03/02/2006
 

المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (1) 
 
بقلم: أحمد عبد الرحمن

 

 
.. دعوني أروي لكم هذه الحكاية القصيرة التي ‏رواها لي ذات يوم رجل من الماضي، هو المرحوم فضيلة الشيخ منصور ‏المحجوب، الذي ترأس المحكمة... العليا وأسس جامعة الإمام محمد بن علي ‏السنوسي الإسلامية، وكان ذلك بمناسبة زيارة الملك سعود ابن عبدالعزيز لليبيا، ‏في فبراير من سنة 1957.
 
في ختام الزيارة الرسمية، وبعد البرنامج الحافل الذي مكّن الملك سعود ‏من الاطلاع على منجزات الدولة الليبية التي لم يتجاوز عمرهايومذاك خمس ‏سنوات، سأل الملك إدريس ضيفه السعودي عن رأيه وانطباعاته عما رأي وشهد ‏في ليبيا؟
 
تردّد الملك سعود قليلا ثم قال: إنني لم أكن أعلم أن ليبيا على هذا ‏المستوي من التقدم والازدهار، ومع ذلك، فإنني ـ يا صاحب الجلالة ـ لست ‏مرتاحا ولا معجبا بنموذج دولتكم هذه!.. هذه الدولة التي تحكم بثلاث ‏برلمانات، وثلاث حكومات محلية، وأيضا بمجلس للنواب ومجلس للشيوخ ‏وحكومة اتحادية، ومحكمة عليا من صلاحيتها إلغاء آي إجراء تتخذه الحكومة أو ‏أي سلطة تنفيذية، ولها صلاحية القبول والنظر في أي شكوي أو طعن يرفعه أي ‏مواطن.. ضد قرار أو قانون يري فيه، ما يخالف الدستور!! ‏
 
وقال الملك س! عود: ـ ما هدف هذا التوسع في التعليم وفتح المدارس أمام ‏جميع أفراد الشعب بلا رابط ولا ضوابط.. ثم لماذا أنتم مهتمون بتكوين جيش ‏حديث وقوة عسكرية مسلحة، في الوقت الذي تسير فيه مظاهرات شعبية في مدن ‏المملكة، يهتف فيها المتظاهرون بشعارات مشبوهة ولا علاقة لها بليبيا!!‏
 
وكان الملك سعود قد أحيط علما بأخبار المظاهرة الشعبية التي سارت في ‏مدينة طرابلس، أثناء هذه الزيارة وهي ترفع يفط وشعارات ضد حلف بغداد ‏وتردّد: ' جمال ـ سعود ـإدريس / يسقط نوري مندريس ' آي (نوري ‏السعيد رئيس وزراء العراق وعدنان مندريس رئيس وزراء تركيا) وكأنها تبدي ‏التأييد لحملة مصر ضد حلف بغداد التي يقودها يومذاك راديو صوت العرب ؟ ‏
 
قال الملك إدريس بهدوئه التقليدي وصوته الخافت: ليس في وسعنا ـ يا ‏جلالة الملك ـ المضيّ سوي في هذا الطريق، وعلى هذا النحو.. ثم أضاف: لقد ‏تغيّر الزمن، وهذا هو العصر الذي نعيشه، وهذا هو ما قامت عليه المملكة ‏الليبية..‏
 
صمت الملك سعود، وكأنه صدم بإجابة الملك إدريس..‏ وعاد الملك إدريس بابتسامة يسأل الملك سعود: فما الذي يراه جلالتكم ؟‏ هنا ظهرت على وجه العاهل السعودي مسحة من عدم! الارتياح، قبل أن ‏يقول: إن النتائج يا جلالة الملك، على المدي البعيد و القريب، سوف لن تكون ‏طيبة.. بل وستكون وخيمة!‏
 
تساءل الملك إدريس: فما الذي يقترح جلالتكم؟ ‏قال الملك سعود: الذي أراه هو إلغاء هذا ' البرلمان والمجالس ‏التشريعية للولايات التي تتشكل عن طريق الانتخاب ' وكذلك لا حاجة لكم ‏بمحكمة عليا، لها كل هذه الصلاحيات، ولا لهذا الدستور.. وعليك إذا أردت أن ‏تحافظ على مملكتك، أن تكتفي بتعيين ' مجلس استشاري ' من أهل الحل والعقد ‏والمشايخ والعلماء من المخلصين، بدلا من هذا البرلمان وهذا الدستور.. وتضع ‏بدلا منها على يمينك (المصحف) وعلى يسارك (سوط) وتقول للشعب: هذا ‏هو دستورنا.. الدستور الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. ‏
 
ورأيي أيضا، أن لا تمضي في تكوين جيش حديث ولا قوة عسكرية ‏منظمة '، وإنما يكفيكم فقط تكوين (حرس وطني) من رجال القبائل الموالية ‏مثل ما فعلنا نحن.‏
 
ابتسم الملك إدريس، وغير اتجاه الكلام، فلقد كان الملك إدريس ليس من ‏عصر الملك سعود ولا من جيل المفاهيم التي كانت يومها سائدة.. ‏
 
الملك الذي تلقي البيعة من ممثلي الشعب في الجمعية التأسيسية التي ‏وضعت الدستور، وبدأ عهد مملكته بإلغاء لقب (صاحب ال! جلالة) وقال قولته ‏المشهورة: إن الجلالة لله عز وجل، وأصرّ على إصدار' قانون تنظيم الأسرة ‏المالكة ' لا يعترف بوجود عائلة مالكة ولا وجود أمراء من الأسرة السنوسية، ‏وأطلق على زوجته وهي ابنة عمه ' زوجة الملك ' لا لقب الملكة، ورفض أن ‏يطلق اسمه على شارع واحد من شوارع مدن المملكة، وأزال صورته من أوراق ‏النقد بعد أن فوجئ بوضعها دون موافقته، على أوراق العملة في أول إصدار لها ‏بعد الاستقلال..‏
 
هذا الملك، الذي لا يملك من مملكته ـ حسب ما كشفت محكمة بشير ‏هوّادي (محكمة الثورة) الا أربع هكتارات ونصف، في بلدة ' مسّه ' ومنزل ‏قديم ورثه عن والده، ومزرعة اشتراها من الشيخ أحمد العالم ' نائب مفتي ليبيا ' ‏بطريق سواني بن يادم، في طرابلس بما تمكن من اقتطاعه من ' مخصصاته ‏السنوية ' التي تمنح له بموجب الدستور والقانون المالى للدولة، وكانت هذه ‏المزرعة، عبارة عن 82 هكتارا من الرمال، بني فيها مسكنا يقيم فيه عند وجوده ‏في عاصمة مملكته طرابلس وحرص بعد ذلك على رزاعتها.. هذا الملك الذي ‏يتنقل في سيارة حكومية مع أربع جنود من البوليس هي كل حراساته وحراسه.. ‏الملك إدريس هذا، فعلا وحقا، ليس من جيل ملوك ! العرب في هذا الزمن، ولا ‏يفكر بعقلية أمرائهم ولاحكامهم، حتى عندما أصبح بعض حكامهم ثوارا ‏واشتراكيين!‏
 
ولذلك لقي وسيلاقي كل الذين حنثوا بقسم الولاء له عند التخرّج من الكلية ‏العسكرية أو عندما تقلدوا شارات ترقياتهم على سلم الضباط بعد ذلك، وغدروا ‏به، وهو الملك الزاهد في الملك والمصرّ على الاعتزال، والتخلي عن العرش، ‏وترك الحرية لرعاياه ليختاروا شكل الحكم الذي يريدون.. سيلقي كل أولئك ‏الغادرين مصارعهم، الواحد تلو الآخر.. ولن يفلت منهم أحدا.
 
ودمتم فى حفظ الله
 
احمد بن احمد عبدالرحمن
libyans4libya@yahoo.com