08/07/2006


      


 
 
إبراهيم عبد العزيز صهّد
 
 

(4)

 

بالآلاف  وليس بالمئات، كان تدفق المتطوعين على حامية المرج. فمنذ الساعات الأولى من صبيحة يوم 6 يونيو توافدت جموع كبيرة من المتطوعين. بدأ توافدهم بأعداد قلية أول الأمر،  ثم تدفقوا  على المعسكر في حافلات وسيارات أجرة وسيارات خاصة، وكانت الأعداد كبيرة، ما دعا إلى استنفار الحامية كلها لاستقبال واستيعاب هذه الأعداد الغفيرة من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية والاجتماعية. كانت الطريق الطويلة الممتدة من مدينة المرج حتى بوابة المعسكر ممتلئة بالسيارات المقلة للمتطوعين، وقفت في طابور طويل، وكان المتطوعون يتقدون حماسا، يرددون الأهازيج والهتافات والأناشيد الحماسية.

 

في صبيحة اليوم الثاني للحرب، وتزامنا مع بدأ تدفق المتطوعين، قرر آمر الحامية  تكليف عدد من ضباط مدرستي المشاة بإعداد برنامج مكثف لتدريب المتطوعين، وتكليف عدد آخر من ضباط الحامية لوضع ترتيبات إيواء وإعاشة المتطوعين. كانت المهمة صعبة وذلك لعدم وجود أدنى تصور للأعداد المتوقعة للمتطوعين، ولا للمدة المتاحة أمامنا.

 

وضعت خطة مرنة لاستيعاب المتطوعين، وقد برزت معضلتان، أولهما: مشكلة عدم توافر كميات من الأسلحة تكفي لتدريب أعداد كبيرة، ولحل هذه المعضلة صممت جداول تبادلية، كذلك خوطبت رئاسة الأركان لتأمين أعداد كافية من البنادق والرشاشات والغدارات. أما المعضلة الثانية، فتمثلت في أن المعسكر لن يتسع لإيواء أعداد كبيرة من المتطوعين، الأمر الذي يتطلب مواقع إضافية. وبالفعل تم تخصيص مدارس العويلية وبطة كمراكز إضافية علاوة على إمكانية استخدام مدارس فرزوغة  وتوكرة إذا اقتضت الحاجة.

 

وقد وضع البرنامج على أن يشمل التدريب على أسلحة فصيل المشاة، التي كانت تشمل البندقية البريطانية العلامة 4 كمقدمة للتدرب على البندقية FN والغدارة ستيرلنغ والرشاشة براونينغ وقاذفة الصاروخ والرمانة اليدوية، واشتمل البرنامج على جداول تبادلية بحيث يوزع المتطوعون على مجموعات تتلقى تدريبات في نفس الوقت على أسلحة مختلفة. نم تكليف عدد من ضباط وضباط صف مدرستي المشاة والمخابرة بمهمة التدريب الفعلي[1]. وقامت مدرسة المخابرة بإعداد أجهزة لاسلكية لربط مواقع التدريب بالحامية (العويلية وبطه وتوكره وفرزوغه)، وتهيئة عدد من الجنود لتشغيلها[2].

 

كنت من الضباط الذين كلفوا بالمشاركة في تدريب المتطوعين، غير أن تعليمات وصلت إلى مدرسة المخابرة في ظهيرة ذلك اليوم أدت إلى إلغاء هذا التكليف.

 

التعليمات التي تلقتها مدرسة المخابرة كانت موجهة من رئاسة الأركان، وكانت تقضي بتشكيل فصيل مخابرة بكافة تجهيزاته وأسلحته وآلياته، ووضعها في حالة التأهب للتحرك إلى البردي لإسناد قيادة اللواء الأول.

 

استدعاني المقدم رمضان غريبيل، آمر المدرسة، إلى مكتبه، وطرح أمامي البرقية بعد أن فك شفرتها، وقال لي هذه مهمتك، اختر من تشاء من الجنود والمعدات والآليات، وكن جاهزا في أسرع وقت، فتعليمات التحرك متوقعة في أية لحظة. وشدد على ضرورة أخذ أجهزة احتياطية معنا لأنه لا يعتقد أن يكون الإمداد متوافرا لا في البردي – باعتبارها قاعدة أمامية، ولا في مسرح العمليات في مصر–، وأوضح لي بأن التعليمات تحتاج إلى بعض الاستيضاحات من رئاسة الأركان.

 

مدرسة المخابرة ليست وحدة مقاتلة، وهي لهذا غير منظمة داخليا لمثل هذا التكليف، ولهذا فقد أدركت –كما لابد أن غريبيل قد أدرك قيلي- أن الأمر يتطلب تكوين فصيل غير قائم فعلا، وتجهيزه وإعداده في وقت قصير. كذلك فالمهمة لم تكن محددة بالتفصيل، فقد نصت البرقية على أن المهمة لإسناد قيادة اللواء الأول، وطبعا هذا الإسناد في مجال المواصلات السلكية واللاسلكية. وهي مهمة قد تكون محصورة ضمن قيادة اللواء نفسها، أو أنها بين القيادة وقيادات الكتائب التي يتكون منها اللواء[3]، أو أنها ستكون بين قيادة اللواء ورئاسة الأركان، وهذه المهمة الأخيرة تتطلب معدات غير متوافرة لدينا. لكن المقدم غريبيل استبعد المهمة الأخيرة، وقال سنستوضح ذلك حالا، ولكن ينبغي عدم تضييع الوقت في انتظار التوضيح، بل يجب أن نجهز الفصيل على أساس خدمة الاتصالات في داخل قيادة اللواء وبينها وبين قيادات الكتائب.

 

عدت إلى مكتبي، وراجعت قائمة جنود المدرسة وضباط صفها، وراجعت قائمة بضباط الصف أولا تأسيسا على الكفاءة والتخصص، فكان لدي أكثر مما أحتاج، فجعلت الحالة الاجتماعية عاملا مرجحا، وأعطيت الأفضلية للعزاب[4]. ثم راجعت قائمة الجنود، فوجدت صعوبة في الاختيار نظرا لأنني لم أستطع استثناء إلا قلة من الجنود تأسيسا على الكفاءة والتخصص، ولذلك قررت أن أتيح للجنود مبدأ التطوع، وهو قرار سبب لي مشكلة كبيرة. فعندما أخبرت الجنود بعد أن جمعتهم في الساحة، فوجئت بجميع جنود المدرسة يتدافعون للتطوع لهذه المهمة. وبدلا من أن يسهل هذا القرار مهمتي في الاختيار فقد زادت تعقيدا. لم أجد بدا من العودة إلى المقدم رمضان غريبيل الذي ساعدني في مهمة اختبار جنود الفصيل.

 

كان بمدرسة المخابرة جميع أنواع الأجهزة السلكية واللاسلكية المتوافرة بالجيش. معظم الأجهزة البريطانية كانت قديمة وغير مستخدمة عندئذ، وكنا قد بدأنا -منذ عام 1964- باستلام أجهزة حديثة أمريكية الصنع، وشرعت رئاسة الأركان في تزويد فصائل المخابرة بالوحدات المختلفة بهذه الأجهزة، وبحلول عام 1976 كانت معظم الوحدات مجهزة بهذه الأجهزة، وكان أمراء فصائل المخابرة فيها قد تلقوا دورات بمدرسة المخابرة على تشغيلها، كما كنا قد عقدنا دورة موسعة شارك فيها أمراء فصائل المخابرة وعرفاء الفصائل وعدد من ضباط الصف من كل وحدة. 

 

وكنا أيضا قد استلمنا سيارات "جيب" جديدة للأجهزة المنقولة، وكانت السيارات مجهزة بقواعد خاصة لتثبيت الأجهزة عليها ولربطها في وقب خاص متصل ببطارية السيارة. وكانت إجراءات صيانة الآليات والمعدات المتبعة في الجيش آنذاك مصممة لإطالة عمر المعدات، ولجعلها في حالات الجاهزية الدائمة. وكان فريق النقلية في مدرسة المخابرة قد فاز بالترتيب الثاني لمدة ثلاث سنوات متتالية في حملات التفتيش السنوية التي تجريها مديرية الهندسة الآلية الكهربائية. ولهذا لم نجد صعوبة في تأمين السيارات والمعدات المطلوبة، فقد كانت جميعها جاهزة.

 

في خلال ساعات كان الفصيل جاهزا للتحرك، مجهزا بأفضل ما لدى مدرسة المخابرة من أجهزة لاسلكية وسلكية وآليات. وتم وضع جنود الفصيل في عنبر منفصل، وشرعنا في مراجعة أسلوب ودائرة المخابرة والشفرات والذبذبات، كان الحماس هو السائد بالرغم من الأخبار التي كانت تنبؤ بأن الأمور في الجبهات المختلفة لا تسير على ما يرام.

 

ومع كل ما قمنا به من إعداد، إلا أننا كنا نشعر بأن لدينا نواقص لا تتوافر لدينا في المدرسة، وكان أهمها الخبرة الميدانية، فلا آمر هذا الفصيل ولا جنوده سبق لهم خوض تجربة العمل تحت ظروف معركة. كذلك فقد كانت معضلة الإمداد واضحة، خاصة الحاجة المستمرة –التي لا تنضب- لنضائد (البطاريات) الأجهزة اللاسلكية اليدوية والمحمولة على الظهر. وكنا قد أعددنا سيارات "جيب" وركبنا عليها الأجهزة متوسطة المدى، وأجهزة التعبير[5]. وانشغلت طيلة ذلك اليوم بمهمة إعداد الفصيل وتهيئته عن المشاركة  في ترتيبات استقبال المتطوعين.

 

كان المعسكر يعج بالمتطوعين، بعضهم كان ينتظر انتهاء إجراءات تسجيله، وبعضهم كان يتنقل في داخل المعسكر، وبعضهم أخلد للراحة. مشكلة تجهيز وجبات الأكل والتموين وغيره، جرى حلها، بمضاعفة كوادر مطابخ مدرسة المخابرة ومدرسة المشاة وكتيبة المدفعية وتكليفها بذلك. أما التموين فقد تم فتح مخازن كافة الوحدات بالمعسكر إضافة إلى تأمين متطلبات عاجلة من السوق المحلي في المرج ريثما تصل الإمدادات من مخازن مديرية "الميرة والتموين" في بنغازي. وكان الاتجاه بتأمين متطلبات المتطوعين من الأسواق مباشرة حتى لا تحدث أي اختناقات.

 

كانت الأخبار عن سير المعارك متضاربة، ومازالت الإذاعات العربية –حتى ذلك الوقت- تذيع بيانات ومعلومات تختلف بصورة كاملة عن المعلومات التي نسمعها من الإذاعات الغربية. وكنا نميل إلى تصديق الإذاعات العربية، بالرغم من أن بعض الشواهد تدل على عكس ما كنا نسمع منها. لكن حدث أمران كشفا لنا بوضوح أكبر عن حجم الكارثة. أحدهما كان مساء اليوم الثاني، والآخر كان بعد ظهر اليوم الثالث. كذلك فقد كان بعض المتطوعين يخطط لاقتحام مخازن الأسلحة والاستيلاء عليها.

 

هذا موضوع بقية الحديث إن شاء الله.

 

[1]  لا أتذكر إن كانت تكليفات تدريب المتطوعين قد اشتملت على ضباط من كتيبة المدفعية المتمركزة في حامية المرج.

[2]  اخترنا لهذه المهمة أجهزة  (C-12) البريطانية الصنع، وهي أجهزة بعيدة المدى تستخدم هوائيا  أفقيا وتبث على الموجات القصيرة والمتوسطة، وتستخدم نضائد (بطاريات) السيا رات، وتعود هذه الأجهزة إلى جيل أجهزة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان الجنود يحبونها ويسمونها "المعتقة"، وكانت تتميز بسهولة التشغيل وبالكفاءة العالية، وندرة الأعطال، وتؤمن ذبذباتها إمكانيات البث بموجات سماوية تتخطى الجبال والموانع. أما عيبها الوحيد هو صعوبة التشبيك الأولي الذبذبة الذي كان يستغرق وقتا، لكن غير ذلك فقد كانت كفاءتها عالية، علاوة على كونها اختيارا مناسبا لأن الاتصالات ستتم من مواقع ثابتة. هذه الأجهزة كانت خارج الخدمة في الجيش البريطاني، ولم يكن لدينا عدد كبير منها.

[3]  من المفترض أن تكون سرية المخابرة الأولى هي الوحدة التي تغطي هذا الجانب، وقد ظننا أن رئاسة الأركان لديها اعتبارات أخرى دفعتها إلى إصدار أمرها بتشكيل فصيل مخابرة من المدرسة.

[4]  كان ضباط صف المدرسة مشهود لهم بالكفاءة، في مجالات تخصصهم، وكانوا يشاركون في مهام التدريب، بصفة معلم أو مساعد معلم، وكان بعضهم لديه قدرات عملية فائقة.

[5]  تقوم أجهزة التعبير بتوفير إمكانيات العمل بمديات تقترب من ضعف مديات الأجهزة المستعملة، وهي تربط بين جهازين خارج مدى التشغيل، أو إذا ما كانت تفصلهما مناطق جبلية، أو موانع تعترض الموجات اللاسلكية الأرضية. يوضع جهاز التعبير في منتصف المسافة في الحالة الأولى، أو على قمة الجبل في الحالة الثانية.

 

الجزء الأول     الجزء الثاني     الجزء الثالث


أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com