28/12/2006

      


 
أيها الظالمُ .. أعتبرْ
 

بقلم: صقر بلال

 
اللهم لا شماتة .. بالأمس صادقت محكمة التمييز العراقية على حكم إعدام الرئيس العراقي صدام حسين (التكريتي) وبغض النظر عن ظروف المحاكمة من حيث التوقيت وهل أمْليَ عليها الحكم من العدو المحتل أم لا ـ بغض النظر عن هذه الاعتبارات وبعيدا عن العاطفة ـ كلنا نعرف أن صدام كان حاكما عربيا طاغية ظالما تجاوز كل الحدود، وولغ في الدماء العراقية البريئة، بل طال ظلمه حتى جيران العراق، ناهيك عن الحروب الغير مبررة، وما خلفته من مآسي، وعن الأموال المهدرة في غير طاعة الله، ومصلحة العراقيين، لهذا كله لا نشك نحن الليبيين بالذات في عدالة هذا الحكم حتى لو لم تعقد له أي محاكمة.
 
نحن الليبيين الذين اكتوينا بنار (السرتاوي) معمر القذافي الذي لا يقل طغيانا ً وظلما ًعن (تكريتي) العراق إن لم يتفوق عليه، فصدام له بعض الحسنات ـ التي ندعوا الله أن يخفف عليه بها أوار السعير ـ ومنها اهتمامه بالتعليم والعلماء، ومنها ثباته على عروبة العراق ووحدة أراضيه.. في الوقت الذي لم نجد (لسرتاوينا) ما نذكره به إذا حانت ساعته لأي سبب (تتعدد الأسباب والموت واحد) لقد فرط معمر في كل شيء، باع كل شيء، أزهق الأرواح البريئة بأخس الطرق، بالقتل بالدم البارد للمغلوبين على أمرهم داخل سجونه ،وللتاركين الأهل والولد الفارين من جبروته خارج الأوطان، وفي الحروب الغير مبررة والتي يُشحن لها تلاميذ المدارس، والشيوخ، والشباب، وحتى النساء ليموتوا لا لشيء إلا لنزوات، وسادية هذا الإعرابي المتعجرف (ولد الخيمة، شراب حليب الناقة) لقد نكل معمر بصفوة شباب ليبيا وعدتها للمستقبل، كلنا نذكر تمثيله بجثث الشهداء على شاشات التلفزيون وتعلق أوغاده بها، وبصقهم عليها وهي تجود بالارواح، كلنا يذكر سحله لأجساد شباب المساجد في الشوارع، والذين لا ذنب لهم إلى حبهم لله ورسوله، ووقوفهم في وجه جلاديه الذين تجاوزوا كل حدود في التضييق عليهم والتنكيل بهم، من منا لم يلحقه ظلم هذا القذافي الذي حول شعب من أغنى شعوب الأرض؛ إلى شعب من الشحاذين، ينتظرون بفارغ الصبر أن تصدق وعوده، وترهاته، وأكاذيبه التي يلوكها منذ 38 سنة في تحويل جماهيريته إلى النعيم الأرضي الموعود، ينتظرون ما يجود به كل عدة أشهر من مرتب هزيل لا يكاد يكفي ثمن الغذاء ناهيك عن الدواء، والملبس وغيره... ليس هذا فقط بل وتأتي لجانه المختلفة في كل شهر تقريبا تحصي وتعد وتهدد بخصم وإحالة عدد من الموظفين إلى الخدمة الإنتاجية، وحرمانهم من هذا المرتب المهزلة... أي إنتاج يا قذافي وقد حولت البلاد إلى دمار، إلى أرض يباب، لا صناعة، ولا زراعة... ولا شيء، لاشيء على الإطلاق.
 
عندما سيلقى القذافي الله قريبا..؟ ـ بمحاكمة وإعدام أم حتف أنفه ـ بماذا سيجيب إذا سئل عن الدماء فيما أريقت..؟ هل سيقول كلاب ضالة وزنادقة.. والله أعلم بحقيقتهم وأجرامه..؟، وبماذا سيجيب إذا سئل عن الأموال فيما أهدرت..؟ هل سيقول المجنب، المحفظة الوطنية، الاستثمار في الخارج، قضية لكربي، التوفير للدفاع عن الثورة، هل سيقول أنفقت في الدعاية للكتاب الأخضر، هل سيقول أنفقت على ملاذات القذاذفة والمقربين، أم سيقول نهبت بواسطة القطط السمان التي ربيتها، وأطلقت مخالبها للعبث بكل شيء.. ماذا أعددت للسؤال يا قذافي.. أم تراك لا تؤمن بالبعث والحساب.
 
نصيحتي لك, وأني لمخلص في هذا, أن تأخذ العبرة من نهاية صدام. تذكر أنه كان أقوى منك وأكثر جندا، وأتباعا، ومنافقين، ومصفقين، ومداحين بالباطل.. تذكر كيف شـُرح أبناؤه وعلقت صورهم في زنزانته بجانب صور قاتلهم الوغد الأمريكي بوش.. تذكر كيف أُذل بعد عز.. وكيف أُهين بعد ترفع.. وكيف سيشنق قريبا ولن تبكي عليه السماء، ولن تخسف الأرض بجلاديه. تذكر هذا وأعلم أننا لن نُسر أو نشمت إن حدث لك هذا.. فقط سنحمد الله كثيرا لأنه خلصنا من ظلمك وجبروتك.
 
نصيحتي لك, وإني إن شاء الله من المخلصين, أن تترك الحكم بعد أن تنظم انتخابات حرة بأشراف دولي يستفتى فيها الليبيون عن نوع النظام الذي يصلح لهم، ويختاروا من يحكمهم بشروطهم وتحديد زمن التعاقد معه حسب ما يرون.. إن فعلت هذا فقد برأت ذمتك وختمت بخير ونرجو الله أن يسامحك.
 
أفعل ذلك فقد حكمت، وفشلت، والذي لم تستطع فعله في شبابك ونشاطك والزمن مقبل عليك، لن تستطيع فعله في هرمك، ومرضك، والأيام مدبرة عنك .. صدقني ـ وإني لمن الناصحين المخلصين ـ إن صلاحيتك قد انتهت، وبقاؤك يعني سؤ خاتمة، وزيادة في الفشل والتردي، أفعل شيئا حسنا تذكرك به الأجيال.. أنت رجل عسكري وتعلم أن القائد الحقيقي حين يخسر معركته ينتحر إن كان له كرامة.. فكم من معركة خسرتها أنت.. أذكرك.. لقد خسرت حرب تشاد بالكامل وأضعت جيش ليبيا هناك وأضعت معه جزء من الوطن الغالي (قطاع أوزو) (تذكر أنت القائد الأعلى للقوات المسلحة) لا تتنصل كما يفعل الجبناء.. وخسرت معركة الوحدة العربية التي كنت تتغنى بها وتذكرنا في كل مناسبة أن دونها الموت.. إلخ، وخسرت معركة تحويل ليبيا من التخلف إلى التطور، وأصبحنا في مؤخرة الأمم المتخلفة بتخطيطك السقيم، ونظريتك التي تنقصها الواقعية، واعتمادك على المنافقين و(اللقاقة) ثم أن الموظف العادي محدود الصلاحيات يتقاعد حسب القانون الليبي في سن الثانية والستين؛ لأنه قد أستهلك ولم يعد لديه ما يقدم، فما بالك بمن تحمل مسؤولية الوطن كله طوال هذه السنوات ألا يستريح ويريح، والبركة في شباب ليبيا.
 
نصيحتي المخلصة أن تعتزل بعد أن تسلم البلاد لأهلها ، وتختار دولة أفريقية من السود الذين سيسودون "الجنة التي اكتشفتها ويعزف الليبيون عن مجرد زيارتها" تختارها لتقضي بقية أيامك في الجنة الأرضية، ونتمنى لك بعد ذلك الانتقال منها إلى جنة الخلود، فتكون من جنة إلى جنة.
 
وأعلم أن بقاءك لن يفيد الوطن في شيء.. أنت غير قادر على محاسبة المفسدين، وسوف يستمرون في فسادهم أكثر من ذي قبل، وغير قادر على محاكمة من أجرم في حق الشعب الليبي، لأن أولئك، وهؤلاء يرون فيك كبيرهم الذي شجعهم، وأمرهم، وباسمه خربوا وقتلوا وسرقوا، يرونك زعيم الفساد، ولهذا لن تصلح الأمور كما تتصور، نحن نرى ضعفك أمامهم، وعجزك عن محاسبتهم، ونرى السخرية والاستهزاء بك في عيونهم، في كل اجتماع تحاول فيه أغلاظ القول لهم، لتتراجع وتتلاشى تهديداتك وتجتهد في إرضائهم، وتنتقل لتهديد المعارضة الليبية في الداخل والخارج، لتأمرهم بتصفيتهم وكأنك تقول أنا وأنتم في خندق واحد فلا تأخذوا تهديداتي مأخذ الجد.. نصيحتي لك أن تضع حدا لهذه المهزلة فقد أصبحت ملهاة مملة ومكررة وسخيفة، وأن تتحلى بالشجاعة والعقل وتترك البلاد لأهلها، ليسجل التاريخ لك أنك أول زعيم عربي أصلح أخطاءه وتحمل مسؤوليتها كاملة وكفر عنها بإنشاء أول دولة عربية ديمقراطية حقيقية في المنطقة.. صدقني شعبك طيب وسينسى كل ما لحقه من أذى، دعهم يستمتعون بحريتهم فقد أثقلت عليهم وأسرفت على نفسك والمثل العربي يقول: أمرَ مبكياتك لا أمرَ مضحكاتك (بنصب أمرَ على أنه مفعول لفعل محذوف قبله تقديره أطع ْ ) نعم العاقل من أتعظ بغيره، وأطاع أمر من نصحه بخير لا من زين له السوء.. تذكر من يصفقون لصدام ويهتفون له قبل سقوطه بيوم، ليحتفلوا بمقدم عدوه ويبصقون على صوره بعدها بيوم، يوم واحد فقط، يفصل بين صدام القائد الرمز صاحب التسعة والتسعين اسما، وصدام الخائن المهزوم الجبان الدكتاتور.. وأخيرا صدام المشنوق الذي سيلعنه التاريخ ويلعنه اللاعنون.. اللهم لا شماتة.
 
صقر بلال

ملف الكاتب

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com