الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

الحلقات:         5   6   7   8    10   11   12   13

 

 

هدرزة في السّياسَة والتاريخ (12)   

الملك.. العقيد.. المعارضة الليبيّة في الخارج

 

بقلم/ الصادق شكري

 

الجزء الأوَّل (12 مِن 13)

 

 الحلقة الثانية عشر

 

بكلّ أسف وألم... تُصور مذكرات بعض رؤساء حكومات العهد الملكي ومقالات بعض الكُتّاب الليبيّين الملك إدريس السنوسي على أنّه لم يكن متابعاً لما يجري داخل الوطن وما يدور في العالم الخارجي، وتصوره على أنّه كان عاكفاً في بيته وواقعاً تحت تأثير عائلة الشلحي وكأنه لم يكن يملك من أمره شيئاً !!!. ورأينا في كتابات البعض من رفض وصف الملك إدريس السنوسي بالمجاهد في الوقت الذي وصفَ فيه من كانوا تحت أمرته بالمجاهدين !!!. ورأينا بعضاً من رؤساء الحكومات ينسبون لأنفسهم الكثير من إنجازاتِ ونجاحاتِ الحقبة الملكيّة لدرجة تصويرهم لمسألة التفكير وسعة الأفق وبعد النظر كمسألة خصتهم هم وحدهم ولم تشمل غيرهم في تلك الحقبة لأنّ غيرهم – وكما يزعمون – لم يتمتعوا بما تمتعوا هم به من تأهيل ومعرفة وحكنة وذكاء !!!. ورأينا في مذكرات وكتابات البعض اهتماماً مبالغاً فيه بشخصيات لم تكن لها إسهامات ذات قيمة في حين حجب الضوء – سهواً أو قصداً – عن شخصيات هامّة كانت لها مواقف وإسهامات غايّة في الأهميّة سواء في مرحلة ما قبل الاستقلال أو بعده !!!. ورأينا رؤساء حكومات قالوا أنّهم وضعوا البرامج وأشرفوا على التخطيط وشيدوا المشاريع وصنعوا الإنجازات الضخمة، وصوروا زياراتهم التشاروية للملك إدريس السنوسي – وبشكل غير مباشر – بأنّها جاءت من باب العرف والمجاملة وأخذ البركة من مولاي الملك على حد تعبير أحدهم وكأن الملك لم يكن يحسن قراءة الواقع المحلي والمشهد السياسي الدولي أو أنّهم – وحسب زعمهم تلميحاً – أعمق من الملك فكراً وأبعد منه نظراً !!!.

 

وهذا ما يحزن القلب ويحز في النفس لأنّ الملك إدريس السنوسي تفوق بحنكته وذكائه وبعد نظره على من سبقوه وعلى من عاصروه أو بكلمة واحدة: "هو رجل سبق عصره".. ولأنّه هو الذي أتى برؤساء الحكومات إلى رأس السلطة، وهم لم يأتوا به ليتربع على العرش، فقد اعتلى العرش بعد ثلاث بيعات شعبية محفوظة مكتوبة كانت آخرها قبل إعلان الإستقلال في 2/12/1950م.. ولأنُه هو من قاد المجاهدين من داخل ليبيا ومن منفاه في مصر..ولأنّه هو من قاد التفاوض مع العدو وهو من لمّ شمل أبناء الوطن تحت رأية واحدة... ولأنه أحسن قراءة المشهد السياسي الدولي فراهن على الحلفاء فكسب الرهان وحقق الإستقلال ووحدة الوطن وبناء الدولة الليبيّة.

 

وبحق وكما قال المؤرخ المرموق الأستاذ/ مصطفى عبدالله بعيو (رئيس الجامعة الليبيّة ووزيراً للتعليم في العهد الملكي)....{.. الملك إدريس السنوسي بعيد النظر عميق الفكر، قوي الإيمان بالله، ورع تقي، وسياسي بارع ذو حنكة ودهاء يعرف مجريات السياسة الدولية معرفة جيدة. كان عليم بقدرات الليبيين وظروفهم في ذلك الوقت فتعامل مع متغيرات قضيّة الوطن وتدافع الأحداث ببراعة واقتدار فحقق الإستقلال ووحدة الوطن ودولة ليبيا الحديثة..}م91.

 

أنّني أدرك تمام الإدراك بأنّ القلم يعجز عن رصد تاريخ الملك محَمّد إدريس السنوسي النضالي الوطني وتعداد سجاياه وخصاله وما قدمه لليبيا وطناً وشعباً. وأؤكد على أنّ الكُتّاب والباحثين الجادين لابُدّ أنّ يقفوا طويلاً أمام سيرة الملك إدريس السنوسي ومسيرته كلما أمعنوا النظر في خصاله وسجاياه، وأعادوا قراءة تاريخه وما تحقق لليبيا في فترة حكمه.

 

فقد تمكن الملك محَمّد إدريس السنوسي من أنتزعِ استقلال ليبيا من بين مخالب المستعمرين وأسس دولة من ألا شيء أو كما قال د/ محَمّد يوسف المقريف..(.. أسس دولة من كيان كان أشبه بالحطام (42) حيث لم يكن أحد يراهن على بقائه واستمراره لشده فقره وإنعدام كافة مقومات الحياة فيه..).

 

وأؤكد على أنّ الليبيّين سيفتخرون جمعياً في يومِ من الأيامِ بملك تقي ورع حكمهم من خلال دستور عصري ديمقراطي وصفَ حين إصداره من قبل عدد من رجال القانون والسياسة:.."..بأنّه دستورُ فوق مستوى أيّ قطر عربي..".

 

وسيتأكد كلّ باحث جاد من كلّ ذلك، أمّا من يحاول أثبات عكس  ذلك ستذهب محاولته أدراج الرياح، ولو بعد حين. لأنّ التاريخ لا يصادر أو كما قال الأستاذ/ المبروك عبدالله:..{.. لأنّ إرهاصات مصادرة التاريخ وتحريفه فهي قاصرة للغايّة أنّ تمحي هذا الإرث. ولا تستطيع إنحيارات خصومه بقسوتها أنّ تشطب دور هذا السيد الشامخ (الملك ) الذي صنع دولة الإستقلال...}م92.

 

ومع مرور الزمن سوف يُخطى كل من كتب عن الملك بشيء من الأستهزاء أو صوره في صورة لا تليق بمقامه ولا بمكانته، كذلك،..(.. سيتلاشى إعتزاز البعض المتأصل بالكراهية له..)، كما قال الأستاذ/ المبروك عبدالله أيضاً.

 

وبكلّ تأكيد.. لن يجد أيّ كاتب أو باحث مشروعيّة لملازم أقسم اليمين بالحفاظ على الدستور ثمّ أنقلب عليه. ولن يجد أيّ إنسان على وجه الأرض بعد ممات معمر القذافي أيّ تاريخ بطولي له أو أيّ مجد تحقق  في عهده أو أيّ قول أو فعل إيجابي يمحوا به – ولو نقطة واحدة – من سجله قاتم السواد. فشتان بين ملك حكيم تقي ورع تحققت في عهده مفاخر عظيمة وإنجازات كبيرة.. وحاكم خبيث معجون بماء الشيطان لم تتحقق في عهده إلاّ الكوارث وإهدار الأنفس والثمرات.

 

ذكرت الملك والعقيد الكارثة من باب الاستدلال لا المقارنة لأنّ المقارنة بين ملك عادل وإنقلابي حاقد ظالمة بكلّ القياسات والمقاييس. أو كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش.. (.. إنّ المقارنة بين المرحوم إدريس والملازم معمر القذافي الذي رقىّ نفسه إلى رتبة عقيد، لتبدو أكثر ظلماً عندما نصف حال ليبيا قبل الإنقلاب وننظر فيما جرى عليه بعده. لقد ألغى الإنقلاب الدستور الذي كان قابلا للإنتقاد، وألغى جميع القوانين على إعتبار أنّها من سمات التخلف، وهدم أجهزة الإدارة حتى تفكك الإقتصاد وإختنق التعليم، وإنهارت الخدمات العامّة، ليس هذا فقط بل إنّ السلطة قد عودت الليبيّين على مشاهدة عروض الإعدام العلنيّة وسماع أخبار الإغتيالات، وأذاقتهم طعم حكم اللجان الشعبيّة، وأجهزة الأمن كما جعلتهم يألفون حفلات حرق الكتب وإعدام سجلات الشهر العقاري..).

 

وهذا ما جعلني أقول مؤكداً استدلال لا مقارنة فالمقارنة بين الملك المرحوم محَمّد إدريس السنوسي  ومعمر بومنيار القذافي لا تجوز ولا يمكن لها أنّ تكون أو كما قال الأستاذ/ عبدالحميد البكوش:.." هي مقارنة ظالمة بكلّ المقاييس".    

 

إذن: نعم، وبالفم المليان.. يُشرفني أنّ أكون فخوراً بهذا السيد الجليل الصالح.. وأكون معارضاً لهذا الظالم الرعديد المتسلط ولنّظام خيمته العشائري المتخلف.   

 

ونعم.. أنا أحب هذا الملك التقي الكريم، بل، أشعر بالحزن والخوف من المستقبل كلما أبخسه الناس حقه أو زيفوا تاريخه أو حَاولوا شطب دور من صنع لهم دولة الإستقلال.

 

وتالله إنّ لم ننصف هذا الرجل الصادق المؤمن المخلص، ونمعن النظر في معدنه الأصيل وسيرته العطرة، ونعطيه حقه كاملاً من الوفاء والتكريم، لن يكون مستقبلنا مشرقاً كما نحلم أنّ يكون . وكيف يكون مشرقاً حينما يغيب ويُغَيّبُ الوفاء !؟. وصدقوني.. الوفاء للمخلصين لا يفسد من الموضوعيّة شيئاً.    

              

محطتان.. سجايا وخصال الملك محمّد إدريس السنوسي  

المحطة الأولى :  

 

كان الملك إدريس السنوسي لا يختار من يفوضهم للقيام ببعض المهام والأعمال على أساس الولاء الشخصي له كما يفعل معظم رؤساء وملوك العرب إنّما يختار صاحب الكفاءة والخبرة والذي يعتقد بـأنّ وجوده في موقع المسئوليّة يعود بالنفع والخير على المواطن والوطن. ويروى أنّ الطليان أرسلوا إلى سيدي إدريس السنوسي في عام 1922م مبعوثاً يسألونه التفاوض. وكانت عادة سيدي إدريس السنوسي لا يفاوض هو بنفسه إنّما يفوض شخصاً أو أكثر ينوبون عنه في عمليات التفاوض. وكان يختار دائماً الشخص صاحب العلاقة بالموضوع والمشهود له بالصلابة والحكمة والاتزان. يقول د/ فرج نجم..{.. روى ليّ بعض الأعيان الوجهاء (أكثر من مصدر) إنّه في حكومة إجدابيا عام 1922م أرسل الطليان للسيد إدريس السنوسي لكونه رئيساً لحكومة إجدابيا وأميراً لبرقة يسألونه التفاوض. طلب السيد إدريس السنوسي من أحد أعوانه أنّ يأتيه بالشيخ سليمان رقرق لأجل استشارته في موضوع ما. وصل الشيخ سليمان رقرق إلى دار الأمير فوجده واقفاً مبتسماً في انتظاره. أدخل الأمير الشيخ إلى الدار ثمّ أجلسه في غرفة الضيوف، وكان حولهما كانون النار حيث جلسة الشاهي الليبيّة المعتادة التي كان يعدها الأمير بنفسه. ثمّ تجاذبا أطراف الحديث، فأخبر الأمير الشيخ بأنّ الطليان بعثوا إليه يطلبون التفاوض. وأخبره بأنّه يفكر في أنّ يبعث لهم بـ (شيخ الوطّن) أيّ شخص من منطقة إجدابيا حيث أنّ الأرض أرضهم. ثمّ سأله عن رأيه في فلان ؟. فردّ الشيخ سليمان رقرق على سيدي إدريس قائلاً: إذا أردت أنّ تبعث لهم بفلان يجب أنّ تبعث معه عقله. ففلان معروف بشجاعته وصلابته إلاّ أنّه متسرع تنقصه الحكمة، فإذا أردت أنّ تبعثه فابعث معه فلان المعروف بالتقوى والتعقل والرزانة.

 

فردّ سيدي إدريس السنوسي قائلاً: إذن نبعث بالسيد الفلاني ؟. وهنا تريث الشيخ سليمان رقرق ثمّ قال: فلان عيل سمح ( شاب وسيم)، وركاب خيل (فارس )، وما يحبه حد كيف أنت وأمه. 

 

فردّ سيدي إدريس السنوسي فقال إذن ما رأيك في الشيخ عبد السلام الكزة ؟. والشيخ العمدة عبد السلام الكزة عُرف عنه الشجاعة والحكمة وقوة انتماءه للأرض كذلك ضراوته في قتال الطليان. قال الشيخ سليمان رقرق: أمّا عبد السلام الكزة على برقة يبيعكم حتى أنتم يا السنوسيّة.

 

وقف سيدي إدريس السنوسي أمام ما قاله الشيخ سليمان رقرق، وفسر قول الشيخ على أنّ ولاء الكزة للوطن هو الولاء الذي لا يعلو عنه ولاء سوى الولاء لله سبحانه وتعالى. وبعد أنّ توقف سيدي إدريس للحظات ردّ على الشيخ قائلاً: الشيخ الكزة هو الأنسب والأفضل ليقود الجانب الليبي في عمليّة التفاوض. وبالفعل، أرسل سيدي إدريس السنوسي الشيخ عبد السلام الكزة لمفاوضة الطليان. واستمر الكزة قرابة 12 يوماً وهو يفاوضهم إلاّ أنّه لم يصل إلى نتيجة إيجابيّة معهم حيث رأى أنّ الطليان لا يسعون لشيء عدا شراء بعضاً من الوقت. ولذا وقف الكزة موقفاُ صلباً وُصفَ بالموقف ( المتشدد المتعنت ) من قبل أحد الضباط الطليان الذين فاوضوه، وجاء هذا الوصف في كتاب نشر باللغة الإيطاليّة...}م93 .  

 

وفي جانب ثاني..كان الملك إدريس السنوسي وفياً مع رفاقه، ومع أبناء الشهداء حتى قبل أنّ يصبح ملكاً وتصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة. ولعلّ ما رواه السيد/ محَمّد عمر المختار للأستاذ/ خالد المهير يدلل بشكل ما على ما نريد قوله في هذا الصدد !. ففي حوار المهير مع السيد/ محَمّد عمر المختار، قال الأخير..{..لما أعدموا والدي (سيدى عمر) في عام 1931م، كنا في مصر. وبقيت أنا (محمّد عمر المختار ) وأسرتي في الأراضي المصريّة من 1928م إلى أواخر 1943م حيث رجعنا في ذلك العام إلى ليبيا. أدخلني سيدي إدريس في مدرسة داخليّة بمدينة الإسكندرية، ومعي ولد سيدي صالح العوامي، وولد سيدي عبدالقادر محفوظ الورفلي، وواحد أسمه عبدالقادر بازامة. أدخل سيدى إدريس كلّ أولاد الشهداء الموجودين في مصر إلى المدارس الداخليّة بمصر...} م94.

 

كذلك.. لم تنقطع صلة الملك إدريس السنوسي بعد إعلان استقلال ليبيا بالمجاهدين الذين ساهموا معه في تحقيق حدث الاستقلال السعيد، بل، توطدت علاقته بهم وبأسرهم وبأبناء الشهداء، وعينَ الكثير منهم في مواقع متقدمة في دولة الإستقلال الوليدة. وقصد الملك من وراء تعيينه لهؤلاء أولاً: إشراك الوطنيين المخلصين في عمليات تأسيس وبناء الدولة الليبيّة، وثانياً: تأمين الإنجاز الذي تحقق والمحافظة عليه، وثالثاً: ترسيخ قيمة الوفاء بين أبناء الشعب الليبي.

 

أمر الملك ببناء ضريح ذو طراز جميل للشيخ عمر المختار وسط مدينة بنغازي، وأطلق على الشيخ لقب "شيخ الشهداء". وأصبح ضريح عمر المختار (43) منذ عام 1959 م مزاراً  لكبار زوار ليبيا، وأصبح بمثابة المنبه الدائم لذاكرة الليبيّين والمذكر لهم بتضحيات الأجداد وميراثهم العظيم. قال ابن الشيخ السيد/ محَمّد عمر المختار بخصوص الضريح..{.. أمر سيدي إدريس ببناء ضريح لعمر المختار، في بنغازي (اللي أزالوه ) وكلّف معنا وزير العدل وعبد الحميد الديباني، طلعنا رفات عمر المختار، واحضروا سيارة مكشوفة وكان هذا في سنة 1959م، ووضعنا عليه العلم، وبيتوه في مجلس النواب ببنغازي، وثاني يوم نظموا موكب كبير، وزراء، ونواب، وشيوخ، والمجلس التشريعي، والوالي، والحكومة الإتحادية والولايات، حضروا نقلة عمر المختار، من مجلس النواب، ثاني يوم في المساء، ووضعوه في الضريح، وصار التأبين من رئيس مجلس الوزراء السيد/ عبدالمجيد كعبار (مايو 1957م – أكتوبر 1060م).

 

في الثمانينات عند الساعة 12 في الليل، فتحوا القبر، ثاني يوم حضر إلينا إبراهيم بكار، وكنا مجتمعين في بيتي، والقذافي قال ما ننقل الرفات حتى يحضر ولد عمر المختار، في الأوّل رفضنا، ثمّ حضر إبراهيم بكار مرة أخرى ثانية، ذهبت معهم، وجدت حافظ الأسد، وياسر عرفات، وواحد من لبنان، وواحد من اليمن، وشخص من القوات المسلحة قال لي (كنك عطلت العقيد، قلت له مش شغلك تريح أنت) كنت زعلان ومتأثر لنقل الرفات، واللي أثرتنا أكثر هدم الضريح، الليبيين كلهم تأثروا، خاصّة سكان بنغازي، هنا كان الزوار يضعون الورد على الضريح، ويكتبون في سجل التشريفات، لكن الآن لا يذهبون إلى سلوق – تهديم الضريح أثر فينا واجد – في مصر وايطاليا يسألوني على نقل الرفات، أنقول لهم عمر المختار خرجت روحه في سلوق، هذا الرد عليهم، كلّ شيء بأمر الله، التاريخ ( قاعد ما يرحم حد، يسجل لك وعليك، وتاريخ عمر المختار معروف)...}م95.

 

ومن جديد، وبكلّ تأكيد.. لم يهدف الملك من وراء تعيينه لهؤلاء في تلك المواقع والمناصب تأمين حمايته الشخصيّة أو حمايّة عرشه إنّما قصدَ تكريم المناضلين الوطنيين وإشراكهم في صنع مستقبل ليبيا الذي بذلوا من أجله كلّ ما أستأمنه الله عندهم، وتكريم الشهداء عبر إشراك أبنائهم في عمليات التأسيس والبناء. وقصدَ كذلك جعل مسئوليّة الحفاظ على الاستقلال والكيان الوليد للدولة الليبيّة أمانة في عنق هؤلاء الرجال لأنّهم سيقدرون المسئوليّة التي ألقاها على عاتقهم أكثر من غيرهم نظراً لما قدموه وبذلوه في سبيل قضيّة بلادهم، وللعهد الذي قطعوه معه ومع رفاقهم الذين سقطوا شهداء في ميدان معركة التحرير والاستقلال. 

 

ومن بين تلك التعيينات على سبيل المثال لا الحصر تعيينه للباشا عمر الكيخيا رئيساً لمجلس الشيوخ ثمّ للشيخ/ عبدالحميد العبار لنفس المنصب.. وتعيينه للسيد/ أحمد سيف النصر والياً لولاية فزان (1951م إلى 1954م)، ومن بعده السيد/ عمر سيف النصر (1954م إلى 1962م)، ومن بعده السيد/ غيث عبدالمجيد سيف النصر ( 1962م إلى 1963م تاريخ إلغاء نظام الولايات أيّ إلغاء النظام الاتحادي وإقامة النظام الوحدوي).

 

والسيد/ أحمد سيف النصر من المجاهدين الكبار الذين قدموا لليبيا كل ما أستأمنه الله عندهم. فقد لعب دوراً مميزاً في الانتصار الذي تحقق في صحراء سرت على الطليان – معركة القرضابيّة 29 أبريل 1915م. ووقفَ مع الأمير إدريس السنوسي بكلّ قوة وصدق وأمانة، وصمد أمام كلّ الضغوط والإغراءات، بل، التهديدات!. {.. فحينما أرسلت الأمم المتحدة بعثة برئاسة السيد (دريان بلت) إلى ليبيا للإطلاع على رغبة شعبها وآرائهم في مستقبل بلدهم، مارست فرنسا ضغوطاً على السيد/ أحمد سيف النصر لكي يبلغ البعثة برغبة فزان في الاستقلال عن ليبيا وتعهدت بأنّ تقيم له إمارة خاصة به في كامل منطقة فزان، ولكن، السيد/ أحمد سيف النصر رفض ذلك وصمد أمام كلّ الضغوط والإغراءات، بل، التهديدات، وفي مقابلته مع السيد (دريان بلت) قال قولته الشهيرة التي ذهبت مثلاً: " لو إن ليّ عرقاً لا يخلص لليبيا وللأمير السنوسي لبترته". وبعدما أصبح الأمير ملكاً، وحصلت ليبيا على استقلالها أصدر الملك مرسوماً ملكياً بتعيين السيد/ أحمد سيف النصر والياً لولايّة فزان، وظل يشغل هذا المنصب إلى أنّ انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة 1954م..}م96 .

 

وتعيينه للسيد/ نوري الصديق إسماعيل والسيد/ السنوسي الإطيوش (كانوا جنود في جيش التحرير/ الجيش السنوسي) في مناصب عليا في الجيش الليبي. وتعيينه للدكتور/  علي نور الدين عثمان العنيزي والأستاذ/ عبد الرازق شقلوف في مناصب وزراية رفيعة تكريماًَ لهما، واعترافاً بفضلهما، وتقديراً للجهود الجبارة التي بذلاها خلال مرحلة كفاح ليبيا السياسي والدبلوماسي خصوصاً الجهد الذي بذلاها من أجل انتزاع قرار الاستقلال. فقد بذل كلاهما جهداً غير عادياً في اجتماعات الجمعيّة العامّة لهيئة الأمم المتحدة  في عام 1949م لأجل استصدار قراراً من هيئة الأمم المتحدة ينص على استقلال ليبيا، ويُفشل مقترح "بيفن سفروزا" الخاصّ بإرجاع ليبيا تحت حكم الانتداب الاستعماري. وتمكن الدكتور/ علي نور الدين عثمان العنيزي ورفيقه الأستاذ/ عبد الرازق شقلوف من الحصول على قرار الاستقلال في أصعب الظروف وأحلكها حيث أقنعا "السيد/ سان لو" سفير دولة هايتي بمخالفة تعليمات بلاده والتصويت ضد اقتراح "بيفن سفروزا "، ومع القرار القاضي باستقلال ليبيا. وفاز قرار الاستقلال بفرق صوت واحد، وهو صوت " السيد/ سان لو". وثمن الملك إدريس السنوسي بعد ذلك جهد الدكتور/ علي العنيزي والأستاذ/ عبد الرازق شقلوف عالياً، وعاملهما معاملة تليق بمقاميهما الكريمين، وأصدر قراراً بتعيين " السيد/ سان لو" مستشاراً للسفارة الليبيّة في أمريكا بعدما فصلته هايتي من منصبه لأنّه صوت لصالح قرار استقلال ليبيا وخالف تعليماتها.      

 

وتعيينه للسيد/ عبدالمجيد كعبار وزيراً ثمّ رئيساً للوزراء. ولعائلة كعبار تاريخُ وطني حافل، كذلك، للسيد/ عبدالمجيد، فقد كان أحد القيادات الحزبيّة قبل الإستقلال "حزب الاستقلال" بطرابلس، وعضواً بالجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة التي كلّفت بإعداد الدستور. وتعيينه للسيد/ محمود المنتصر كأول رئيس وزراء لدولة الإستقلال، فعائلة المنتصر ساهمت في صنع دولة الإستقلال، وقبل ذلك، هي التي استقبلت الإمام الأكبر السيد/ محَمّد بن علي السنوسي عند مجيئه إلى طرابلس، وساندته في نشر رسالته في إقليم ليبيا الغربي.

 

وتعيينه للسيد/ علي الجربي في مناصب سياسيّة ودبلوماسيّة رفيعة المستوى. والسيد/ علي الجربي كان قد لعب دوراً دبلوماسياً مميزاً في فترة الكفاح السياسي من أجل استقلال ليبيا حيث كان ممثلاً لليبيا في مجلس الأمم المتحدة لليبيا في فترة عرض قضيّة استقلال ليبيا على هيئة الأمم، وكان المجلس يضم سفراء عن بريطانيا والولايات المتحدة ومصر وفرنسا.        

وتعيينه للدكتور/ فتحي الكيخيا – شخصيّة وطنيّة بارزة وهو ابن عمر باشا أحد أهم الشخصيات الوطنيّة الليبيّة – كأول رئيس لحكومة برقة ثم نائباً لأوّل حكومة اتحادية ووزيراً للعدل ثمّ سفيراً لليبيا في الولايات المتحدة الأمريكيّة. وتعيينه لابن المجاهد عبدالنبي بلخير (السيد/ يونس بلخير)، و (السيد/ أحمد سوف المحمودي) سليل عائلة المحمودي (44)  التي ينتمي إليه البطل الشهير غومة المحمودي، وابن المجاهد عون محمّد سوف المحمودي، في مناصب وزارية بدولة الاستقلال الوليدة.

 

وتعيينه لابن المجاهد أحمد المريّض ( السيد/ سالم المريّض) في مناصب رسميّة في الدولة الليبيّة، وللسيد/ سالم المختار (ابن أخ شيخ الشهداء عمر المختار ) في مجلس الشيوخ. وظل السيد/ سالم المختار عضواً في مجلس الشيوخ إلى تاريخ وفاته في حادث أليم ( حادث سيارة )، وذلك في عام 1968م. 

 

والأسماء التي أوردتها أعلى الصفحة ذكرتها بقصد التأكيد على بعض صفات الملك وسجاياه ( الوفاء والإخلاص ) لا بقصد الرصد والحصر لأنّ قائمة الأسماء أطول بكثير من القائمة التي ذكرت.               

كان الملك إدريس السنوسي رحمه الله مخلصاً مع رفاقه.. وفياً مع من وقفوا معه من أجل تحرير ليبيا وإستقلالها.. مسانداً لكلّ صاحب حق ورأي وقضية. وأكتشف هذه الصفات والسمات في شخص الملك – ومنذ وقت مبكر جداً – كلّ من عرفه أو رافقه أو كان قريباً منه في يومِ من الأيام. ولعل في قصة مغادرته لليبيا في نوفمبر 1922م متوجهاً إلى مصر عن طريق جالو والجغبوب، والتي صاحبه فيه كل من السادة: محَمّد التواتي.. محَمّد الفزاني.. إبراهيم الشلحي.. عبدالرحمن عزام، خير دليل على جزء مما نقول!. {.. فعند وصول الأمير إدريس السنوسي ورفاقه إلى نقطة الحدود المصرية بسيوة في 20/ يناير/ 1923م اصطدموا برفض مسئول السلطات المصريّة بسيوة السماح لعبدالرحمن عزام بدخول وطنه مصر بسبب تعاونه مع الأتراك أثناء الحرب العالميّة الأولى، فرفض الأمير إدريس دخول مصر من دون رفيقه عزام، فما كان من مسئول السلطات المصريّة إلاّ أنّ رفع الأمر إلى السلطات العليا التي أرسلت موافقتها مصحوبة بسيارات نقلت الأمير ورفاقه إلى مرسى مطروح ومنها إلى منطقة الحمام (الساحل الشمالي المصري) فركبوا من هناك المقصورة الملكيّة بالقطار إلى الإسكندريّةِ ثمّ إلى القاهرةِ حيث استقبل الملك فؤاد الأمير إدريس السنوسي بترحاب بالغ وأسر له بأنّه مرحبُّ به للإقامةِ بمصر ما شاء له...} م97

 

كذلك.. لم ينس الأمير إدريس السنوسي بعدما أصبح ملكاً لليبيا أيّ إنسان وقف مع قضية شعبه في مرحلة كفاحه من أجل التحرر والإستقلال. دعا الملك إدريس السنوسي المجاهد الفلسطيني محَمّد على الطاهر لحضور انعقاد أوّل برلمان ليبي سنة 1952م. والطاهر تعرف على السنوسي في فترة إقامة الأخير بمصر، وقد وقف الطاهر مناصراً للقضيّة الليبيّة ومدافعاً عن قضايا العرب والمسلمين في كلّ مكان، وكانت جريدته الشورى التي تصدر من القاهرة صوتاً مدوياً صادراً عن ضمير الشعوب العربيّة المعذبة. {.. وظل محَمّد على الطاهر بعيداً عن المناصب والمنافع، بل ظل مضطهداً مرغماً على الصمت بعد أنّ كانت جريدته الشورى صوتاً داوياً صادراً عن ضمير الشعوب العربيّة المعذبة. وكانت هذه الالتفاتة السنوسيّة أعظم ترضية سياسيّة لهذا المجاهد الكبير الذي لم يذكره زملاؤه في الجهاد يوم أشرقت عليهم الدنيا بعد عبوس!.

 

وأمر الملك السنوسي بعد الاستقلال بتسمية شارع كبير باسم هايتي في ليبيا اعترافاً بالجميل!. فمن المعلوم أنّ قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا أخذ بأغلبية صوت واحد في الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة سنة 1949، وكان صوت جمهوريّة هايتي السوداء، ولذا، أمر الملك السنوسي بتسمية شارع كبير باسم هايتي في ليبيا اعترافاً بجميلها...}م98 .

 

وفي نفس السياق، أيضاً.. حينما أطلع السيد/ علي الجربي الملك إدريس السنوسي بوجود الأستاذ/ يوسف عيسى البندك ضمن وفد بعثة الأمم المتحدة، فما كان له إلاّ أنّ كلّف السيد/ الجربي بترتب لقاء يجمعه بالأستاذ/ يوسف البندك. ومرد حرص الملك على لقاء الأستاذ/ البندك يرجع في المقام الأول تقديراً لموقف والده المناصر للقضيّة الليبيّة.  ففي أوّل زيارة قام بها الأمير إدريس السنوسي لفلسطين في الحرب العالميّة الأخيرة، زار مدينة المهد حيث استقبله السيد/ عيسى البندك – والد الأستاذ يوسف – استقبالاً يليق بمقام المجاهدين.

 

وجاء في الخصوص على لسان الأستاذ/ يوسف البندك.. {.. وكان والدي يناصر السنوسي في جريدته (صوت الشعب) مناصرة لا تقف عند حد يوم كان يصارع القوات الإيطاليّة الباغيّة، وبعد أنّ هادنت إيطاليا بعض الحكومات العربيّة في ذلك الحين. والسنوسى رجل لا ينسى. وقابلته بعدما أطلعه السيد/ علي الجربي على وجودي في بعثة الأمم المتحدة. وكنت قد رأيته لأوّل مرة حينما زار فلسطين في فترة الحرب العالميّة الثانيّة، وكان أميراً وقتذاك. وفي أوّل مقابلة ليّ معه كان الملك إدريس السنوسي ودوداً عطوفاً لا يخلو من حنو الوالد على ولده. ولست أنسى أنّه يوم أنّ رزقت ولداً في ليبيا تلطف السنوسي بتهنئتي في رسالة بإمضائه الكريم. وكان من أثار هذا الود العطوف أنّ أبلغ معتمد الأمم المتحدة المقيم في ليبيا عن طريق رئيس الوزراء في ذلك الحين، السيد محمود المنتصر، رغبته الساميّة في أنّ يصطحبني المعتمد معه إذا شاء مقابلة الملك في أيّ شأن من شؤونه الرسميّة. وكان من أثار هذا الود العطوف أيضاً، أنّ تفضل الملك إدريس بالإعراب لمندوب الأمم المتحدة عن رغبته الساميّة في أنّ يصطحبني إلى الجمعيّة العامّة في باريس عند بحث موضوع الاستقلال الليبي. وقد حرصت أشد الحرص على أنّ أكون جديراً بهذه الثقة الغاليّة، وقد سبب ليّ هذا الحرص بعض الإزعاج وأثار على بعض النقمة، ولكن الحياة التي ليس معها عسر هي انسحاب من الحياة !.

 

ومن حق التاريخ كذلك أنّ أذكر هنا أنّ الملك إدريس السنوسي كان قد كتب إلى الملك طلال وهو على عرش الأردن، وقبل رحلته لأسبانيا في عام 1953م، راغباً إليه في تكليف والدي، الذي كان وزيراً للأردن في مدريد، بتمثيله في أسبانيا. وكان السبب في ذلك تقدير السنوسي للجهود التي كان يبذلها والدي في دعم الحركة الاستقلاليّة في شمال أفريقيا...}م99 .    

 

عينَ الملك إدريس السنوسي كذلك السيد/ سان لو مستشاراً للسفارة الليبيّة في أمريكا اعترافاً بفضله في قرار الاستقلال. وكرم السيد/ أدريان بلت، وسمى أحد أهم شوارع مدينة بنغازي باسمه، لأنّ مستر بلت قام بجهد كبير في مسألة تأسيس دولة ليبيا الحديثة، وأسهم مع مجموعة من خبراء هيئة الأمم المتحدة، وخبراء آخرين من خارج مؤسسة الهيئة – في دعم الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة (الليبيّة) ومساعدتها، بل، مشاركتها في إعداد الدستور الليبي الذي أنجز في أكتوبر 1951م. ولذا، كرمَ الملك مستر أدريان بلت، وأطلق اسمه على شارع من شوارع مدينة بنغازي اعترافاً بجمليه وفضله.

 

وفي جانب أخر.. استقبلَ الملك إدريس السنوسي السيد/ أحمد بن بلة مرات عديدة،بل، سانده بكلّ قوة وإخلاص في مرحلة حرب التحرير الجزائريّة إلاّ أنّ بن بلة تنكر لكلّ ذلك بعد فترة وجيزة من تحرير الجزائر، ووضع يده في يد القذافي بعد استيلاء الأخير على السلطة، واعتبر يوم الأوّل من سبتمبر عام 1969م (إنقلاب القذافي) هو يوم إستقلال ليبيا الحقيقي !. لم يكن بن بله على أية حال أوّل الذين تنكروا لفضل الملك إدريس ولا أخرهم، فقد وقف عبدالرحمن عزام موقفاً معادياً من السيد/ إدريس السنوسي في فترة إمارته لولايّة برقة وللحركة السنوسيّة وتعمد تجاهله بالرّغم من أنّه يعرف موقعه القيادي وزعامته التي لا يمكن تخطيها، وبعد ذلك، رفض الاعتراف بإستقلال ليبيا في رئاسته – أيّ عزام – لجامعة الدّول العربيّة رغم أنّ الأمير إدريس السنوسي وقف في عشرينات القرن المنصرم  في وجه السلطات المصريّة رافضاً الدخول إلى مصر من دون رفيقه المصري عبدالرحمن عزام، ولم يدخلها إلاّ بعد موافقة السلطات العليا المصريّة على دخول عزام معه. 

 

كذلك.. وقف الملك إدريس السنوسي مع الفارين من حركة الأخوان المسلمين المصريّة في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، بل، أوى بعضاً منهم في قصره لأنّه رأى بأنّ هؤلاء أصحاب رأي وقضية، وأنّ الذين اعتقلوا ولاحقتهم أجهزة المخابرات الناصريّة في الخمسينيات بأنّهم مظلمون وأنّ جمال عبدالناصر ظلمهم وتنكر لأفضالهم عليه. وبكلّ أسف لا تجد اليوم في كتب وإصدارات الأخوان شيئاً يتحدث عن تلك المرحلة التي سجل فيها الملك إدريس رحمة الله عليه موقفاً مشرفاً معهم في وقت أعطاهم الكثيرون ظهورهم !. أو كما قال د/ محمّد المقريف..(.. يبدو أنّ بعض قادة جماعة الأخوان في مصر، بمن فيهم أولئك الذين عاصروا تلك الواقعة، قد نسوا للملك إدريس تلك المكرمة وما أسداه لهم...).

 

أيضاً.. عُرف عن الملك الزهد والخوف من غضب الله وعقابه، فقد كان يكثر من الصلاة والصيام، ويكثر من الاستغفار والذكر والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لدرجة أنّ السبحة لا تكاد تفارق يده طوال ساعات الليل والنهار. وعُرف عنه أيضاً موقفه المتشدد من تولى عائلته مواقع النفوذ والسلطة حيث رفض أنّ يتولى أبناء العائلة السنوسيّة مناصب ومواقع لها علاقة بدوائر السلطة وصنع القرار.

 

الملك إدريس السنوسي الذي...{.. بدأ عهد مملكته بإلغاء لقب (صاحب الجلالة) وقال قولته ‏المشهورة: إنّ الجلالة لله عز وجل، وأصرّ على إصدار" قانون تنظيم الأسرة ‏المالكة " لا يعترف بوجود عائلة مالكة ولا وجود أمراء من الأسرة السنوسية، ‏وأطلق على زوجته وهي ابنة عمه " زوجة الملك " لا لقب الملكة، ورفض أنّ ‏يطلق اسمه على شارع واحد من شوارع مدن المملكة، وأزال صورته من أوراق ‏النقد بعد أنّ فوجئ بوضعها دون موافقته، على أوراق العملة في أوّل إصدار لها ‏بعد الاستقلال...}م100. ‏

 

فقد أصدر الملك في عام 1954م قراراً ينص على منع أفراد العائلة السنوسيّة من تولّي أيّ منصب حكومي رسميّ..  ورفض إطلاق صفة العائلة المالكة على أفراد العائلة السنوسيّة على غرار ما هو قائم في المملكة العربيّة السعوديّة وغيرها. ورفض بأنّ يلقب ب(صاحب الجلالة )، وقال:.. (.. إنّ الجلالة لله وحده وما أنا إلاّ عبد من عباده )، وهي سابقة لم تحدث في تاريخ المنطقة حيث يُعتبر الملك إدريس رحمه الله أوّل ملك عربي يرفض رسمياً أنّ يقترن أسمه بصاحب الجلالة. وكان يخاف من فتنة المال والسلطان، ولذا، رفض أنّ تعطى لأفراد عائلته أيّ امتيازات خاصّة، وحرص على إبعادهم بالكامل عن دوائر السلطة وصنع القرار (45). وفي لقاءات العائلة السنوسيّة الشهريّة التي كانت تعقد في أخر كل خميس من نهايّة كل شهر في فيلا مملوكة للملكة فاطمة الشفاء خصصها الملك لهذا الغرض. فقد قال الملك في أحدى تلك الاجتماعات لأعضاء عائلته، ما مفاده:..(.. الحمد لله الذي وفقنا في حمل رسالة جدنا الإمام محمّد بن علي السنوسي رحمه الله وجاهدنا الاستعمار وساهمنا في تثبيت راية الإسلام في هذه الأرض الطيبة وحققنا استقلالها ووحدتها الوطنيّة. والآن، أرى أنّ واجبنا انتهى، ولولا تمسك وإصرار مشايخ ليبيا وأعيانها بوجودي في الحكم لما بقيت في السلطة يوماً واحداً لأنّني أخاف أنّ ألقى وجه ربي مقصراً أو ظالماً لإنسان. قبلت بهذا المسئوليّة الثقيلة ليس حباً في الجاه والسلطان إنّما خوفاً من إنفراط وحدة ليبيا وإجهاض مشروع دولتها الوليدة. والله، أمانة هذا الموقع ثقيلة وأيّ تقصير أو سوء تقدير وحساب يوقع من هو على رأس السلطة في دوائر التفريط والظلم، وحساب هذا عسيراً عند العادل الواحد القهار. وعليه، خوفي عليكم لن يسمح ليّ أنّ أفسح لكم طريقاً محفوفاً بالإغراءات والمفاتن. وخوفي عليكم جعلني أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقدم لكم اقترحاً بالهجرة إلى السعوديّة، لأجنبكم التفكير في الجاه والسلطان!..). 

استئذان أحد أفراد العائلة، بعد أنّ استمع إلى اقتراح شيخه وملك البلاد، وطلب من الملك الحديث، فأُذنَ له بالحديث. فقال ذلك السنوسي ما معناه :..(.. يا مولاي استقلال ليبيا ووحدتها الوطنية هدف بذلنا من أجله كلّ ما استأمنه الله عندنا، وحلم انتظرناه طويلاً، فهل يقبل بعدما تحقق الهدف وأصبح الحلم حقيقة أنّ نترك ليبيا ونهاجر إلى السعوديّة !؟. معذرة يا مولاي: نحن باقون في ليبيا وهذا حقنا ورغبتنا، أمّا إبعادنا عن دوائر السلطة وصنع القرار فهو قرار نحترمه ونحن طوع أمركم وإرادتكم فأنت كبير العائلة وشيخها..).

 

هذه قصة حقيقية رواها لي أحد أفراد العائلة السنوسيّة، ولا أدعي نقل ما حدث بالحرف والنص إنّما نقلت مضمون ما روي ليّ بكلّ أمانة وصدق. وتؤكد الوقائع التاريخية صحة هذه الروايّة حيث أَنّ الملك أبعد أبناء العائلة السنوسيّة عن دوائر صنع القرار ومنعهم من تولي أيّ مناصب رسميّة بالدولة. ورفض إطلاق صفة العائلة المالكة على أفراد العائلة السنوسيّة، وعرض الاستقالة أكثر من مرة ففي المرة الأولى عرضها في عام 1955م على السيد/ مصطفى بن حليم ثمّ عرضها في عام 1962م على السيد/ محمّد بن عثمان الصيد، والثالثة عرضها على كبار مسؤلي الدولة حينما اجتمع بهم بمدينة طبرق في 19 مارس 1964م. ورفض أنّ يطلق أسمه على شارع واحد في المملكة، وأمر بصرامة أنّ  تزال صورته التي وضعت دون أخذ رأيه على أوراق العملة الليبيّة. وجاء بالخصوص على لسان الأستاذ/ فاضل المسعودي، التالي..{..لا ينبغي أنّ تفوتنا الإشارة هنا، إلى "تلك المذكرة الخطيرة" التي قدمها ( أحمد الصالحين الهوني (46) – وزير الإعلام في عهدين / عهد عبدالحميد البكوش وعهد ونيس القذافي ) فيما تعوّد أن يقدمه من مذكرات وتقارير، والتي يقترح فيها على الملك تغيير أسم المملكة الليبيّة، إلى أسم ( المملكة السنوسيّة) على غرار "المملكة السعوديّة".

 

وكان أحمد الصالحين الهوني يتوقع أنّ يلاقى إقتراحه هذا، الترحيب والرضى والقبول من الملك، ولكن الملك الزاهد الذي منع أنّ يقترن أسمه بصاحب الجلالة، ورفض أنّ يطلق أسمه على شارع واحد في المملكة، وأمر بصرامة أنّ  تزال صورته التي وضعت دون أخذ رأيه على أوراق العملة الليبية (47) وطوابع البريد في طبعتها الأولى والأخيرة، وهي سابقة لم تحدث في تاريخ المنطقة.. الملك خبير بإطروحات النفاق على مستوى البشر وبصورة خاصّة على مستوى "الليبيّين ".. الملك إدريس السنوسي، أزدرى بهذا الإقتراح وسخر منه ثمّ أمر – كما روى لي الراحل الكريم فضيلة الشيخ منصور المحجوب (رئيس المحكمة العليا ورئيس جامعة الإمام محمّد علي الإسلاميّة) – بإلقاء "الإقتراح المنافق " في سلة المهملات!، وهو يتحوقل ويستغيذ بالله من الشياطين والمنافقين..}م101

 

وربّما من المفيد أيضاً أنّ نضيف إلى ما قاله الأستاذ/ فاضل المسعودي، ما جاء في كتاب: من الأفق السنوسي للأستاذ/ يوسف عيسى البندك.. {.. غضب الملك إدريس السنوسي غضباً شديداً لأنّ رأيه لم يؤخذ في ظهور صورته التي طبعت على أوراق النقد. جلس خبير النقد يُحدث الملك إدريس السنوسي عن الخسائر التي سوف تنجم رفض أوراق النقد وإتلافها، وكان إلى جانبه السيد منصور بن قدارة. وحاول السيد قدارة بسجيته الرقيقة أنّ يحمل الملك على التغاضي عن الأمر إذ أنّ رفض أوراق النقد وإتلافها يؤدى إلى خسارة كبيرة فقد كانت تكاليفها أكثر من مئتي ألف جنيه..}م102.  

 

اقتنع الملك بأنّ الإلغاء الفوري للعملة النقديّة الجديدة واستبدالها بطبعة أخرى سيربك الأداء الإقتصادي ويسبب خسارة ماليّة لخزانة الدولة كما يكلفها مبالغ إضافيّة أخرى إذا ما أصر على طبع عملة نقديّة مكانها. ومراعاة لهذه الظروف، أمر الملك ألاّ توضع صورته على الطبعة الثانيّة من العملة.            

 

الصادق شكري

 


 

ملاحظات وإشارات هامة

 

42) كيان أشبه بالحطام: لم يُولِ الأتراك اهتماماً بليبيا كما أولوه  لغيرها في عهد خلافتهم الإسلاميّة – الخلافة العثمانية !. واستعمرت إيطاليا ليبيا لأنّها كانت تعاني من مشكلة تضخم سكاني ولذا رأت أن تستقطع الساحل الليبي عن باقي الأراضي الليبية، وتتخلص من الليبيين المقيمين في الساحل بدفعهم نحو الصحراء معتبرة أنّ ما ستستقطعه ساحلاً رابعاً لإيطاليا تكملة لسواحلها الثلاثة المعروفة. وجاء الفرنسيون إلى جنوب ليبيا على اعتبار أنّ الجنوب الليبي ممر لإفريقيا، وأفريقيا مستعمرة هامّة بالنسبة لهم، ولم يكن الغرض من مجيئهم لجنوب ليبيا ( فزان ) هو نفس الغرض الذي قادهم لإحتلال الجزائر مثلاً !. وكانت ليبيا في نظر العالم عبارة عن مساحة كبير من صحراء، وأراضي أخرى لا خصوبة في تربتها، وتندر فيها الأمطار والآبار بالإضافة إلى عدم وجود ثروات معدنية بها وانتشار الأوبئة والأمراض في أراضيها !. ولذا، لم يكن أحد في العالم..(.. يراهن على بقاء ليبيا واستمرارها لشده فقرها وإنعدام كافة مقومات الحياة فيها..)، كما قال د/ محمّد يوسف المقريف. 

 

وتؤكد التقارير والوثائق الدوليّة بأنّ ليبيا – ومنطقة برقة تحديداً – كانت ضمن مجموعة المناطق التي عُرضت على اليهود ليقيموا دولة لهم فيها، ولكنهم رفضوا بعد دراسة أحوال منطقة برقة من كافة الجوانب والنواحي!. فقد قامت بعثة يهودية بتصريح من السلطان التركي في سنة 1906 – 1908م بدراسة أحوال برقة إقتصادياً وجغرافياً للتمهيد لإقامة دولة يهوديّة فيها، وقدّمت هذه البعثة تقريرها في سنة 1908م، ونصح التقرير بعدم إقامة دولة لليهود في منطقة برقة نظراً...(..لعدم خصوبة التربة، قلة الأمطار، وندرة الآبار، وإنعدام الثروات المعدنية..). 

 

ومن المعلوم، أيضاً.. أنّ تقرير البنك الدولي وصف ليبيا في عام 1952م كثاني أفقر دولة في العالم بعد اندونيسيا. هذا، ولم تتغير هذه الصورة في ذهن العالم إلاّ بعد سنوات قليلة من تولي الملك إدريس السنوسي لعرش ليبيا.. وبعد إكتشاف كميات كبيرة ووفيرة من البترول، ومن نوعية جيدة وممتازة، في أواخر خمسينيات القرن الماضي. وإكتشاف البترول في ليبيا قلب صورتها تماماً في ذهن العالم !.

 

43) ضريح عمر المختار: ولد الشيخ عمر المختار في 1862م في قرية جنزور الشرقية التي تبعد حوالي 90 كيلوا متر شرقاً عن مدينة طبرق. عينه السيد/ محَمّد المهدي السنوسي في 1897م شيخاً على زاويّة القصور بالجبل الأخضر القريبة من مدينة المرج. عينه سيدي إدريس قائداً عسكرياً بعد هجرته لمصر، واستمر في قيادة الجهاد إلى سبتمبر 1931م. حكمت الدولة الإيطاليّة الاستعماريّة في 15 سبتمبر 1931م حكماً ينص بإعدام الشيخ عمر المختار. نفذ حكم الإعدام شنقاً في الشيخ عمر المختار صباح يوم الثالث من جمادي الأوّل 1350 هجري الموافق 16 سبتمبر/ أيلول1931م، وتمت عملية الإعدام في قرية سلوق غرب مدينة بنغازي. دفن الليبيون الشيخ عمر المختار في مقبرة سيدي عبيد بمدينة بنغازي. قرر الملك إدريس السنوسي بعد الاستقلال بناء ضريح جميل الطراز لشيخ الشهداء عمر المختار في وسط مدينة بنغازي. تمّ الشروع في بناء الضريح في عام 1958م وتمّ الانتهاء منه في عام 1959م. نظمت الحكومة الليبيّة موكب كبير مكون من رئيس الحكومة وأعضاء حكومته، أعضاء مجلس النواب والشيوخ، أعضاء المجلس التشريعي، أعضاء الحكومة الإتحاديّة والولايات.. وغيرهم من الرسميين لينقلوا رفات الشيخ عمر المختار من مبنى مجلس النواب إلى مبنى الضريح. وُضعت رفات الشيخ في القبر الجديد داخل مبنى الضريح، وقام السيد/ عبدالمجيد عبدالهادي كعبار رئيس الوزراء وقتذاك بتأبين المختار شيخ الشهداء. 

 

كان الضريح يتربع وسط مدينة بنغازي، وشكل بالنسبّة لسكان مدينة بنغازي الملتقى والمكان الذي انطلقت منه العديد من التظاهرات الوطنيّة وبالأخص الطلابيّة منها.. وشكل بالنسبة للقذافي مصدراً للقلق والتوتر وربّما الخوف ولذا قرر التخلص من هذا المبنى ونفي رفات الشهيد خارج مدينة بنغازي. قامت عناصر نظام القذافي – وتنفيذاً لأوامر القذافي – بعد منتصف الليل من يوم 15 يوليو 2000م بإخراج رفات الشيخ عمر المختار من القبر ثمّ قامت بهدم مبنى الضريح. نقلت عناصر القذافي رفات الشيخ من مدينة بنغازي إلى قرية سلوق النائية الصغيرة، وذلك في ساعات الفجر الأولى من يوم 15 يوليو 2000م. أثارت عمليّة هدم الضريح ونقل رفات الشيخ الشهيد غضب واستياء الليبيّين لأنّ الضريح كان بمثابة تكريم لكافة شهداء الوطن ولأنّ المختار يعتبر الرمز الأوّل لمقاومة الاستعمار. ولأنّ مبنى الضريح يثير في نفوس سكان مدينة بنغازي وزوارها من الليبيّين كلما مروا بالقرب منه معاني الرجولة والعزة ومقارعة الباطل والعدوان، ويذكرهم بصفحات تاريخهم ناصعة البيضاء كذلك بالأمانة التي تركها الشيخ ورفاقه في أعناقهم. ولأنّه يثير في نفوس الليبيّين قيم التصدي للظلم ومقاومة الاستبداد والطغيان كلما زاروا الضريح وقرءوا الفاتحة على روح شيخ الشهداء عمر المختار.

 

أقام القذافي بدلاً من ضريح عمر المختار ضريحاً لوالده (محَمّد عبدالسلام أبو منيار ). وغدا ضريح أبومنيار (والده ) مزاراًً لكبار زوار ليبيا بعدما كان ضريح الشيخ عمر المختار هو المزار لكلّ زوار ليبيا وضيوفها. ورّغم أنّ محَمّد عبدالسلام أبو منيار القذافي لم يكن في يومِ من الأيامِ مجاهداً أو أنّ اسمه ذُكر في أيّ كتاب من كتب التاريخ إلاّ أنّ القذافي أصر على إضفاء تاريخ لوالده ليس هناك دليل واحد على وجوده وصحته!. أمر القذافي ببناء ضريح لوالده بمقبرة الهاني بطرابلس، وأصبح ضريح والده بعد الانتهاء من بناءه وإعداده مدرجاً في جدول زيارات كلّ زائر رسمي يزور ليبيا، ليقرأ الفاتحة على روحه باعتباره (شيخ الشهداء) بعد أنّ نقل رفات شيخ الشهداء الحقيقي (الشيخ/ عمر المختار) إلى بلدة سلوق النائية، وهدم ضريحه الذي كان مزاراً لكبار الزوار، ومعلماً من أهم معالم مدينة بنغازي المجاهدة.

 

أبدى الأستاذ/ الاجدابي بعض الملاحظات الهامّة كتبها كتوضيحات تحت أبيات قصيدته الشعبيّة المعنونة ب" مأساة شعب وأحزان وطن "، جاء من بينها..(.. تم تغييب رفات البطل عمر المختار في قرية سلوق النائية في محاولة لإخفاء هذه الشخصيّة العظيمة وإلغاء تأثيرها في الشعور الوطني لدى أبناء ليبيا ، وصار لا يذكر اسم عمر المختار إلاّ حين يتم الحديث عن خزان المياه لما يعرف بالنهر الصناعي الموجود بمنطقة سلوق..).

 

وجاء حول نفس الموضوع على لسان الأستاذ/ عبدالحميد البكوش في مقالته الرائعة " ليبيا بين أمسها واليوم " التي نشرت في جريدة الحياة اللندنيّة العدد رقم 12719 الصادر يوم السبت 27 ديسمبر 1997م ، ما يلي:.. (.. السلطة في جماهيريّة القذافي تبذل جهودها لطمس كلّ معالم الماضي الذي سبق الإنقلاب، وقد جرى بالفعل نقل ضريح شهيد الوطن الشهير عمر المختار إلى مكان مهجور خارج مدينة بنغازي ، وتمّ هدم ضريح الزعيم التاريخي السنوسي الكبير في واحة الجغبوب قرب الحدود مع مصر، كما قوضت بعض المباني الرائعة التصميم التي أقامها الإيطاليون في المدن الكبيرة. وقد لا يصدق القراء أنّ أسماء الشهور قد جرى تغييرها ويشار اليوم حتى في المعاملات الرسميّة إلى شهر نيسان / ابريل بشهر الطير، وآيار / مايو بشهر الماء، كما ألغى التاريخ الهجري وحل محله التاريخ بموعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لأنّ الحاكم يرى في الهجرة مجرد هروب وتقصير، أمّا إسم البلاد فلا أظن أحدا يجهل الجماهيرية.... العظمى...! ).

 

راجع مقالة: " هدم ضريح شيخ الشهداء" للأستاذ/ سليم الرقعي على موقع الإنقاذ الإلكتروني.. والمقابلة التي أجراها الأستاذ/ خالد المهير مع السيد/ محمّد عمر المختار المنشورة على موقع "ليبيا اليوم "..و الإضافات التي كتبها الشيخ محَمّد عبده بن غلبون كحواشي في الطبعة العربيّة من كتاب: "الملك إدريس عاهل ليبيا.. حياته وعصره" الذي كتبه السيد/ ئي.آ. ف. دي كاندول باللغة الإنجليزيّة. 

 

44) المحمودي: عائلة عريقة من قبيلة المحاميد في غرب ليبيا. وعائلة المحمودي هي العائلة التي ينتمي إليه البطل الشهير غومة المحمودي. وغومة هو ..(.. الشخصيّة الأسطوريّة التي سجلت ملحمة بطوليّة مازال لها رنين في الذاكرة الشعبيّة ليس فقط في ليبيا بل في الجنوب التونسي أيضاً..) كما ورد في كتيب " أبطال وملاحم" للدكتور/ فرج عبدالعزيز نجم. وينتمي إليها المجاهد الكبير محمّد سوف المحمودي ( حفيد غومة المحمودي ) الذي شارك في مقاومة الطليان الأولى. هاجر السيد/ محَمّد سوف المحمودي إلى الشام بعد احتلال إيطاليا لليبيا أو كما جاء على لسان د/ محَمّد المفتي..[.. هاجر إلى الشام ، واستقر في حلب. وإثر اندلاع الحرب العالميّة الأولى ( أغسطس 1914م ) رتبت الحكومة التركيّة عودته إلى طرابلس للتحريض على المقاومة الوجود الإيطالي. وبالفعل دخل ليبيا عبر الحدود المصريّة (مارس 1915م)، والتقى بالسيد/ أحمد الشريف (نائب السلطان ) الذي أسبغ عليه رتبة (وكيل والي) وفي طريقه إلى الغرب شارك السيد/ محمّد سوف المحمودي في حصار الحاميات الإيطاليّة في ورفلة وغريان، وخاض العديد من المعارك الأخرى..]. وبعدما اتفق المؤتمرون في المنطقة الغربيّة على توحيد صفهم وأعلنوا في 16 نوفمبر 1918م ( الجمهوريّة الطرابلسيّة )، انتخبوا بالإجماع الشيخ محمّد بك سوف المحمودي رئيساً لمجلس رئاسة الجمهوريّة.  

 

وشارك ابن الشيخ محَمّد بك سوف المحمودي ( السيد/ عون) بجهود مختلفة في المراحل المتقدمة من الجهاد الوطني الليبي، ثمّ شارك ابن السيد/ عون (السيد/ أحمد سوف) في بناء دولة الاستقلال الوليدة حيث تقلد العديد من المناصب الرسميّة الهامّة، ومنها، تقلده لمنصب وزير في أحدى حكومات العهد الملكي.  

 

45) إبعاد الملك لعائلته عن دوائر السلطة وصنع القرار:  

 

جاء بخصوص التأكيد على هذه النقطة في المجلد الثاني ( صفحة 12 و 14 ) من كتاب: (( ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التاريخ السياسي)) للدكتور/ محَمّد يوسف المقريف ما يلي :  

أولاً – منع الدستور أعضاء البيت المالك أنّ يكونوا أعضاء في مجلس النواب، فليس لهم حق الترشح، وإنّ كان لهم حق الإنتخاب، وقد نظم قانون الانتخابات لمجلس الأمّة الاتحادي رقم (5) لسنة 1951م موضوع الترشيح لعضويّة المجلس النيابي.

 

ثانيا – حظر الدستور أنّ يتقلد أيّ عضو في الأسرةِ المالكةِ أيّ منصب وزاري.  

 

46) أحمد الصالحين الهوني..وزير الإعلام في العهد الملكي وصاحب ورئيس تحرير جريدة "العرب" الصادرة في لندن. عاد الهوني إلى ليبيا من (أبو المطامير) في مصر سنة 1955م. عُيّن بعد عودته من مصر كسكرتير في نظارة "الزراعة" بولاية فزان. أنتقل إلى ولاية طرابلس بعد طرده من وظيفته في فزان ليًعيّن في منصب صغير مماثل بنظارة الزراعة، وبقى في تلك الوظيفة إلى أنّ أصدرت " المحكمة العليا"  حكماً مؤيداًَ للشكوى التي تقدم بها ضد نظارة الزارعة (قضية فصل تعسفي ). عاد إلى فزان بعد أنّ كسب القضيّة "في عهد مملكة سيادة القانون " ليُعيّن في وظيفة جديدة بالولاية.، ولكن في إدارة المطابع.

 

تولى بعد إلغاء النظام الإتحادي في عام 1963م إدارة شئون الحج والعمرة في وزارة العمل والشئون الاجتماعيّة. عُيّن في أكتوبر 1967م وزيراً للإعلام في عهد رئاسة الأستاذ/ عبدالحميد البكوش للحكومة، واستمر في منصبه حتى بعد تولي السيد/ ونيس القذافي لرئاسة الحكومة. وظل وزيراً للإعلام من أكتوبر 1967م إلى 1 سبتمبر 1969م ( تاريخ وقوع إنقلاب القذافي ).

 

حاول أحمد الصالحين الهوني التقرب إلى الإنقلابيين منذ اليوم الأوّل لإستيلائهم على السلطة، فقد ظهر في الأيام الأولى للإنقلاب على شاشة التلفزيون ليعلن ترحيبه بالإنقلاب، ويقدم تهانيه للعسكر الذين قاموا به وبنجاحهم الكبير وهو يصفهم بالآية الكريمة القائلة: (.. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى )..!. وحاول كذلك كسب ود رئيس محكمة الشعب ( الملازم بشير هوادي عضو ما يسمى بمجلس قيادة الثورة ) عند محاكمته !.

 

أنشأ الإنقلابيون – المُسمون بمجلس قيادة الثورة –  محكمة الشعب بموجب قرار صدر عنهم في 26 أكتوبر 1969م بغرض محاكمة المسئولين عن الفساد في العهد الملكي، وكان الهوني من بين الأشخاص الذين تمت محاكمتهم!.

 

قال وزير الإعلام السابق – أحمد الصالحين الهوني– لبشير هوادي:..(.. لابُدَّ أنّ يعي رجال الثورة الدور الهامّ والخطير الذي قمت به من أجل إنجاح الثورة !!!. فقد تعمّدت تشويه "النّظام الملكي" والحط من شأنه في نفوس وأعين المواطنين وذلك من خلال تضخيم الدعايّة والمبالغة في المديح والتركيز على السلبيات التي تقع !. وكان هدفي من وراء ذلك هو التمهيد لقيام الثورة المباركة !!!...). راجع مقالة: عميد الصحافة الليبيّة محَمّد فخر الدين للأستاذ/ فاضل المسعودي. 

 

في بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.. أسس الهوني في مدينة الضباب (لندن ) مجلة (العرب ). ومجلة العرب كانت ولازالت تكيل المدح والإطراء على شخص القذافي ونّظام حكمه !. وكان الهوني قريباً جداً من حكام الخليج لدرجة أنّ الخليجيين وصفوه ب(شيخ الصحفيين العرب). وكان الهوني يزور الخليج باستمرار، ويدخل إلى مطارات دول الخليج العربي – طوال فترة الثمانينيات – من باب كبار الزور، ويلتقي بكبار المسئولين، وأحياناً، بملوك وسلاطين وأمراء الخليج. ارتبط الهوني في الفترة الواقعة بين 1980م إلى 1988م (حرب صدام المخلوع على إيران) بنّظام صدام حسين، وتحصل على دعم خليجي غير محدود لأنّ حكام الخليج اعتبروا صدام حسين وقتذاك مدافعاً عنهم وحامياً لبوابة العرب الشرقيّة !. وكانت للهوني حظوة خاصّة لدى المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتحدة حيث كانت له علاقات قوية ومتينة مع كبار المسئولين بهاتين الدولتين بدرجة أكبر بكثير من علاقاته بدول الخليج الأخرى.

 

تنكر الهوني لأفضال أهل الخليج عليه، فوقف مدافعاً عن غزو صدام للكويت، فقفلت دول الخليج أبوابها في وجه الهوني ومجلته "العرب". حاول الهوني بعد تحرير الكويت تطبيع علاقته مع دول الخليج إلاّ أنّه لم يستطع خرق الحصار الذي فرضته دول الخليج عليه إلاّ في عام 1997م– وبشكل محدود جداً – وذلك حينما طلب الهوني من الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان (نائب رئيس مجلس الوزراء وقتذاك) أنّ يأذن له بدخول دولة الإمارات العربية المتحدة لحضور فعاليات ملتقى الصحفيين الحواري الذي سيعقد في أبوظبي.

وربّما استطردت هنا لأقول أنّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – وفي فترة خلافه مع ابنه سلطان !، وقبل إرساله لابنه إلى بريطانيا – أوصى الهوني أنّ يتواصل مع أبنه سلطان الذي يريد إرساله إلى لندن لغرض التعليم.

 

وبالفعل، توطدت علاقة الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان بأحمد الصالحين الهوني لدرجة أنّ الشيخ سلطان اعتبره أباً ثانياً له.

 

على أية حال.. تمكن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان من أخذ موافقة أبيه (الشيخ زايد) بشأن السماح للهوني بحضور ملتقى الصحفيين الحواري الذي عقد في أبوظبي في عام 1997م . حضر الهوني ملتقى أبوظبي إلاّ أنه لم يستطع إرجاع علاقته بالإماراتيين كما كانت علاقته بهم من قبل.

 

حاول أحمد الصالحين الهوني إرجاع علاقته بالسعوديين بعد أنّ أوفدت السعودية الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز سفير المملكة في واشنطن – عام 1999م – إلى ليبيا للقاء القذافي لحل أزمة لوكيربي بعد قبول أمريكا بمحاكمة الليبيّين المشتبه فيهما في هولندا. إلا أنّه لم يستطع تحقيق تقدم يذكر، وزادت علاقته تعقيداً بالسعوديين بعد الملاسنة التي اندلعت بين القذافي والأمير عبدالله خلال أحدى جلسات القمة العربيّة التي عقدت في شرم الشيخ في مارس 2003م.

 

شارك الهوني مع الكاتب والباحث/ نعمان بن عثمان عضو منتدى ليبيا للتنميّة البشريّة والسياسيّة في "برنامج سجالات" لمناقشة موضوع "التحولات الداخليّة والخارجيّة في ليبيا" وذلك مساء يوم 29 نوفمبر 2004م  على قناة "ANB " الفضائيّة .تبنى الهوني في هذا الحوار وجهة نظر نّظام القذافي، ووصف ما يقوم القذافي به حالياً بالحكمة وبعد النظر والحرص على إنقاذ ليبيا من حرب مدمرة علي يد الأمريكان متجاهلاً الدمار والخراب والانهيار التي تعيشه ليبيا على يد القذافي منذ استيلاؤه على السلطة في سبتمبر 1969م.

 

هذا الأمر ليس بجديد ولا بغريب عن الهوني فقد سبق وأنّ أعتبر صدام حسين بطل قومي مدافعاً عن بوابة العرب الشرقيّة أبان حرب الخليج الأولى (حرب صدام مع إيران ). وسبق له أنّ وصف غزو صدام للكويت بإرجاع الفرع إلى الأصل معتبراً الكويت محافظة من محافظات العراق الأصليّة !. وهو الذي شارك ذات يوم في أحد برامج قناة الجزيرة الحواريّة، فقال:..(..أنّ نظام صدام حسين نظامُ ديمقراطي حتى النخاع..).

 

وربّما استطردت من هنا لأقول بأنني شاهدت السيد/ أحمد الصالحين الهوني في قناة القذافي الفضائيّة في حفل غنائي أقيم في صيف 2004م. نقلت قناة القذافي الفضائية ذلك الحفل، وتنقل مذيع البرنامج بين الحاضرين إلى أنّ وصل إلى صاحب العباءة السوداء فأعطاه الميكرفون. أمسك الهوني بالميكرفون فقال قصائد مدح في القذافي لا تنافسها إلاّ قصائد محمّد حسن – مطرب القذافي – المفرطة في الكذب والنفاق والتملق . 

 

أخيراً.. كتب الأستاذ/ فاضل المسعودي فقرة مطوّلة عن أحمد الصالحين الهوني في مقالة كتبها عن الأستاذ/ محَمّد فخر الدين تحت عنوان " عميد الصحافة الليبيّة محَمّد فخر الدين"، ونشرها على موقعي "ليبيا وطننا" و "أخبار ليبيا". والفقرة التي كتبها المسعودي عن الهوني فقرة هامّة جداً لأبُدًّ قراءتها بدقة متناهية وتمعن وتفكيك المقاصد التي جاءت وراء سطورها. الفقرة التي أوردها الأستاذ/ فاضل المسعودي عن أحمد الهوني فقرة هامّة جداً، وقد اعتمدت عليها في الجزء الأكبر من هذه الإشارة. 

 

47) أمر الملك بصرامة أن تزال صورته التي وضعت دون أخذ رأيه على أوراق العملة الليبية : قال الدكتور/ محمّد يوسف المقريف بشأن طلب الملك إدريس بإصدار عملة ورقيّة جديدة خاليّة من صورته على هامش الصفحة رقم 25 من كتابه (( ليبيا بين الماضي والحاضر .. صفحات من التاريخ السياسي))/ المجلد الثاني، ما نصه :..[.. ولما كانت العملة الجديدة المصدرة تحمل صورة الملك على أحد وجوهها  فقد  أصدر  الملك  إدريس  تعليماته (نوفمبر 1952م) بإصدار عملة ورقيّة جديدة خاليّة من صورته، راجع ما ورد بهذا الخصوص في كتيب من الأفق السنوسي ل (يوسف عيسى البنك ) ..].     

 


 

مصادر ومراجع

 

م91) الأستاذ/ عتيق الماجري- مقالة: مصطفى عبدالله بعيو.. رجل التربية والتعليم والتاريخ – العبارة بين قوسين نقلها الأستاذ/ عتيق الماجري على لسان الأستاذ/ مصطفى عبدالله بعيو – مجلة شؤون ليبيّة العدد/ العاشر ربيع 1418 هجري الموافق 1997م. 

 

م92) الأستاذ/ المبروك عبدالله – مقالة: سجايا لا تنسى – مجلة شؤون ليبيّة العدد الرابع عشر / يوليه 1999م. 

 

م93) منقولة بتصرف عن روايات نقلها الدكتور/ فرج نجم عن بعض الأعيان الوجهاء في أحاديث متفرقة عن الجهاد والمجاهدين في برقة.

 

م94) حوار خاص مع إبـــن المجاهد عمر المختار أجراه الأستاذ/ خالد المهير – موقع " ليبيا اليوم" / السبت 2 ابريل2005م.

 

م95) نفس المصدر السابق. 

 

م96) مقالة: " نصر حتى النهاية.. جهاد أحمد سيف النصر" – باب عودة إلى الشخصيّات الليبيّة / موقع ليبيا جيل الإلكتروني.

 

م97) السيد/ مصطفى أحمد بن حليم – كتاب: انبعاث أمّة.. وسقوط دولة – منشورات دار الجمل بكولونيا ألمانيا عام 2003م.

 

م98) الأستاذ/ يوسف عيسى البندك – كتاب: من الأفق السنوسي – الصادر عن مركز الدراسات الليبيّة / أكسفورد في أبريل 2002م.

 

م99) نفس المصدر السابق. 

 

م100) الأستاذ/ فاضل المسعودي – مقالة: المقدّم موسى أحمد.. في ذمة القدر – نشرت في باب "مقالات وآراء" / موقع "أخبار ليبيا" بتاريخ 26 مايو 2005م. 

 

م101) الأستاذ/ فاضل المسعودي – مقالة: عميد الصحافة الليبيّة محمّد فخر الدين – موقع ليبيا وطننا/ المقالات – نشرت المقالة بتاريخ 6 سبتمبر 2004م.

 

م102) الأستاذ/ يوسف عيسى البندك – كتاب: من الأفق السنوسي – الصادر عن مركز الدراسات الليبيّة / أكسفورد في أبريل 2002م.

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع