10/02/2006

المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (2) 
 
بقلم: أحمد عبد الرحمن

 
عندما عينت الجمعية الوطنية الليبيةحكومة مؤقتة في شهر أبريل عام 1951م برئاسة السيد: .محمود المنتصر رأت الحكومة أهمية زيارة الملك إدريس لمنطقة طرابلس تلبية لرغبة ابناء طرابلس لهذه الزيارة، ولبى الملك تلك الرغبة، وأبتهجت المدن الليبية في جهة الغرب بهذه الزيارة، أستقبلته الوفود من الرجال والنساء والشيوخ والشباب، وعندما وصل موكبه إلي طرابلس وأخترق شارع عمر المختار كان بعض الحقودين يتربص بالملك الدوائر، وقذف موكبه ببعض القنابل، ولكن الله سلم وظهرت من الملك شجاعة نادرة في مثل تلك المواقف، وثبات عجيب، وماكاد يذاع نبأ المحاولة الفاشلة في ليبيا حتى أجتمعت جموع الشعب في أسرع من لمح البصر بأندفاع ذاتي لا كما يحصل اليوم وذلك لفرط حبها لملكها وقائدها، وشرعت تهنئ بعضها بسلامة قائدها ، وبهذه المناسبة قال الشاعر المعروف بشاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي:
 
وقاك الله من شر الأعادي
وعشت لأمة جعلتك رمزا
حياتك بيننا لله نورا
أتم الله نعمته علينا
ودام علاك يا أمل البلاد
لوحدتها وروحا للجهاد
أيطفئ نوره أهل الفساد
بحفظك واهتدائك للسداد
 
وقد أجاب الملك إدريس {رحمه الله تعالى} عن هذه الحادثة فقال: {إن هذه الحادثة لم تكن أبدا من ليبي، ولن يقدم عليها أحدا من أبناء ليبيا، وأنني أحمد الله جلت قدرته الذي وقى هذه البلاد شر المصائب إلى أن قال : والضرر الذي يلحق بقضية الوطن أخطر من الضرر الذي يلحق بشخصنا أو بأي شخص آخر، وقال: إننا لسنا من أي حزب ولن نتحزب لحزب دون آخر، وإنما نحن للجميع، ونسعى لخير الكل, ولصالحهم ، هذا هو مبدؤنا الذي فطرنا عليه وعملنا من أجله زهاء ثلاثين سنة، ونحن لانعتبر أنفسنا إلا فرد من أفراد هذا الشعب لايهمه غير مصلحة الشعب ومستقبل البلاد.
 
وقام بعدها بزيارة مدن [ترهونه- الزاويه- غريان- يفرن- مصراته- زليطن- الخمس-] وكان يستقبل من الشعب بالحب والعفوية والتلقائية تعبيرا عن فرحتهم بهذه المناسبة.
 
الملك المحبوب
 
لقد كانت أعمال الملك إدريس من أسباب محبة الليبيين له فقد أصدر أوامره بأن يعفى من الضريبة الجمركية كل ما يرد إلى الديوان الملكي، وبأن لايلقب بصاحب الجلالة تقدسا بذات الله {جلا جلاله} وقال: {إن الجلالة لله وحده وما أنا إلا عبد من عباده} ويعتبر هذا الحدث سابقة تاريخية من أروع ماشوهد في دنيا الملوك.
 
يقول السيد: أحمد العرفي (الذي كان سجينا سياسيا في سجون القذافي بطرابلس) عن حادثة تدل على تعظيم الملك إدريس للمولى (عزوجل) وهي: أنه كان هناك مسجد جديد في مدينة البيضاء بمنطقة الجبل الاخضر، وجاء الملك لأفتتاحه ومع مجيئه ودخول المسجد شرع الناس في الترحيب بالملك وبصوتا عالي فغضب الملك وأمر الناس بالصمت وقال: {هذا المكان لاينبغي أن يذكر فيه غير إسم الله}، وأستشهد بقوله تعالى: [وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا]- الجن-18. ولذلك أحبه شعبه وأحب شعبه وكانت الإرادات السامية تصدر من الملك لتجسد هذه المعاني الرفيعة من التواضع والبساطة، والبعد عن المظاهر وتحاشي الشبهات، فقد أصدر إرادة سامية بأن لايطلق أسمه على الشوارع والمؤسسات بقصد التمجيد والتخليد محتسبا عند الله ما عمله لصالح أمته وشعبه.
 
وأصدر إرادة سامية بأن لاتنشر صور ذاته على العملة أو على الطوابع البريديه أبتعادا عن المظاهر الدنيويه الزائله، وأصدر قرارا ملكيا بأن لايتخذ من ذكرى ميلاده عيدا رسميا، وأن لاتقام الاحتفالات بهذه المناسبة وذلك لأنه ليس مما جرى العمل به في السلف الصالح {رضوان الله عليهم}.
 
وأصدر أمرا بتعديل قانون البيت المالك، وأغى بموجب ذلك الأمر حصانات وامتيازات الأسرة السنوسية، كما ألغى ألقاب الإماره والنبل من أعضاء البيت السنوسي، وأمر أيضا بأن لايقبل أية هدية يرى الشعب فرادى أو جماعات تقديمها له في المناسبات تتعلق بذاته أو غيرها من المناسبات.
 
كان الملك إدريس {رحمه الله تعالى}  يقوم صباح كل يوم مبكرا لأداء صلاة الفجر في وقتها ويشرع في قراءة القرآن الكريم، وأوراده اليوميه، ويتناول إفطاره حوالي الساعة التاسعة، ثم يخرج إلى مكتبه حوالي الساعة العاشرة، فيستقبل موظفي الديوان والخاصة الملكية لتصريف الأعمال اليومية، فيستقبل زواره من الضيوف ورجال الحكومة، وأصحاب الحاجات من الحادية عشر إلى الواحدة ظهرا، ثم يتناول طعام الغداء بعد تأدية صلاة الظهر مباشرة، وكانت الجولة البرية من أحب الرياضات عنده وكان يستقبل بعض زواره قبل صلاة المغرب، وبعد صلاة العشاء يتناول الشاي مع موظفي القصر وضيوفه، وينام عادة حوالي الحادية عشر مساءا.
 
وكان يحب المطالعة في مكتبته الخاصة ويعكف عليها طويلا، وأحب ماعنده قراءة القرآن ودراسة كتب التاريخ العام، وكان يحرص في غالب الأحيان علي استماع نشرات الأخبار من المذياع، وكان لايهتم بالمظاهر في تحركاته.
 
وقد ذكر السيد: عمر فائق شنيب- رئيس الديوان الملكي- أن الملك {رحمه الله تعالى} كان في يوم ربيع 1952م راجعا من جولته التقليدية ورأى سيارة تقف بسبب خلل فيها، وكان صاحبها الاستاذ: محمد بن عامر فأمر الملك سائق سيارته أن يقف حتى تلتحق به سيارة الحرس، وأمر هذه السيارة بأن تعود إلى الاستاذ: محمد بن عامر فتحمله حيث شاء.
 
إن هذه الصفات الرائعة تدلنا على جوانب مضيئة في شخصية الملك إدريس الإسلامية، وحبه لمعالي الأمور وأهتمامه بالتواضع والبساطة، كما تدلنا على أنه تحصل على قسط من التربية الإيمانيه من حركة أجداده الميامين الطيبين الطاهرين.
 
يتبع قريبا بعون الله ودمتم فى حفظ الله ورعايته
 
احمد بن احمد عبدالرحمن
libyans4libya@yahoo.com 
 
المقتبس النفيس من سيرة الملك ادريس (1)