06/06/2006


      


 
 
إبراهيم عبد العزيز صهّد
 
 

(1)

 
عندما اندلعت حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967، كنت ضابطا في مدرسة المخابرة بحامية المرج[1]. كنت أشغل منصب آمر جناح التدريب بالمدرسة، وكنا في تلك الأثناء نعقد دورة تدريبية لأمراء فصائل المخابرة لبعض الوحدات. وكان عدد الضباط الملتحقين بالدورة لا يتجاوز عشرة ضباط.  كان الخامس من يونيو هو يوم الامتحان النهائي للضباط الملتحقين بالدورة. كنت في قاعة الدرس أشرف على الامتحان، عندما أطل من النافذة "المقدم رمضان غريبيل" آمر المدرسة، وأبلغنا بنبأ اندلاع المعارك، كما أبلغنا أن إذاعة صوت العرب والقاهرة تبث بلاغات عسكرية عن معارك جوية وبرية على طول الجبهات. كان الوقت المقرر للامتحان على وشك الانتهاء، ولاحظت تململا بين الضباط، فطلبت منهم الانتهاء من الإجابة بأسرع ما يمكن، لأننا سنضطر إلى الانتهاء من الامتحان على أية حال. وفي الواقع فقد كنا نتوقع منذ أكثر من أسبوعين أن تصدر الأوامر إلينا بإيقاف الدورة وعودة الضباط المشاركين فيها إلى وحداتهم.
 
كانت حالة الطوارئ والاستعداد القصوى قد أعلنت في صفوف الجيش الليبي بعد سحب القوات الدولية من منطقة سيناء في مايو 1967 ، وبعد أن قامت مصر بإعلان التعبئة العامة، وحشد قواتها في سيناء. حالة الطوارئ والاستعداد كانت تعني إلغاء الإجازات وبقاء جميع الرتب في داخل المعسكرات إلا للمهام العسكرية الرسمية.  تبع ذلك صدور أوامر إلى  اللواء الأول بالاستعداد ووضع وحداته في حالة الجاهزية القصوى لتنفيذ مهام قتالية على الجبهة المصرية- الإسرائيلية. وفعلا شرع اللواء الأول بتحريك بعض وحداته إلى حامية البردي على الحدود الليبية- المصرية. وقد وصلت مقدمة اللواء الأول إلى البردي، وكانت تتكون من كتيبة المشاة الخامسة التي كانت متمركزة في معسكر درنة، ولحقت بها سرايا كتيبة الدروع الثانية، ووصلت قيادة اللواء الأول إلى البردي تصحبها عناصر من صنوف الإسناد والخدمات الإدارية من معسكر البركة ومن معسكر قريونس. كذلك وضعت بقية وحدات اللواء الأول في حالة التعبئة القصوى انتظارا لصدور الأوامر إليها بالتحرك صوب الحدود المصرية. بقية وحدات اللواء الأول كانت تشمل كتيبتي مشاة وكتيبة مدفعية وسرية الهندسة الأولى وسرية المخابرة الأولى. وقد تميز تحرك وحدات مقدمة اللواء الأول إلى البردي بالسرعة وبالكفاءة والانضباط، ووصلت إلى البردي في وقت قياسي، وقوبلت بحماس منقطع النظير من قبل المواطنين أثناء مرورها عبر الطريق الساحلي. وقد طلب من حامية المرج أن تقدم مساعدات لأرتال وحدات اللواء الأول، والسيطرة على مفترق الطريق الساحلي عند مدخل المرج القديم لتقديم تسهيلات إدارية (لوجيستية). مع خيوط الفجر الأولى كنا نسيطر على المفترق وعلى امتداد الطريق غربا حتى المرج الجديدة، وشرقا حتى سيدي ارحومة. وبعد وصولنا بقليل فوجئنا بأعداد كبيرة من أهالي المرج يتجمعون لإعلان دعمهم وتأييدهم. كانت مشاعرهم غامرة، وقد حملوا أعلاما وطنية، وجاءت بعض النساء يحملن "مزهريات" مملوءة بماء الزهر في تعبير رمزي. لم تثنهم لا الحرارة ولا طول الانتظار على البقاء للتعبير عن مشاعرهم. عندما لاحت مقدمة الرتل الأول انطلقت الزغاريد وهاج التجمع بالهتاف "الله ينصركم". كانت تظاهرة بسيطة ولكنها مؤترة.  تكررت هذه المشاهد في كل المناطق التي مرت بها أرتال اللواء الأول.
 
كان واضحا أن منطقة البردي سوف تتحول إلى القاعدة اِلأمامية للقوات التي كان يفترض أن تندفع إلى داخل الأراضي المصرية للانضمام إلى الجبهة في سيناء. كان معسكر البردي يقع بالمقربة من الخليج المعروف بنفس الاسم وعلى مقربة أيضا من نقطة مساعد الحدودية. وكان الموقع يشكل اختيارا طبيعيا ومناسبا لقاعدة العمليات المتوقعة، إذ أن الموقع لا يبعد كثيرا عن الحدود المصرية، مع إمكانية تحويل خليج البردي إلى منطقة إمداد بحري، وإذا ما طالت فترة انتظار القوات في المنطقة، ففي الإمكان استخدام ميناء طبرق لأغراض الإمداد الرئيسة. هذا علاوة على ما توفره الأراضي المحيطة بالمعسكر من إمكانيات تعسكر قوات في حجم اللواء، لكن المعسكر نفسه لم يكن بالحجم الذي يستوعب تشكيلات كبيرة،  وكانت إحدى السرايا التابعة لكتيبة الدروع الثانية تشغل المعسكر منذ أواخر عام 1965.
 
قد يكون من المناسب الإشارة إلى أن البردي هو الاسم الأصلي للمنطقة التي باتت تعرف باسم البردية، أما اسمها الكامل فهو "بردي سليمان" نسبة إلى النبي سليمان عليه السلام. ويقال بأنها اكتسبت هذه التسمية لأن سيدنا سليمان قد استخدم الكهوف المحيطة بها لإبعاد عصاة الجن وسجنهم. وبالرغم من أنني لم أجد أية مصادر تاريخية تدل على التسمية ومسبباتها، إلا أن بعض كبار السن من سكان البردي - الذين تحادثت معهم أثناء زياراتي المتكررة للمنطقة خلال الفترة بين أعوام 67 و69 -[2]  قد أكدوا لي صحة التسمية وصحة سببها، بل إن بعضهم قد زعم أن هؤلاء الجان ما زالوا يوجدون في منطقة الكهوف، ويدللون على ذلك بأقاصيص وحكايات يروونها.
 
وللحديث بقية إن شاء الله

 


 
[1] كان بحامية المرج ثلاث وحدات، هي مدرسة المشاة، ومدرسة المخابرة، وكتيبة مدفعية, كان آمر الحامية العقيد الركن فوزي الدغيلي، وكان في نفس الوقت آمرا لمدرسة المشاة أما آمر مدرسة المخابرة فكان المقدم رمضان غريبيل.
 
[2] بعد انتهاء حرب يونيو نقلت للعمل في "منظومة مخابرة الجيش" التي جرى تأسيسها لتتولى تأمين الاتصالات بين جميع وحدات الجيش،  وقد جهزت المنظومة بأجهزة اتصالات متطورة اشتراها الجيش من شركة T.M.C. الأمريكية. وكانت مهمة المنظومة تتوزع على طول ليبيا وأينما توجد وحدات للجيش، واستغرق إعداد الإنشاءات التي تستوعب الأجهزة والمعدات الحديثة حوالي سنتين، ولهذا كان ترددي على البردي وغيرها من الواقع خلال تلك المدة للإشراف على الإنشاءات وعلى تركيب المعدات. وبحلول عام 1969، كانت جميع المعدات والهوائيات في مواقعها، وكنا قد أعددنا كتابا يحتوي نظاما متكاملا لدائرة المخابرة، وللأسلوب الذي ستعمل به المنظومة، كما تم تدريب الضباط وضباط الصف والجنود الذين سيتولون العمل في المنظومة، وشرعنا في فبراير 69 بتجارب ناجحة لعمل المنظومة، وكان مقررا أن نشرع بالعمل بالمنظومة الجديدة في صيف عام 1969، بعد أن يتم تضبيط الذبذبات والانتهاء من تركيب شبكة "مايكرو ويف" التي كانت تؤمن الاتصال بين المعسكرات والمنظومة . كان آمر المنظومة المقدم آدم الحواز، وكنت معاونا له. ربما ستعود "من الذاكرة" إلى منظومة المخابرة في وقت آخر.
 

أرشيف الكاتب


إضغط هنا لإرسال تعليقك على المقال


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com