14/06/2007

      


من الذاكرة: حرب يونيو/ حزيران 1967 (8)

 

بقلم: إبراهيم عبد العزيز صـهّـد

 

الحلقات

[7] [6] [5] [4] [3] [2]  [1]


بعد مرور أربعين سنة على حرب حزيران، وباستقراء المعلومات التي نراكمت عن حقائق ما جرى قبيل الحرب وأثناءها وبعدها، يتضح جليا مقدار العشوائية والارتجالية التي اتخذت بها القيادة المصرية قراراتها "المصيرية" والتي زجت بالعالم العربي كله في معركة لم يكن مستعدا لها، فضلا عن أن مصر نفسها لم تكن مستعدة لهذه المعركة.
 
القرارات والعلاقات المصرية العربية كانت مرهونة ولسنوات طوال بمزاج الرئيس عبد الناصر وكانت مرتكزة على تعزيز مكانة "الرئيس الملهم" في داخل مصر وعلى طول العالم العربي، وتمكين قبضته على الشارع العربي الذي استخدمه - وبكل براعة - سوطا يلهب به ظهور الحكومات العربية من جهة وليحشده خلف شعارات رنانة عجز النظام الناصري نفسه عن تطبيقها في مصر.
 
هكذا وجدت الشعارات الجوفاء الرنانة مكانا بارزا ليس فقط في الإعلام المصري ولكن أيضا في العلاقات المصرية - العربية. وباتت التصنيفات تطلق على الدول العربية ليس فقط على أساس معايير انسياقها للإرادة السياسية الناصرية، ولكن أيضا بغرض جعل حركة الشوب العربية تدور دائما في الفلك الناصري. تم ترسيخ ذلك كله من خلال إعلام تفوق حتى على نفسه في بث الإشاعات والأكاذيب والبرامج النارية التي تلعب بالعواطف وتلهب المشاعر. وهكذا باتت هذه الشعارات والتصنيفات تشكل مرجعية في مفردات ومصطلحات الحركة السياسية العربية.
 
قبل حرب يونيو كان العالم العربي يعيش في إطار جملة من الأوهام اختلقها الإعلام الناصري ورددها حتى أصبحت ضربا من المعطيات التي لا يجرؤ أحد حتى على محاولة وضعها تحت محك الاختبار ناهيك عن محاولة تفنيدها. لقد كان المواطن العربي واقعا تحت تأثير نتاج عمل دؤوب لنظام سياسي امتلك أجهزة دعائية طاغية أخضع فيها العالم العربي لسنوات من الدعاية المركزة التي استخدمت كل شيء .. المشاعر والقضايا والأكاذيب والإشاعة والحرب النفسية.
 
خلال أكثر من عقد من السنين عاش المواطن العربي البسيط في ظل كذبة كبيرة عن انتصار تحقق في معركة السويس (العدوان الثلاثي)، في حين أن حرب 56 كانت قد أفرزت جملة من النتائج كان من أهمها تمكين إسرائيل من تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية تمثلت في:
 
1)  التزام مصر بضمان حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة، الأمر الذي جعل من ميناء "إيلات"[1] منفذا لإسرائيل على البحر الأحمر، مما أتاح لإسرائيل فرص تطوير التجارة بينها وبين دول آسيا وإفريقيا، وعلى وجه الخصوص مكنها من إقامة علاقات نافذة مع عدد من الدول الإفريقية، واستيراد النفط الإيراني، وتجاوز الحظر المفروض على مرور وارداتها وصادراتها عبر  قناة السويس.
 
2)  مرابطة قوة طوارئ دولية على امتداد الحدود المصرية الإسرائيلية، الأمر الذي شكل حماية للحدود مع مصر، مما خفف أعباء إسرائيل الناجمة عن مرابطة قوات كبيرة على هذه الحدود، ومكنها من التركيز على غيرها من الجبهات، إضافة إلى تخفيف الالتزامات المالية والبشرية.
 
3)  أصبحت سيناء منطقة منزوعة من السلاح، وبموجب الاتفاق الذي أعقب حرب 56 فلم يكن في إمكان القوات المسلحة المصرية الدخول إلى سيناء. وقد رأينا الأثر السلبي بالغ الخطورة لهذه المسألة على الحشد المصري في عام 1967. 
 
هذا كله لم يكن معروفا للشارع العربي[2]، فقد صور الإعلام الناصري أن حرب 56 انتهت باندحار أطراف العدوان. ترجع أسباب هذا الاندحار –حسب ما كنا نسمعه من ذلك الإعلام- إلى عاملين: المقاومة المصرية من ناحية وما كان يطلق عليه "الإنذار الروسي" من ناحية أخرى. ولقد كانت السيادة المنقوصة على سيناء وحرية مرور إسرائيل في مضائق تيران وتمركز القوات الدولية في مواقع مختلفة من سيناء، كانت مجهولة على نطاق واسع خاصة بالنسبة للشارع العربي، وإن جرى استخدامها–في أوقات متفرقة- من بعض الدول العربية كمادة إعلامية في الرد على المهاترات والحملات الإعلامية المصرية وبغية إحراج القيادة المصرية، لكن ذلك كان يضيع مع ضجيج الحملات المصرية المركزة. وفي الواقع فإن الحديث عن مجريات حرب 1956 بموضوعية تؤدي إلى إبراز النتائج والاستفادة منها كان يقابل إما بالإنكار والتكذيب أو بإلقاء التبعات على المؤامرة الاستعمارية الكبرى. هذا مع العلم بأن تلك الحرب لم يكن للنظام الناصري أي يد في إشعالها، وكانت معركة فرضت حقيقة على مصر، أي أنه ليس هناك أي معرة من الحديث الموضوعي عن تلك الحرب وعن نتائجها خاصة أن ثلاث دول قد خاضتها ضد مصر. لكن النظام الناصري كان يرغب في تسجيل انتصار خال من أية شوائب في مضمار سعيه الدائم للتفرد بالزعامة العربية. وهكذا ضاعت فرص كثيرة لاستيعاب الدروس أولا، وللعمل الهادي الجاد لاستعادة ما فقد، ولتعديل المسار الديموغاجي الذي اختطه قادة الثورة المصرية لأنفسهم.
 
وخلال سنوات طويلة صدقنا ما كان يبثه الإعلام الناصري عن القوات المصرية على أنها "أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط"، وأنها قادرة على  طرق أبواب تل أبيب في ساعات معدودة، وتابعنا الدعاية المركزة حول الأسلحة التي تمتلكها القوات المصرية بما فيها طائرات الميغ الروسية وصواريخ الظافر والقاهر والمدفعية الصاروخية والضفادع البشرية والصاعقة وغيرها، بل واستمعنا ثم صفقنا لعبد الناصر وهو يهدد بقذف إسرائيل إلى البحر.
 
وتحت شعارات القومية والوحدة العربية والقضايا المشتركة والمصير الواحد سوغت القيادة الناصرية لنفسها حرية التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأخضعت الحكومات العربية إلى حملات متتالية استخدمت فيها كل الأساليب القذرة والعبارات النابية التي تخجل من ترديدها المجالس والمنتديات، كما استخدمت جهارا وسرا الدعوة للانقلابات العسكرية والمساعدة عليها، وكانت النتيجة انعدام الثقة بين الدول العربية وارتفاع وتيرة الحزازات وانعدام فرص وإمكانات اللقاء والتفاهم والتعاون، ناهيك عن القدرة على التخطيط المشترك لعملية هي بخطورة الحرب، وحول قضية هي بأهمية فلسطين، وأمام عدو هو بخبث إسرائيل.
 
قبيل الحرب كانت مصر تخوض صراعا داميا في اليمن، وكانت غالبية القوات المصرية مستنزفة في ذلك الصراع، ناهيك عما أحدثه التدخل المصري من فساد للعلاقات المصرية السعودية وصلت إلى درجة الصدام والمواجهة على أراضي اليمن، كما بلغت درجة الحملات الإعلامية التي كان تبث من صوت العرب والقاهرة والتي كانت تحفل بها الصحف المصرية ضد السعودية درجة كانت تنسف كل الجسور ولا تبقي مجالا للتفاهم.
 
وقبيل اندلاع القتال كانت العلاقات المصرية الأردنية تواجه أزمات متتالية، من دعم محاولات متعددة للانقلاب على الملك حسين، ومن حملات أجهزة الإعلام المصرية وتهجمات الرئيس عبد الناصر في خطبه على الملك حسين بصورة مكشوفة ومقززة، كانت خطب الرئيس مليئة بوصف الملك حسين بالعمالة والرجعية والخيانة، بل إنه وصفه في إحدى خطبه بأنه (عاهر الأردن)، ووصفه في خطاب آخر بأنه (سليل الخيانة)، وكانت الإذاعات المصرية تتفنن في توجيه الإهانات الشخصية للملك حسين، بما في ئلك مصطلح (ابن زين). هذا التعريض والمصطلحات لا تليق لأن تكون لغة التخاطب بين قادة الدول عموما، وعلى الأخص بين قادة الدول العربية، مما جعل الأجواء ملبدة استحال معها التخطيط والتعاون المشترك في وقت مبكر وكافي، وجاء الاتفاق الذي سبق اندلاع المعارك بين الأردن ومصر بمبادرة من الملك حسين، وكان اتفاقا مرتجلا لم يكن له أي نتيجة على الإطلاق على أرض المعركة سوى جر الأردن إلى قد يكون في الإمكان تفاديها، ضاعت فيها الضفة الغربية.
 
من النادر أن تجد دولة عربية واحدة لم ينشب بينها وبين مصر حالة من التوتر والتشنج. عرفت الجزائر أيام حكم الرئيس أحمد بن بيلا سطوة المخابرات المصرية بقيادة فتحي الديب الذي عمل على التدخل في كل شيء مما ترك مرارة في نفوس الجزائريين وكانت هذه الممارسات إحدى أسباب انقلاب بومدين، وعرفت المغرب مشاركة القوات المصرية في نزاع مسلح مرير دار بينها وبين الجزائر[3]، وعرفت تونس حملات إعلامية مصرية موجهة ضد الحكم وضد بورقيبة على وجه الخصوص خاصة عندما عبر عن آرائه بخصوص القضية الفلسطينية[4]، كان يحلو لعبد الناصر أن يسمي بورقيبه في خطبه "الخواجا بورقيبه"، ولم تخل العلاقات المصرية السودانية من توترات أدت بداية إلى إصرار السودان على الاستقلال، وكانت مصر الناصرية تمارس سياسة التعالي على السودان، وعرفت سوريا الإقبال والوحدة مع مصر ثم الانفصال والقطيعة ثم أصبحت العلاقة تفتقر إلى الثقة بسبب خلافات "أيديولوجية"، وعرف العراق أيام نوري السعيد وأيام عبد الكريم قاسم علاقات متوترة بصورة مزمنة، أما السعوية فمن تحالف في مواجهة حلف بغداد إلى صدام حول الحلف الإسلامي إلى نزاع مسلح فوق أراضي اليمن وفي كل المراحل كانت المناوشات الكلامية والألفاظ النابية لغة مستخدمة ضد السعودية، أما فيما يتعلق بليبيا فالقائمة طويلة، تشتمل على التحريض على قلب نظام الحكم وتورط السفارة المصرية في توزيع أسلحة في بنغازي وطرابلس وحرق آبار البترول عام 1965، وغيرها كثير.   
 
في هذه الأجواء المحمومة اتخذت القيادة المصرية قراراتها بمعزل عن التشاور مع أية دولة عربية، وأسست قراراتها على "معلومات سوفيتية بتحشدات إسرائيلية على الحدود مع سوريا"[5]، وارتكبت أخطاء قاتلة ظنا منها أن المسألة لن تتعدى بهرجة إعلامية تنتهي بطريقة ما، فكان الطلب بسحب القوات الدولية بتوقع أن تتم ممانعة من الأمم المتحدة تأسيسا على أن هذه القوات تتمركز بناء على قرار من مجلس الأمن، لكن الممانعة لم تحدث حيث قام "أوثانت" السكرتير العام للأمم المتحدة باتخاذ قرار "مشبوه" بالاستجابة للطلب المصري بصورة عاجلة بدون الرجوع إلى مجلس الأمن، وشرع في تنفيذ القرار خلال 48 ساعة، وقد حاولت القيادة المصرية تدارك الأمر بالطلب بأن تسحب القوات من بعض المواقع وتبقى في مواقع أخرى، الأمر الذي رفضه أوثانت بحجة أن ذلك يعرض القوات الدولية للخطر.  ثم جاء القرار الثاني بإغلاق مضائق تيران، وهو قرار لم يكن في قدرة مصر آنذاك تنفيذه، لكنه مبرر آخر أعطي لإسرائيل لشن الحرب، فكانت إسرائيل تدعي أن المضائق أغلقت في وجه ملاحتها. لقد كان سحب القوات الدولية وإغلاق المضائق إجراءين مخالفين لقرارات مجلس الأمن وكانا يعنيان صراحة أنهما إعلان للحرب. فهل كان عبد الناصر مستعدا لهذه الحرب ؟ وهل استشار أي زعيم عربي بخصوص هذه القرارات؟ بل إن الدلائل رشحت آنذاك أنه اتخذ تلك القرارات رغم معارضة من بعض أركان حكمه من بينهم رئيس الوزراء صدقي سليمان، لكنها قراراته هو فرضها على الساحة العربية ثم طلب من الدول العربية أن تسانده في هذه القرارات. بعدها جاء القرار الخاطئ الآخر وهو قرار عدم توجيه الضربة الأولى[6]، بل وأسوأ من ذلك الإعلان عن هذا القرار –بكل غباء- في مقالة محمد حسنين هيكل الأسبوعية "بصراحة" يوم الجمعة 2 يونيو 67.  أما إسرائيل فكانت مستعدة للحرب، بل إنها كانت تبحث عن غطاء ومشجب تعلق عليهما قرار الحرب.[7] وجاءها ذلك على طبق من ذهب.
 
كان من سياسات عبد الناصر المشهورة تصنيف الدول العربية، تصنيفات كانت أجهزة إعلامه تغرق في تكرارها، وكان الشارع العربي - في عمومه - يصدقها. هكذا صدقنا أن هناك دول عربية رجعية وأخرى تقدمية، وكانت ليبيا تصنف ضمن الخندق الرجعي، ولم يسأل أحد منا يومها على أي أساس يتم هذا التصنيف ؟ ومن يحق له تصنيف من ؟.
 
صدقنا أن مصر تحت الحكم الناصري تقود الصف التقدمي وتحيا في بحبوحة الحريات، وأن هذا الحكم قد جاء ليرفع شعار "ارفع رأسك يا أخي" ولم نصدق أن هذا الشعار رفع كي لا يطبق، وطبق بدلا منه شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" واستخدم هذا الشعار .. واستخدمت المعركة –التي لم تحن بعد- لتكميم الأفواه والإلقاء بالأحرار خلف قضبان السجون لتحقيق أغراض ليس للمعركة نصيب فيها، وحين جاءت المعركة كانت باختبار العدو توقيتا واستراتيجية وتكتيكا، واتضح أن القيادة الناصرية لم تستعد للمعركة ولكنها كانت تظن أنها ستخوض جولة إعلامية ودعائية أخرى تخرج بعدها منتصرة في العواصم العربية، ولكنها - بكل غباء - وفرت للعدو أرضية المعركة التي كان مستعدا لها وزودته بغطائها ومبرراتها وأعطته الفرصة الذهبية كي يستخدم قداحته لإشعال الحريق. يومها لم يعل أي صوت سوى صوت العدو وهو يعربد في السماء العربية وفوق سيناء والضفة والجولان، ولم تنته المعارك حتى كانت إسرائيل قد حطمت جيوش دول عربية ثلاث، وقتلت وجرحت وأسرت عشرات الألوف، ومرغت الكبرياء العربية في وحل ذل هزيمة غير مسبوقة، ثم رفعت شعارها "من جبل الشيخ إلى شرم الشيخ ... ومن القنطرة إلى القنيطرة". وللأسف كان الشعار حقيقة على الأرض ولم يكن كغيره من الشعارات الرنانة التي أغرقت آذاننا عن أن تسمع ما عداها.
 
صدقنا كل ذلك، وتعامت عيوننا - في ليبيا على الأقل - عن رؤية هوامش الحريات المتاحة، وعن رؤية الإنجازات في مجالات متعددة أولها التعليم والصحة والخدمات الأخرى، وغطى الضجيج الإعلامي الهادر على مكتسبات فعلية كانت تتحقق في كل يوم وتتبدى آثارها الإيجابية على معيشة المواطن ودخله، وفي فتح الفرص ليس أمام المواطن فحسب بل وأيضا أمام أشقائنا العرب .. بعضهم وجد في بلادنا من الحرية والطمأنينة ما لم يجده في بلاده التي قدم منها، لكن صفة الرجعية التي طغت حتى صدقناها أعمتنا عن رؤية أهم مكتسب وأعظم ممارسة مما لم يحققه دعاة التقدمية أنفسهم .. فلم نر الدستور الليبي الذي تضافرت جهود آبائنا وأجدادنا للاتفاق حوله ثم صياغته، ولم نقدر لا الدستور ولا جهود الآباء حق القدر، ولم نعط بالا للحياة الدستورية التي تحيا البلاد في كنفها، وبدلا من ذلك تفننا في تصيد عثرات دستورية هنا وهناك اتخذناها تصديقا لرجعية الحكم، ولم نسأل أنفسنا حتى عن المقصود بعبارة الرجعية. ولم نقدر رموز الدولة الليبية .. رموز التحرر وصانعي الاستقلال .. كانت حالة من استلاب الشخصية وضياع الوعي الوطني والانجرار المطلق لما يرد من خلف الحدود.
 
هكذا رسمت العلاقة بين الشعب الليبي وحكومته، شعب ينظر إلى حكومته على أنها رجعية متخلفة لا أمل في أي شيء تقوم به، حتى ولو كان هذا الشيء حشد نصف القوات الليبية استعدادا للقتال إلى جانب مصر، وحتى لو كان ذلك ما أشرنا إليه في الحلقة الماضية من خطوات وتدابير فاقت حتى قدرات ليبيا في عدة نواحي، وفاقت ما قامت به دول أخرى. ومع فقدان الثقة فقد كان على الحكومة الليبية أن تجتاز في كل مرة امتحانا عسيرا كي تثبت نفسها خاصة عندما يتعلق الأمر بالعمل العربي المشترك، وهو أمر مرهق ومكلف ولا نتائج له. وهكذا نجد أن كل ما قامت به الحكومة إما يقابل بالتشكيك في مصداقيته وجديته أو يتم تصغيره والتقليل من شأنه لدرجة السخرية. ذلك كان الشعور السائد في أوساط الشارع الليبي، وفي أوساط الجيش الليبي على وجه الخصوص.
 
أكثر من ذلك كله فلم يكن عمل الحكومة وإجراءاتها بمعزل عن الضغوط التي انصبت عليها من كل جانب، ضغوط داخلية وخارجية، فبدت مبادراتها رهينة لهذه الضغوط وجاءت وكأنها ردود فعل واستجابة ليس إلا.
 
ومع هذا الذي أقوله فقد كان للحكومة قصور واضح وقاتل، فهي قد مارست التواضع في زمن لم يكن فيه مكان للمتواضعين، وهي قدمت كل ما قدمته بصمت وبدون ضجيج أو أنها تحدثت عنه على استحياء، ولم يكن للحكومة جهد إعلامي موازي. كانت أزمة الثقة من ناحية الشعب، وأزمة علاقات عامة من ناحية الحكومة.
 
من هنا تضاعفت النتائج السلبية لحرب يونيو على ليبيا .. وعلى العلاقة بين مكونات الدولة الليبية.
 
وللحديث بقية إن شاء الله
 

هوامش:

 

[1] كانت إيلات في الأصل قرية مصرية اسمها "أم الرشراش"، احتلتها إسرائيل  بعد ستة أشهر من هدنة عام 1948، والغريب في الأمر أن قضية هذه المدينة لم تثر لا أثناء الحكم الناصري ولا بعدئذـ. وقد توقفت المطالبة المصرية أثناء اتفاقيات السلام بمدينة "طابا" التي استعادتها بقرار من محكمة العدل الدولية.
[2] حتى في الجيش الليبي لم نكن نعلم على وجه اليقين بنتائج حرب 56، وكانت الدعاية الناصرية قد أخفت هذه النتائج تحت ضجيج انتصار مزعوم، وأذكر أنني عندما كنت أدرس في الولايات المتحدة الأمريكية -عندما كنت ضابطا في الجيش عام  1965- وخلال مادة "الاستراتيجية والتعبئة" كنا ندرس نتائج الحروب مقارنة بالأهداف التي شنت من أجلها والعوامل التي تؤدي إلى اختلاف النتائج عن الأهداف ، وكان أستاذ الاستراتيجية ضابط برتبة مقدم، وقدم أمثلة لذلك بالحربين العالميتين ثم بالحرب الكورية وحرب السويس 1956، وقد أشار بإسهاب كيف تغايرت النتائج بين الحلفاء الثلاثة (بريطانيا وإسرائيل وفرنسا)  فكانت النتائج سلبية لكل من بريطانيا وفرنسا وأدت إلى سقوط الحكومتين،  بينما كانت النتائج إيجابية بالنسبة لإسرائيل بدرجة لم تكن تحلم بها إسرائيل نفسها، وذكر فيما ذكر نزع السلاح من سيناء وقوات المراقبة الدولية وحرية الملاحة في تيران وذكر أمورا أخرى. وأبرز الأستاذ العامل السياسي الدولي الذي أدى إلى تحقيق هذه النتائج، فقد ساومت إسرائيل بالانسحاب من سيناء لقاء تحقق هذه المكاسب، كذلك أبرز دور الرئيس أيزنهاور في إرغام بريطانيا وفرنسا على سحب قواتهما من منطقة القناة.  أذكر أنني سألت الأستاذ عدة أسئلة حملت لهجة التشكيك فيما يقول، وذكرت "الإنذار الروسي" كسبب متداول في المنطقة العربية من أسباب انتهاء الحرب،   فوعدني الأستاذ بمزيد من التوضيحات خارج الحصص الرسمية. وقد استغليت حصة الرياضة لأذهب إلى مكتبه حيث أطلعني على بعض الملفات في المكتبة وأشار إلى بنود  الاتفاقية التي انسحبت بموجبها إسرائيل وأسست لتمركز القوات الدولية في سيناء الخالية من السلاح وكذلك تعهد مصر بضمان حرية الملاحة في تيران. كما أطلعني على بنود قرارات  مجلس الأمن بالخصوص، وتصويت المندوب الأمريكي إلى صالحها، وقال لي كلمة لا زلت أذكرها "تلك كانت آخر مرة وقفنا فيها إلى جانب ناصر ولكنه لم يقدرها".  وللعلم فقد فاجأني توفر مثل هذه المعلومات والملفات في جناح الاستراتيجية في "مدرسة المخابرة"، التي تقدم مثل هذه الدروس على هامش دورات المخابرة، وقلت في نفسي يومها ترى ماذا يتوفر لديهم في "ويست بوينت" أو في "كلية الجرب" من معلومات وملقات. وهل هذه المعلومات كانت متوافرة في أي من الكليات العسكرية أو كليات الأركان في الدول العربية؟
[3] كان من نتائج هذه المعارك سقوط ضباط مصريين في أسر القوات المغربية، واحتفظت المغرب بهؤلاء الأسرى إلى أن انعقد أحد مؤتمرات القمة العربية في القاهرة حيث قام الملك الحسن باصطحاب هؤلاء الأسرى معه وسلمهم للحكومة المصرية.
[4] كان بورقيبة في زيارة للأردن خلال عام 1965 زار خلالها الضفة الغربية واطلع عن كثب على أحوال المخيمات الفلسطينية وأحوال الفلسطينيين عموما، ما دعاه إلى أن ينادي  بأن يقبل العرب قرار الأمم المتحدة الصادر في عام 1948 بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وأن توقع معاهدة سلام بإشراف الأمم المتحدة. معروف أن قرار التقسيم اعتبر حين صدوره قرارا جائرا لأنه كلن يقسم فلسطين الدولة "الواحدة"، ولكن نتيجة لحرب 1948 تمكنت إسرائيل من الاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي التي خصصها قرار التقسيم للدولة الفلسطينية. أي أن "بورقيبة" لم يفعل سوى المناداة بوضع أفضل مما كانت عليه الأوضاع عام 1965، ناهيك عن الأوضاع التي نجمت عن حرب 67. وإذا ما قارنا ما نادى به بورقيبه والمطالب العربية اليوم فالفارق شاسع جدا. كذلك فقد كانت المطالبة بتنفيذ قرار التقسيم يشكل إحراجا سياسيا ليس لإسرائيل فحسب ولكن للدول الغربية عموما والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وكان قرار التقسيم ما زال يلقى قبولا في الأوساط الدولية، ولم تكن إسرائيل حينها تحضى بالدعم المطلق المتوافر لديها الآن. كذلك فقد كان من الصعب التنبؤ بما كانت مناداة بورقيبة ستحقق في حال عدم مهاجمتها من قبل عبد الناصر والإعلام الناصري، لكنها كانت على أية حال ستكشف  أن إسرائيل أيضا ترفض أية تسوية على أساس قرار التقسيم.  
[5] يقول المشير عبد الغني الجمسي في مذكراته : « في تقديري ، نشوب الحرب كان يخدم الأهداف الاستراتيجية لكل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة . »   وفي هذا تلميح إلى أن. عبد الناصر خدع من قبل الاتحاد السوفيتي واستدرج إلي الحرب عن طريق تزويده بمعلومات غير صحيحة عن حشود إسرائيلية على الحدود مع سوريا. هذا يبقي علامة استفهام على دور سوريا التي أكدت هذه الحشود.
[6] بدعوى الاستجابة لمطلب من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، دون أن يطلب أية ضمانات بألا تتعرض مصر لضربة استباقية، بل حتى دون أن توضع مصر في حالة استعداد لمواجهة ضربة إسرائيلية. لقد صدق المشير الجمسي حين وصف هذه الحرب بأنها "مقامرة ومؤامرة".
[7] في تصريح لقائد الجو الإسرائيلي آنذاك قال بأن إسرائيل قضت 16 سنة نستعد ونخطط لهذه المعركة، وأنها حققت نتائج تخطيطها في خلال ثمانيين دقيقة وهو الزمن الذي تم فيه تحطيم الطيران المصري .
 


أرشيف الكاتب


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com