02/07/2006


     


 

من شرفاء عهد المملكة

 

عبدالرّازق شقلوف في ذمة الله

 

مصطفى محمد البركي

 

mmelbarky@yahoo.com


 

أبلغني صديق فاضل بوفاة السيّد عبدالرّازق شقلوف منذ ما يقرب عن خمسة اشهر تقريبا، ولم يمش في جنازته إلا عدد قليل من الناس، وطلب مني أن أكتب عنه وفاءا له.  إن معظم جيل ما بعد عقد السبعينات من القرن الماضي لا يعرف عن عبدالرّازق شقلوف شيئا ناهيك عن مقابلته. أنا شخصيا ايضا لم اقابل السيّد شقلوف في حياتي قط، رغم ان اسمه كان على لسان كل ليبي خاصة في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. لقد عمل السيّد شقلوف حينها كـ وكيل دائم لوزارة المالية في عهد المغفور له ـ بإذن الله ـ الملك ادريس السنوسي. كانت إمضاءة ـ شقلوف ـ  متواجدة على كل العملات الورقية في العهد الجميل، عهد المملكة الليبية. وكنا نظن حينها بأن شقلوف هذا أغنى رجل في ليبيا بحكم انه المخوّل الوحيد بـ الإمضاء على ورقة العملة، حتى جاء الانقلاب المشؤوم وحوكم السيّد شقلوف مع من حوكم من رجالات عهد الملك ادريس رحمهم الله جميعا. أثناء المحاكمات الظالمة سئل السيّد شقلوف عن ثروته، فاجاب والصدق ظاهر على محيّاه قائلا: عندي الستر والحمد لله. يا لها من اجابة قصيرة مقتضبة، لكنّها سامقة شاهقة علو الجبال.

 

أنا شخصيا كنت واحدا من الناس الذين كان لهم بعض الشك في ان عبدالرّازق شقلوف، الذي كان يعمل مدرسا في عهد ايطاليا، ثمّ وكيلا دائما لوزارة المالية في عهد المملكة، لا يملك خزائن من الاموال!!، حتى جاء هذا الانقلاب العفن، وجاء يوم في سنة 1970 فجائتني سيّدة عجوز ومعها ابنها واذكر ان اسمه مصطفى. بعد التحية والسّلام، قالت لي هذه السيّدة: يبلّغك السّلام السيّد عبدالرّازق شقلوف، فتنبهت وظننت انها تتحدث عن شخص غيري وانها اخطأت الطريق، ثمّ استرسلت في الحديث قائلة: وهو يريد ـ أي السيّد  شقلوف ـ تأجير شقة رقم 12 في عمارتك في السيلس، وكانت هذه العمارة قد بنيت في اوائل الستينات، وبنتها لي شركة ايطالية. فرحبت بها وبـ ابنها وبـ السيّد شقلوف، الذي لم يكن حاضرا في تلك المقابلة. كتبت لها عقد إيجار بـ 50 جنيها شهريا، واخذت هي العقد معها لاستكمال توقيعه من جانب السيّد شقلوف، ثمّ إرجاعه لي مع ثمّن الإيجار. استلمت المرأة مفاتيح الشقة وخرجت من عندي شاكرة. بعد حوالي اسبوع من تسلمها لمفاتيح الشقة، رجعت تلك السيّدة بالعقد، وعليه توقيع السيّد شقلوف، ولكن دون ثمّن الإيجار المتفق عليه وهو 50 جنيه. ألحّ مكتبي المسؤول عن جباية الايجار حوالي 4 إلى 5 اشهر لتسديد الديون المستحقاة على السيّد شقلوف لكن دون جدوى. في احد الايام رن جرس هاتف مكتبي وإذا بالسيّد شقلوف على الجانب الآخر، وهذه اول مرة اتحدث فيها شخصيا معه. قال لي السيّد شقلوف من خلال الهاتف ( يا بو البركي أنا ما عنديش فلوس بيش ندفع لك الايجار، ولذا ارجوك لا تكلّمني عن الإيجار حتى يفرج الله)، ومن يومها آليت على نفسي ألاّ اتصل بالرجل مطالبا إياه بالإيجار، واعتبرت الشقة المأجرة في حكم المفقود. مرت حوالي اربع سنوات تقريبا ثمّ بعدها جائتني السيّدة العجوز التي قابلتها اثناء توقيع العقد ومعها ابنها لترجع مفتاح الشقة قائلة لي: بأن السيّد عبدالرّازق قد انتقل إلى بيت آخر، ولم تزد كلمة واحدة عما قالت. انتهى الموضوع بالنسبة لي بعد ارجاع مفتاح الشقة، ولكن بعد مرور حوالي 3 سنوات اخر من تسلمي لمفتاح الشقة، وحينها كان عيد الاضحى المبارك، جائتني نفس المرأة ومعها كيس به مبلغ من المال، وقالت لي هذا ايجار شقتك التي استأجرها منك السيّد شقلوف، فقلت لها ليس لي مبلغ متبقي على السيّد شقلوف، ورفضت استلام كيس المال منها، فقامت المرأة واتصلت هاتفيا بالسيّد شقلوف تخبره عما جرى بيننا من حوار، فألحّ عليّ السيّد عبدالرّازق بأغلظ الإيمان ان آخذ حقي من المال، فأخذته بعد ان ابلغني ان الحكومة دفعت له مستحقاته وانه غير محتاج الآن.

 

عبدالرّازق شقلوف هذا بجانب موقعه كـ وكيل دائم لوزارة المالية، كان رئيسا للنقطة الرابعة الأمريكية، وكانت ميزانيتها بالكامل تسلّم له شخصيا، وتصرف الاموال بإمضاءه هو فقط. هذا الشخص وبهذه الصلاحيات وبكمية الاموال التي تتدفق بين يديه يوميا، لم يأخذ منها مليما واحدا ليس من حقه. تصّور معي اخي القارئ لو ان احدا من عصابات هذا النظام الفاسد هو من كانت له هذه الصلاحيات، فكم كان سيسرق يا ترى؟. شخص يدعى محمد علي الحويج ليس وزيرا للمالية ولا وكيلا لها اختلس في عهد هذا السارق الأكبر مبلغ وقدره مليار واربعمائة وعشرون مليون دولار فقط لاغير (حسب تقرير احدى منظمات حقوق الانسان ـ نشر مؤخرا). فكم سيسرق عضو هذه العصابات قبح الله سعيهم لو تولّى هذه المناصب؟. سؤال اترك  الإجابة عليه للقارئ الكريم.

 

في يوم كنت عند السيّد محمد سليمان بوربيده في البيضاء وكان وزيرا للمالية ، وسألته عن من هو هذا الشقلوف الذي اسرني صدقه ووفاءه؟. فأجابني بأنه رجل نظيف عفيف صادق وصلب المراس. وقد ذكر الدكتور محمّد المقريف في كتابه الاخير قصة إقالة السيّد شقلوف من منصبه أثناء وزارة السيّد عثمان الصّيد،، مما جعل السيّد عبدالمولى لنقي يهنأ السيّد الصّيد على قراره هذا!!

 

ومادمنا نتحدث عن المالية وعن ناسها، فقد زارني في احد الأيام السيّد محمد سليمان بوربيده ـ وزير المالية السابق ـ مع ابنه سعيد صديقي، وقال لي بأنه لم يعد وزيرا للمالية، ويريد مني ان أفكر له في اي مشروع يعول به عائلته الكريمة، وكنت حينها أملك ورشة لتصليح السيارات (ورشة لبدة)، فقلت له ان رغب في اقتنائها فهي له، واتفقنا على ثمّن البيع وكان على ما اذكر 1600 جنيه دفعها لي بالتقسيط ،، أي والله دفعها بالتقسيط وكان وزيرا للمالية!!. ولازالت هذه الورشة بهذا الاسم تعمل إلى يومنا هذا، وتعتبر اكبر ورشة لأعمال السّباكة وصب المعادن في بنغازي.

 

رحم الله عبدالرّازق شقلوف، ومحمد سليمان بوربيدة فقد كانوا كـ بقية شرفاء العهد الملكي، ما رأينا منهم إلا الصدق والأمانة. وأصدق مثل حي على صدق وأمانة رجالات تلك الحقبة المباركة، هو ان السيّد عبدالمولى لنقي لايزال يعمل كـ صاحب مكتبة في بنغازي يعتاش منها، والسيّد محمد عثمان الصّيد يعيش لاجئا في بيت في المغرب منحته له الحكومة المغربية. أطال الله في عمريهما، واعانهما على صعوبات هذه الحياة الدنيا،، ودمتم بخير.

 

اخوكم المحب لـ ليبيا وأهلها

 

مصطفى محمد البركي

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com