الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

11/07/05


 

 

الشيطان يحكم الخرطوم.

 

وامنيـن مانشيل انظري .... نلقا اوهـاوم تستـاهل بكا.

 

(1)     سأل الشاب شيخه الداعية: ... ولكن ياشيخ لماذا تكثر الحكاية عن الكرامات في أرض الأفغان والشيشان، ولا نسمع مثلها في فلسطين وجنوب لبنان والجولان؟؟، والعدو أفجر، والمجاهدون أحوج، والإعلام والصحافة أكثر ، فتلعثم الشيخ  ثم زجره قائلا: وما يعلم جنود ربك إلا هو .....!!!!

 

(2)      هل نستطيع أن نحصي عدد الزغاريد التي أنطلقت عبر كل الشمال السوداني، لتزف شهيدا تلو الشهيد إلى الحور العين الجالسة تنتظره على أحر من الجمر؟؟.  وهل نستطيع أن نعلم عدد الخطب التي صدحت في أرجاء الخرطوم وغيرها تستنزل اللعنات على شياطين النصارى والوثنيين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله في جنوب السودان؟؟. وهل نستطيع أن نأتي على ذكر الكم الهائل من المقالات والكتب التي سالت أحبارها، وذاعت أخبارها، عن المؤامرة الصهيونية والماسونية والصليبية، التي يقودها أهل الجنوب، وعقيدهم قرانق (الماركسي)، ضد بوابة الإسلام الجنوبية؟؟.

 

       وهل يجوز لنا اليوم أن نطالب كل أولئك الذين أقنعونا بأن الحرب الأهلية السودانية، هي حرب مقدسة، بان يقنعونا بالطريقة الأسطورية التي أستطاعوا بها (لحس) كل ماسبق، لتخرج نفس الزغاريد ، وتعلو ذات الخطب، وتصدر نفس الصحف وأكثر منها، بعكس  الماضي وأقاويله ودعاويه؟؟؟ أين ذهبت الكرامات التي سيق بنسجها الآلاف من الشباب السوداني إلى حتفه، وجلس اليوم ليحتفل من شرب دمهم منصبا ونفوذا وسلطة؟؟ ويساق شباب آخرون في الفلبين والعراق وأندونيسيا ... الخ إلى نفس المصير.

 

       لم يكن قرانق إذا ماسونيا، ولا صهيونيا، بل قائدا عظيما ووطنيا، إنه اليوم فخامة النائب الأول للرئيس، مجرد تحليل سياسي لضغط أمريكي، ومحكمة جنايات دولية، جعلتنا نتخلى عن الحور العين، ونزعنا من الملائكة سيوفها، وتركناها (لاشغل لامشغلة)، بل سيكون من يجرؤ على محاربة الماسوني والصهيوني والوثني، شيطانا،وسيذهب من يقتل الشيطان إلى جهنم، بعد أن كان من يقتله وأتباعه يذهب لجنات عدن طالما أن مبررات الجهاد المقدس قد أختفت، بدون أي سبب مقنع، إلا حجة الله الأمريكية، وملفات المحاكم على الأراضي الهولندية، مجرد تغيير بسيط في وجهة الرحلة من ضيافة رضوان إلى ضيافة مالك(وليقض علينا ربك). فلا حول ولا قوة إلا بالله، كيف يستخف هولاء الساسة بالدين والشعب والقيم بلا وازع ولا ضمير.

 

        إنه مشهد أخر، على تجيير الدين في السياسة، على القمع، والطائفية، والظلم في رداء النقاوة، والبياض، والطهر الفردوسي المخادع، الحقيقة الوحيدة الممكن معرفتها: أن لا أحد ممن فعل المشار إليه أعلاه من دعاية وتحريض وتبشير، كان مؤمنا بما يقول ويفعل، الجنة والجهاد والحور والملائكة كلها، كانت مجرد لعبة ووسيلة، وأنشوطة سياسية جعلت في أعناق الشعب الغلبان، فهدرت ثروته، واغتصبت نساؤه، وقتل أطفاله وشيبه وشبابه، لأكثر من عشرين عاما، لكي يدرك السودان أنه كان يقاتل لمجرد الإهواء السياسية. بل وحتى هذه لم يشار إليها، فصار القتلة أنفسهم السبب في السلام، وصار التخلي عن مطامعهم إنجازا يحسب لهم.

 

       مليوني سوداني (مسلم ونصراني ووثني) قتلوا، في حرب مقدسة دنست كل القيم التي أنزل الله على رسله حمايتها، والذود عنها، أليس هذا كافيا لأن نراجع ماجرى وما يجري، أليس هذا مبررا كافيا، ليسمح لنا أن نعيد التفكير لا في الدين والتدين، بل في المتدينيين عندما يرفعون المصحف والسيف، ليقودوا حربا دنيوية بأسم الإسلام، والإسلام من ذلك براء، صرنا خير أمة فجّرت الناس، وذبحت الناس، وأبكت الناس، وضيّقت على الناس، وأضحكت عليها الناس، وبات من الصعب أن نكون خير أمة أخرجت للناس، على هذا الشاكلة. 

 

       الملايين التي خرجت تستقبل (جون قرانق) في وسط الخرطوم، كانت مفاجأة حتى (لقرانق) نفسه، وبدا جليا أن السودانيين يريدون السلام، يريدون الحياة، مثل البشر. ملوا من حروب الساسة المقدسة، وملوا الأكفان البيضاء، وملوا من أوهام الجزء المتفوق، السودان الذي عاش فيه السودانيون على فرض أن عدوهم في الجنوب، جاء أهل الجنوب إلى عاصمته ليحكموها، فيما أهل الشمال لا يزالون منقسمين على أنفسهم فرقا وأحزابا، وطوائف. (فسبحان مغير الأحوال).

 

        حديقة أفريقيا ومزرعتها، تحتاج اليوم إلى فتاوى للعمل والإنتاج، وهذا لايكون إلا بنشر الحب بين الإنسان وأخيه الإنسان، لأنهم بشر، من حقهم جميعا أن يعيشوا في بلادهم التي خلقوا فيها، بلا تفضيل ولاتفاضل، وليعلم كل المخدوعين، أنه لم تكن هناك طيلة العشرين عاما الماضية ملائكة في السودان ولا في غيره (من ساحات السياسة المخفية) تحمل سيوفا أو(أر بي جي)، بل كل مافي الأمر معارك أججها الشياطين على سلطات وثروات مغلفة زورا بالحق المبين.

 

      وليسترحم أهل السودان المسكين على من فقدوا، ولنسئل الله معهم(صادقين) أن يعوضهم بحور عين  حقيقية جراء خديعتهم، وسذاجتهم، عندما أنطلت عليهم بحسن نية سوء مقاصد الساسة، وليتناسى الأحياء جراحهم المريرة، مثلما تناسوا في ساحات الخرطوم قصص الملائكة المزيفة، عندما خرجوا يستقبلون نائب رئيسهم الجديد، إذ كان الجميع على اليقين بأن الملائكة لا تحضر إحتفالات السياسة ولا معاركها.

 

 طارق القزيري

abusleem@gmail.info

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع