رائعاً كعادته، أصيلاً كطبيعته، مؤمناً صادقاً مخلصاً.
 
وكان أفراد قواتنا المسلحة نموذجاً مشرفاً للإنسان العربي في كل زمان ومكان؛ لقد دافعوا عن حبات الرمال في الصحراء إلى آخر قطرة من دمهم، وكانوا في الجو - وبرغم التفوق المعادى - أساطير للبذل وللفداء وللإقدام، والاندفاع الشريف إلى أداء الواجب أنبل ما يكون أداؤه.
 
إن هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأية أنانيات أو مشاعر فردية.
 
إن قلبي كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معي، وليكن الله معنا جميعاً؛ أملاً في قلوبنا وضياءً وهدى.
 
والسلام عليكم ورحمة الله.

 


أرشيف الكاتب


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com