07/06/2007

      


من الذاكرة: حرب يونيو/ حزيران 1967 (7)

 

بقلم: إبراهيم عبد العزيز صـهّـد

 

الحلقات

[7] [6] [5] [4] [3] [2]  [1]


 

حرب يونيو /حزيران خلفت آثارها الحسية والمعنوية على الساحة العربية بصورة عامة، وأدت إلى تزايد الخلل في التوازن العسكري في المنطقة، هذا علاوة على احتلال الأراضي وتدمير الجيوش العربية. وإجمالا فأن آثار حرب يونيو ما زالت مشاهدة ومحسوسة حتى يومنا هذا ... مشاهدة ومحسوسة في الأراضي التي ما زالت إسرائيل تحتلها، وفي معاناة أكثر من مليوني مواطن عربي (فلسطين وسوري) تحت نير الاحتلال، وفي إجبار مصر على القبول بسيادة منقوصة على سيناء لقاء الخروج من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي (1)، وفي عدم قدرة الدول العربية على اللحاق بمشاريع التسلح الإسرائيلية، وبالتالي في تمكين إسرائيل بالضرب متى وأين شاءت، وفي فقدان المبادأة في كل الميادين الحربية والسياسية، وأكثر من ذلك كله في تحقق مصداقية الواقعية للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة مما جعل إسرائيل حليفا يسعى لاستقطابه وصديقا يتقرب إليه وعدوا يخشى بأسه، مما زاد في القبول العربي بحالة الانهزام. هذه الآثار والنتائج -على كبرها وضخامتها- لم يجر الاستفادة منها، وظلت دروسها على الورق، بل يمكن القول بأن بعض الأخطاء التي ارتكبت في عام 67 تم تكرارها في عام 73، وهي نفس الأخطاء التي سبق ارتكابها في عام 56.

 

وباستثناء دول المواجهة، فقد كانت ليبيا من أكثر الدول تضررا وبصورة مباشرة من نتائج حرب حزيران/ يونيو، هذا الضرر لحق كيان الدولة ولحق الحكومة، بل إنه طال نظام الحكم بأكمله. وكان أحد مظاهر هذا الضرر ومسبباته في نفس الوقت هو إنكار كل الأطراف لدوره ليبيا الإيجابي ومساعيها الحميدة بما تجاوز في الواقع حدود وإمكانات الدولة، وبما أضر بالمصلحة الوطنية. وفي الواقع فإن التاريخ يسجل مرة أخرى أن الحكومة الليبية قد تلقت "جزاء سنمار" على ما قامت به من إجراءات - قبل وأثناء وبعد الحرب- فاقت غيرها من الدول العربية الأخرى. من هذه الإجراءات:

 

• قيام الملك إدريس بتوجيه برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر خلال الساعات الأولى لاندلاع الحرب، جاء فيها:

 

"في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة من تاريخ امتنا المجيدة التي يتعرض فيها كيانها للهجوم العدواني الغادر والتي تتجمع فيها الأمة العربية لرده وصده بكل قواها نؤكد لفخامتكم باسمنا وباسم الحكومة والشعب الليبي موقفنا الصامد إلى جانبكم في خوض معركة البطولة والشرف والتحرير والعودة. وقد صدرت التعليمات إلى قواتنا بدخول الجبهة الأمامية وان توضع تحت تصرفكم ورهن إشارتكم ونؤكد تأييدنا الصادق واستعدادنا لتسخير كافة الإمكانيات لمساندتكم والتضحية بكل ما يفرض علينا الواجب القومي المقدس دفعا للظلم وقضاء على العدوان وعملا من اجل انتصار امتنا الخالدة في معركتها الحاسمة والله معكم وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"(2).

 

• قيام الحكومة الليبية بإعلان حالة الحرب "الدفاعية"، وقد جاء في بيان الحكومة:
"الآن وقد أسفر العدوان عن وجهه وكشفت العصابات الإسرائيلية عن نواياها الغادرة فقامت بالمبادرة العدوانية والهجوم على أشقائنا العرب ، فان ليبيا تعتبر نفسها في حالة حرب دفاعية ضد العصابات الإسرائيلية. وهي تضع كل إمكانياتها تحت تصرف المعركة وتعبئ كل جهودها لتنفيذ ما تمليه من تبعات وواجبات تنفيذا لأمر القائد الأعلى مولانا الملك المعظم وتعبيرا عن وحدة النضال العربي، وقد صدرت التعليمات إلى طلائع جيشنا الفتي بالتحرك إلى الخطوط الأمامية أداء للواجب المقدس واستماتة في الدفاع عن الوجود العربي وحقه الثابت في هذه المنطقة العربية
(3).”

 

• وقد سبقت كل ذلك قرارات بإعلان حالة الاستعداد القصوى في الجيش الليبي، وإصدار الأوامر إلى اللواء الأول بالتحشد في منطقة البردي على الحدود الليبية المصرية وذلك للمشاركة في المعارك، وقد تم إصدار هذه التعليمات في الأسبوع الأخير من مايو، وأنجز اللواء الأول هذه المهمة، وحرك قوات المقدمة انتظارا لإذن الحكومة المصرية، وكان –مع اندلاع القتال- جاهزا للتقدم إلى خطوط العمليات، واستمرت قيادات الجيش قبل اندلاع المعارك وبعدها في اتخاذ الإجراءات والترتيبات التي تمكن قوات اللواء الأول من القيام بمهمتها (4). وبهذا الخصوص، وبعد مرور أربعين سنة على هذه الأحداث، فإنني أشهد من موقعي آنذاك كضابط في الجيش بأن الحشد والاستعدادات التي اتخذت كانت كلها تدابير حقيقية جادة، ولم تكن لا لغرض الاستعراض، ولا لغرض المكابرة. لقد كانت إجراءات وتدابير حقيقية جادة بالرغم مما كان يواجه الجيش الليبي -آنذاك- من مصاعب أوضحتها في الحلقة الثانية من هذه السلسلة، وبالرغم من الإهمال الذي قوبلت بها مساعي ومبادرات الحكومة الليبية تجاه مصر قبيل الحرب. بل إنني أستطيع أن أجزم بأن حالة الإحباط قد أصابت الحكومة الليبية ورئاسة أركان الجيش من تسويف السلطات المصرية في منح الإذن للقوات الليبية بالدخول إلى الأراضي المصرية، وانعكس ذلك على الجيش عموما، وسنرى في وقت لاحق أن حالة الإحباط تلك قد دعت رئيس مجلس الوزراء للتباحث مع رئاسة الأركان حول إمكانية الدخول إلى الأراضي المصرية دون الحصول على إذن مسبق من السلطات المصرية.

 

• سمحت الحكومة الليبية للقوات الجزائرية بالمرور عبر الأراضي الليبية تجاه الحدود المصرية، وهو إجراء بالغ الخطورة في العرف الدولي، لأنه يُحمّل الدولة الليبية مسؤوليات جسيمة إضافة إلى ما يطرحه من مخاطر مرور قوات –أجنبية- في الأراضي الليبية. وقد مرت القوات الجزائرية وسمحت لها الحكومة المصرية بالدخول إلى الأراضي المصرية، ولكنها لم تشارك في المعارك وذلك بسبب سرعة انهيار الجبهة المصرية. وفي هذا الصدد سوف نرجئ تساؤلا ملحا عن الأسباب التي دعت الحكومة المصرية بالسماح للقوات الجزائرية ولم تسمح للقوات الليبية إلى حلقة لاحقة.

 

• أعلنت الحكومة الليبية قبل اندلاع المعارك بيوم عن تبرع باسم الملك إدريس قيمته مليون جنيه ليبي إلى مصر (5).

 

• ومن الإجراءات التي قامت بها الحكومة الليبية هو إرسالها وفدا في الأيام الأخيرة من شهر مايو برئاسة وزير الخارجية الدكتور أحمد البشتي، كان من بين أعضائه العقيد / ركن عبد العزيز الشلحي لزيارة دول المواجهة ( مصر، الأردن، سوريا)، للتباحث والتشاور وربما لمعرفة النوايا وما يمكن لليبيا أن تقدمه، وكان هذا الوفد دلالة على جدية ليبيا وحرصها، وقد أشرنا في الحلقة الثانية من هذه السلسلة إلى أهمية إيفاد العقيد/ركن عبد العزيز الشلحي ضمن هذا الوفد، وكيف أن الرئيس عبد الناصر لم يول اهتماما كبيرا لا للوفد ولا لمغزى إيفاد الشلحي ضمن الوفد.

 

• شاركت ليبيا في جميع التحركات واللقاءات العربية المشتركة التي سبقت الحرب، بما في ذلك اجتماع وزراء النفط العرب في بغداد بتاريخ 3/6/1967، وكانت ليبيا من ضمن الدول التي أقرت القرارات التي صدرت عن المؤتمر يوم الخامس من يونيو 1967.

 

• بتاريخ 7 يونيو 1967 أصدرت الحكومة الليبية قرارا يقضي بوقف إنتاج وتصدير النفط الليبي بصورة كاملة، متجاوزة قرار مؤتمر وزراء النفط العرب الذي كلن يحصر الحظر على "الدول التي تعتدي أو تشارك في الاعتداء على سيادة أيّة دولةٍ عربية أو على أراضيها أو مياهها الإقليمية". وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن ليبيا كانت آخر دولة عربية تستأنف تصدير النفط (6).

 

• كانت الحكومة الليبية من أكثر الحكومات العربية –في تلك الآونة- تجاوبا مع رغبات ومشاعر الجماهير، فسمحت بقيام نظاهرات رغم إعلان حالة الطوارئ، وغضت النظر عما جرى في هذه التظاهرات من أعمال شغب.

 

• في المجال الإعلامي الرسمي تحولت الإذاعة الليبية منذ الحظات الأولى لاندلاع القتال إلى بث البيانات الحربية التي كانت تذيعها الإذاعات المصرية، وبالرغم من أن الإذاعة حكومية إلا أن العاملين بها لم يراعوا هذه الوضعية في تعليقاتهم، ما أدى في كثير من الأحوال إلى تعريض مصالح وعلاقات ليبيا الدولية للخطر، وإلى جعل الحكومة في وضعية لا تحسد عليها لأن ما يصدر عن الإذاعة كان يعبر بالضرورة على الرأي الرسمي الليبي ويتم تفسيره على هذا الأساس من قبل الأطراف الدولية.

 

• وفي مجال الصحافة لم تقف الحكومة حائلا –كما فعلت حكومات أخرى بدواعي حالة الحرب- أمام الصحافة لكتابات مقالات وآراء اتسمت بالجرأة، كما أنها في أحوال كثيرة كانت تضرب بعرض الحائط المصلحة العليا للوطن، وكانت تردد وتتجاوب مع كل ما يصدر عن مصر.

 

• يالرغم من أن كثيرا من المدن العربية قد شهدت تظاهرات، إلا أنه يمكن القول بأن التظاهرات التي جرت في المدن الليبية كانت الأعنف، ولم تتوقف عند حد إظهار التأييد والمساندة للقوات العربية والتعبير عن الغضب من مواقف الدول الغربية، ولكنها خرجت عن المألوف وتجاوزت حدود التعبير السلمي، مما أدى إلى تعرض كثير من الممتلكات للتدمير، كما جرح عدد من اليهود، وتعرضت منشآت السفارات الغربية والمباني التابعة لها –خاصة أمريكا وبريطانيا- إلى أعمال العنف والتخريب، الأمر الذي دفع بعض الدول الغربية إلى ترحيل رعاياها، وأعطى انطباعات عن ضعف الحكومة.

 

• وفيما يتعلق بالقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية، فبمجرد اندلاع القتال طلبت الحكومة الليبية من الحكومتين البريطانية والأمريكية أن يتم تجميد العمل في قواعدهما، بما في ذلك بقاء الجنود والضباط في حدود هذه القواعد، ووقف جميع الأنشطة بما في ذلك وقف الطلعات الجوية للطائرات الحربية الأمريكية، وشكلت لهذا الغرض لجنة ليبية – أمريكية مشتركة لمراقبت التقيد بهذا القرار. وقد مثل الجانب الليبي في هذه اللجنة عدد من ضباط السلاح الجوي، ومثل الجانب الأمريكي عدد من ضباط القاعدة. وللمعلومية فقد كان السلاح الجوي الليبي محدودا جدا عددا وعدة، وقد خصص للسلاح جزء في قاعدة الملاحة (ويلس)، ولهئا فقد كان الوجود الليبي داخل القاعدة دائما على أية حال.

 

• وبعد توقف القتال مباشرة ساهمت ليبيا مساهمات إيجابية تجاه دول المواجهة، وشاركت على أعلى المستويات في كل الأعمال والملتقيات العربية، من ذلك المشاركة في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد بالكويت، وقامت بتقديم منحة مالية عاجلة إلى كل من مصر وسوريا والأردن، وساهمت في مؤتمر القمة الذي انعقد بالخرطوم والتزمت بدفع معونات مالية إلى دول المواجهة. في هذا الصدد تشير تقارير عديدة أن ليبيا كانت الدولة العربية الوحيدة التي أوفت بالتزاماتها في مؤتمر الخرطوم (كانت السعودية والكويت هما الدولتين الأخريين)، ولا مقارنة بين ثروات الكويت والسعودية وإمكانات ليبيا المالية آنذاك.

 

• وبعد الحرب مياشرة طالبت الحكومة الليبية بتاريخ 15/6/1967 -بصورة رسمية ومعلنة- حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بإغلاق قواعدهما في ليبيا في أسرع وقتٍ ممكن. وقد ردت الحكومتان في 21/6/1967 بموافقتهما من حيث المبدأ على إجلاء قواعدهما عن ليبيا. وكان موقف لحكومة معلنا في هذا الشأن خلافا للأعراف الدبلوماسية التي كانت تقتضي أن يتم ذلك بعيدا عن الإعلام على الأقل في المراحل الأولى، وبالرغم من استجابة الدولتين بالموافقة المبدأية إلا أنهما فسرتا الطلب (شكلا ومضمونا) بأنه طلب غير ودي.

 

هذه بعض المواقف والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الليبية آنذاك، وهي إجراءات تفوق بدرجة كبيرة مواقف عدد كبير من الدول العربية التي كال لها الرئيس عبد الناصر المديح في خطاب تنحيه، بينما تجاهل كل ما قامت به الحكومة الليبية، وذلك للأسباب التي ذكرناها في الحلقة السادسة. لكن عبد الناصر لم يكن الوحيد الذي تجاهل هذه المواقف لأسبابه ودواعيه الخاصة به وبسياساته، بل إن هذه المواقف الناصعة ضاعت في الزحام، واعترضتها وقللت من شأنها جملة من الأمور والاعتبارات التي ستكون مدخلا للحلقة القادمة من هذا الحديث إن شاء الله.

 

وللحديث بقية إن شاء الله...

 

ملاحظة: لا يفوتني أن أشكر للإخوة الذين اتصلوا بي حثا لإكمال هذه السلسلة، وأود أن أعيد التأكيد إلى أنني لا أكتب عن حرب يونيو 1967 بصورة شاملة، فذلك ما لم أكن أبتغيه، وإنما هي كتابات اختزنتها ذاكرة ضابط في مدرسة المخابرة بالجيش الليبي أتيح له الاطلاع على معظم ما كان يجري آنذاك في داخل الأوساط العسكرية من خلال الحضور والمشاهدة ومن خلال ما وفره لي منصبي من الاطلاع على المراسلات اللاسلكية التي كانت دائرة بين رئاسة الأركان ومختلف الوحدات. قد تمتزج الذاكرة حينا بما رشح وتوافر من معلومات حول تلكم الحرب ولكنها تظل في الإطار الذي توخيته.

هوامش:

1. معروف أن اتفاقية "كامب ديفيد" التي وقعتها مصر تنص على إنهاء حالة العداء بين مصر وإسرائيل ، وعلى تطبيع العلاقة بينهما ، وعلى جعل سيناء منطقة معزولة من السلاح، مع محددات كبيرة تحول دون دخول القوات المصرية إليها.
2. من الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1967، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
3. من الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1967، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
4. انظر الحلقات السابقة.
5. ينبغي ملاحظة أن مبلغ مليون جنيه ليبي كان بعادل مبلغ مليونين وثمانمائة ألف دولار. كما يجدر ملاحظة أن سعر برميل البترول آنذاك يقل عن دولارين للبرميل. قارن ذلك بالسعر الحالي للبرميل. كما ينبغي ملاحظة أن ليبيا لم تجن عائدات البترول إلا بدءا من العام 1964 أي قبلها بثلاث سنوات، ناهيك عن أن العائدات كانت مثقلة بأعباء التنمية للخروج من حالة الفقر.
6. انظر قصاصة "مجلة ليبيا الحديثة" المنشورة في موقع الباكور
 
 

أرشيف الكاتب


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com