08/12/2006


      


الجزء الأول     الجزء الثاني     الجزء الثالث    الجزء الرابع    الجزء الخامس


 
 
إبراهيم عبد العزيز صهّد
 
 

(5)

 
 
دفعني العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى التوقف عن كتابة حلقات من الذاكرة عن حرب يونيو، وعن صديقي الأستاذ جاب الله مطر، فلم يكن في النفس رغبة في العودة إلى ماض ما زالت نتائجه تتجسد في حاضر معاش تغنينا أحداثه المؤلمة عن تذكر آلام هزيمة يونيو، حتى بعد أن سكت دوي معارك لبنان، وجدت في النفس خمولا عن معاودة الكتابة. وقد اتصل بي بعض الإخوة يحثونني على استكمال الحديث من الذاكرة عن حرب يونيو. وإذ أشكر لهم اهتمامهم، فأذكر القراء بأنني أكتب عن هذه الحرب من منظوري حين كنت ضابطا في مدرسة المخابرة، وليس عن تلك الحرب بشكل تفصيلي.
 
 
 
كانت الأخبار عن سير المعارك متضاربة، ومازالت الإذاعات العربية –حتى ذلك الوقت- تذيع بيانات ومعلومات تختلف بصورة كاملة عن المعلومات التي نسمعها من الإذاعات الغربية. وكنا نميل إلى تصديق الإذاعات العربية، بالرغم من أن بعض الشواهد تدل على عكس ما كنا نسمع منها. كان القلق يعترينا لما كنا نلمسه من تناقض في البيانات الرسمية، وفي روايات سير المعارك. فما سمعناه عن سيطرة كاملة على المعارك يتناقض والقرار الرسمي المعلن بانسحاب القوات المصرية، والذي تم تصويره على أنه انسحاب تكتيكي. لكن حدث أمران كشفا لنا بوضوح أكبر عن حجم الكارثة.
 
في ذلك الوقت لم يكن التلفزيون منتشرا في البلاد، فلم يكن هناك محطة بث ليبية، ويندر أن تجد من يمتلك تلفزيونا في بيته. بعض النوادي والمؤسسات لديها تلفزيونات وتستخدم الهوائيات الموجهة لالتقاط إيطاليا ومالطا وبعض المحطات الأوروبية الأخرى. قبل الحرب بمدة قصيرة، كنا قد اشترينا تلفزيونا لبهو الضباط في مدرسة المخابرة، وكانت عملية التقاط المحطات متعبة وتأخذ وقتا، علاوة على عدم وضوح الإرسال، ولهذا فلم نكن نشاهد التلفزيون إلا نادرا، ولم يكن التلفزيون عاملا رئيسا في التقاط الأخبار ومتابعتها.
 
في إحدى الأمسيات اجتمعنا بالبهو لمحاولة التقاط محطات للتعرف على الأخبار، فالتقطنا مالطا التي كانت تذيع نشرة إخبارية. كانت المحطة تبث خبر سقوط القدس في أيدي القوات الإسرائيلية، وكانت المحطة تبث الصورة الشهيرة لرئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال "موشي دايان" وهو يرفع العلم الإسرائيلي على القدس. لم تذع لا القاهرة ولا صوت العرب الخبر، ولا أظن أننا سمعنا عن سقوط القدس قبل هذه المرة، ولذلك كان الخبر مفاجأة نزلت نزول الصاعقة على كل الحاضرين، خاصة وأنه خبر مؤيد بالصورة. كنا نشاهد التلفزيون وقد لفنا الصمت، ولم يعلق أحد من الحاضرين على الخبر، فقد كانت الدموع تنساب من معظم الحاضرين، وأجهش بعض الضباط بالبكاء. كانت صدمة قاسية ومؤلمة، أكدت لنا أن ما كنا نسمعه في الإذاعات الغربية كان صحيحا، بل وربما كان أقل حجما من الكارثة الرهيبة الحقيقية التي كانت تدور فوق مسارح العمليات.
 
القدس كانت على خط التماس الأردني الإسرائيلي، وكانت في المواجهة، ولذلك كان محتملا أن تتبادلها الأيدي في أية معارك. لكن حالة السيطرة الكاملة والاطمئنان التي بدت واضحة في الصور كانت تؤكد عدم وجود معارك حول القدس، وكان ذلك يعني أن القوات الإسرائيلية قد أحكمت قبضتها على القدس، ما يعني أيضا استيلاؤها وتأمينها لحزام من الأراضي حول القدس.
 
سيطرت مشاعر الحزن والغضب على الموجودين في البهو، لكن الغضب في معظمه كان منصبا نحو الملك حسين والجيش الأردني. لا شك عندي أن ردة الفعل الغاضبة كانت عفوية ومتأثرة بما رسخته الدعاية الناصرية التي كانت على طول السنين الماضية تصف الملك حسين بالخيانة والتواطؤ. كذلك لم تسلم الحكومة الليبية في تلك الأمسية من تساؤلات أطلقها بعض الضباط عن السبب الذي يحول دون دخول الجيش الليبي إلى المعركة. لم تخل تلك التساؤلات من اتهام الحكومة الليبية بتقصير ما. ذلك أيضا كان تعبيرا عاطفيا لم يستند على أية معلومات حقيقية، وكان هذا أيضا بتأثير الدعاية الناصرية التي صورت الوطنية والتقدمية والإخلاص والحرص على المصالح العربية قيما تحتكرها القيادة المصرية وحدها وتحدد معاييرها وفقا لتقلبات أهوائها، وبدون شك فقد كانت ليبيا الملكية آنذاك تصنفها الدعاية المصرية ضمن خانة الرجعية والعمالة للاستعمار والإمبريالية وغيرها من المصطلحات. تلك الدعاية كانت آنذاك تعمي العيون وتسد الآذان عن رؤية وسماع ما عداها، وكانت طاغية في انتشارها في كل الشرائح الليبية، خاصة لدى ضباط الجيش. في تلك الأمسية كانت آثار تلك الدعاية واضحة، فلم يخطر ببال أحد –حينها- أن يصب غضبه على القيادة المصرية، ولا أحد كان يجرؤ على نقد عبد الناصر وقراراته التي قادت إلى الكارثة التي شاهدنا جزءا منها تلك الليلة.
 
الأمر الثاني تمثل في معلومات مباشرة استقيناها من أحد الضباط الذي كان عائدا لتوه من مصر. ففي عصر اليوم التالي لمعرفتنا بسقوط القدس، عاد الرائد "رمضان الأسطى عمر" إلى عمله في مدرسة المخابرة قادما من مصر التي كان فيها لغرض العلاج، واضطرته الحرب أن يقطع رحلته ويعود إلى مقر مدرسة المخابرة. تحلقنا حول الرائد رمضان الأسطى عمر نرحب بعودته ونستفسر منه عن الأحوال في مصر.
 
علمنا منه أنه التقى في مساء الخامس من يونيو بمندوب ليبيا في القيادة العربية الموحدة المقدم الركن رمضان صلاح الذي أخبره بحجم الضربة التي تلقتها أسلحة الطيران العربية، وأن الجبهات في حالة انهيار كامل، وأن تراجع القوات المصرية قد بدأ مع بداية المعارك بصورة غير منظمة حتى قبل أوامر الانسحاب، ووصف له الانطباع السائد لدى القيادة المشتركة بأن نتائج الحرب ستكون كارثة محققة، وأن القيادة المشتركة ليس لها أي دور إلا متابعة ما يجري، كما علم منه أن القيادة المصرية لم تصدر بعد أية موافقة للسماح للقوات الليبية المحتشدة في البردي بدخول الأراضي المصرية، وأنه لا ينتظر أن تسمح مصر بدخول هذه القوات. شكلت تلك المعلومات صدمة أخرى لنا، كان الشعور السائد حتى تلك اللحظة أن الانسحاب العام الذي أمرت به القيادة المصرية انسحاب تكتيكي لتجميع القوات لغرض القيام بهجوم مضاد.
 
قبل اندلاع الحرب كانت وحدات حامية المرج تعتمد خفارات مستقلة. كان لكل وحدة جدولها المنفصل (ضابط خفر، وعريف خفر، وحراسات مستقلة في القواطع المخصصة لكل وحدة). عند اندلاع الحرب اتخذ آمر الحامية فرارا باستحداث مهمة ضابط خفر الحامية، يكون من الضباط رفيعي الرتبة، وتكون مهمته التنسيق بين ضباط خفر الوحدات وإصدار الأوامر الضرورية عند الحاجة، وقد أثبت هذا الإجراء جدواه وفعاليته في عدة مواقف مررنا بها آنذاك. أحد هذه المواقف حين توافرت معلومات عن اعتزام بعض المتطوعين اقتحام مخازن السلاح في وحدات الحامية.
 
في تلك الأثناء كان المتطوعون ينتشرون في المعسكر ويتحركون بكل حرية في جنبات المعسكر لدرجة أحدثت بعض الإرباك، وكنا نعزو تجول المتطوعين إلى حب الاستطلاع والحماس. كذلك فقد كان الرأي السائد هو أن نسعى لجعل تجربة المتطوعين تجربة إيجابية من جميع النواحي، ولذلك فقد كانت كل الترتيبات تتم على هذا الأساس، بما في ذلك عدم حصرهم في مكان واحد وترك الحرية أمامهم للتجول بالمعسكر والاختلاط بالجنود والضباط حتى لا يحسوا بأية فوارق، كما كانت الأوامر قد صدرت إلى كافة المعنيين بالمتطوعين أن يكون التعامل معهم بما يضمن تشجيعهم وتيسير كل ما يعترضهم من عقبات. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان. فقد لاحظ بعض ضباط الصف والجنود من المشرفين على المتطوعين أن عددا منهم قد أكثر من السؤال عن مرافق المعسكر، وتكرر السؤال عن مخازن الأسلحة بشيء من التفصيل. ثم التقط أحد ضباط الصف حديثا بين مجموعة من المتطوعين كان يدور حول مخازن الأسلحة وأهمية اقتحامها والاستيلاء على الأسلحة. وقد أفاد ضابط الصف أن أحد المتطوعين كان يردد القول بأن الحكومة لا تريد السماح لهم بالالتحاق بجبهة القتال وأن الوسيلة الوحيدة لذلك هو حصولهم على السلاح.
 
كنت ضابط الخفر لمدرسة المخابرة، وعند منتصف الليل مر بي المقدم جاد الله عبد الحفيظ وكان ضابط خفر الحامية، وأخبرني بالتقارير والمعلومات حول اعتزام بعض المتطوعين الاستيلاء على مخازن السلاح مما يرتب ضرورة تأمين المخازن وتشديد الحراسة عليها. وقد فوجئت بهذه المعلومات أيما مفاجأة، وأبديت تشككي في دقة هذه المعلومات، أما إذا كانت صحيحة فسنواجه مشاكل ليس الليلة فقط وإنما في الأيام اللاحقة خاصة حين نوزع السلاح للتدريب. كان رد المقدم جاد الله عبد الحفيظ حاسما وقاطعا بأن المعلومات أكيدة ومن أكثر من مصدر، وأعلمني بأن السيطرة على المتطوعين وإبقائهم في مكان محصور سيكون صعبا في هذا الوقت من الليل، خاصة وأن المتطوعين كانوا يتشككون –على ما بدا من المعلومات- في صدق النية بتدريبهم وإرسالهم لميادين القتال، وأوضح أنه في الصباح سيتم بحث الموضوع واتخاذ ما يلزم، وأعاد التأكيد على تشديد الحراسة على مخزن الأسلحة، وضرورة الاتصال به في الضرورة، وغادرني في طريقه إلى ضباط الخفر في بقية الوحدات.
 
من البداية أدركت أن مهمتنا في مدرسة المخابرة تكتنفها بعض الصعوبة، لأننا نقع في مواجهة ملعب الكرة الذي نصبت فيه خيام يقيم فيها أعداد كبيرة من المتطوعين، كذلك فالمدرسة لها مداخل كثيرة من كل نواحي المعسكر. جمعت جنود الحراسة وركزتهم حول مخزن السلاح، وكلفت عريف الخفر بإيقاظ عدد آخر من الجنود على أن يكلفهم بشغل نقاط الحراسة التي سحبنا منها حراسها، ثم أضفنا نقاطا أخرى في بعض المواقع. بعد قليل وصل المقدم رمضان غريبيل آمر المدرسة، ليتأكد بنفسه من الإجراءات الاستثنائية، وأكد لي وجوب الحذر، وبضرورة مراعاة الكياسة في التعامل مع أية مستجدات، والتعامل برفق وبحزم مع كل المواقف. لم يمر وقت طويل حتى بدأت نقط الحراسة تلاحظ تجول أعداد من المتطوعين في هذه الساعة المتأخرة من الليل، تم استيقاف بعضهم والاستفسار منه عن سبب تجوله في هذه الساعة المتأخرة، وطلب إليهم العودة إلى أماكنهم، وقد ولاحظ الحراس ارتباكهم وعودتهم من حيث أتوا. وفي اليوم التالي علمت أن نفس الظاهرة تكررت مع حراسات مدرسة المشاة.
 
كانت إحدى الليالي القلقة العصيبة. وفي صباح اليوم التالي اتخذ القرار بضرورة السيطرة على حركة المتطوعين داخل المعسكر والاستعجال بتوزيعهم على مدارس فرزوغة والعويلية وبطة.
 
وقد استمر تدريب المتطوعين إلى ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار بوقت طويل، غير أن انهيار الجبهة المصرية السريع دفع هؤلاء المتطوعين بالانسحاب بصورة تدريجية، بحيث لم يتبق سوى عدد قليل تم تجميعهم في مدرسة بطة وأقفلت مراكز التدريب الأخرى.
 
وللحديث بقية إن شاء الله

أرشيف الكاتب


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com